التَّبَرُّجُ
(أول
خطبة للشيخ زهير بن حسن حميدات)
عنوان الخطبة: التبرج.
الخطيب: الشيخ
زهير بن حسن حميدات.
المسجد: عبد
الرحمن بن عوف.
الدولة والبلد: فلسطين، الخليل، صوريف.
تاريخ الخطبة: شهر رمضان 1413هـ / 1993م
الْخُطْبَةُ
الْأُولَى: هَدْمُ العِفَّةِ وَخِيَانَةُ المِيثَاقِ:
إِنَّ الْحَمْدَ
لِلَّهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ
شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا. مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا
مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا
إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، الَّذِي
خَلَقَ الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَجَعَلَ العِفَّةَ لَهُ زِينَةً
وَكَرَامَةً وَإِيمَانًا. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَقُدْوَتَنَا
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً،
وَأَكْثَرَهُمْ تَوْجِيهًا وَتَحْذِيرًا مِنْ سُبُلِ الضَّلَالِ وَمَهَالِكِ
الشَّهَوَاتِ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ وَصَحْبِهِ
المُكَرَّمِينَ، وَمَنِ اتَّبَعَ سُنَّتَهُ بِعَزْمٍ وَبَصِيرَةٍ إِلَى يَوْمِ
الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا عِبَادَ اللهِ،
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ،
فَهِيَ الوَصِيَّةُ الَّتِي أَوْصَى بِهَا رَبُّكُمْ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ،
أَيَّتُهَا المُسْلِمَاتُ:
إِنَّ شَرِيعَةَ
الإِسْلَامِ جَاءَتْ لِتَبْنِيَ أُمَّةً طَاهِرَةً، عِمَادُهَا الأَسَاسِيُّ هُوَ
العِفَّةُ وَالحَيَاءُ. لَقَدْ حَارَبَ الإِسْلَامُ كُلَّ وَسِيلَةٍ تُؤَدِّي
إِلَى فِتْنَةِ القُلُوبِ وَإِفْسَادِ الأَخْلَاقِ. وَمِنْ أَفْتَكِ الأَسْهُمِ
الشَّيْطَانِيَّةِ الَّتِي تُوَجَّهُ إِلَى قَلْبِ المُجْتَمَعِ: فِتْنَةُ
النِّسَاءِ بِالتَّبَرُّجِ.
فَمَا هُوَ
التَّبَرُّجُ؟
التَّبَرُّجُ فِي
اللُّغَةِ مُشْتَقٌّ مِنْ "البُرْجِ"، وَهُوَ الحِصْنُ العَالِي
الظَّاهِرُ لِلْجَمِيعِ. وَكَأَنَّهَا تُشْبِهُ نَفْسَهَا بِالبُرْجِ الَّذِي
يَشْهَدُهُ كُلُّ عَابِرٍ. فَالْمَرْأَةُ المُتَبَرِّجَةُ هِيَ الَّتِي تُخْرِجُ
نَفْسَهَا وَزِينَتَهَا مِنْ سِتْرِ الحَيَاءِ وَحِصْنِ العَفَافِ؛ لِتَعْرِضَهَا
عَلَى النَّاسِ. وَهُوَ خُرُوجٌ عَنِ الوَقَارِ وَالحِشْمَةِ.
لَقَدْ كَرِهَ رَبُّنَا
تَعَالَى هَذَا الفِعْلَ، وَقَرَنَهُ بِأَسْوَأِ العُصُورِ ظَلَامًا وَجَهَالَةً،
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ الأَحْزَابِ مُخَاطِبًا خَيْرَ النِّسَاءِ،
وَمِنْ خِلَالِهِنَّ كُلَّ مُؤْمِنَةٍ: ﴿وَقَرْنَ فِي
بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾
[الأحزاب: 33]
وَقَدْ وَصَفَهُ
الْإِمَامُ مُجَاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُ: "كُنَّ يَخْرُجْنَ
يَمْشِينَ بَيْنَ الرِّجَالِ، وَذَلِكَ تَبَرُّجُ الجَاهِلِيَّةِ". وَفِي
تَوْصِيفِ بَعْضِ التَّابِعِينَ: "كَانَتِ المَرْأَةُ تَجْعَلُ الدِّرْعَ
عَلَى ظَهْرِهَا، فَتَتَكَشَّفُ مِنْ صَدْرِهَا، فَتُبْرِزُ لِلرِّجَالِ نَحْرَهَا
وَمَفَاتِنَهَا".
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ
تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ، فَمَاذَا نَقُولُ عَنِ التَّبَرُّجِ فِي زَمَانِنَا
هَذَا؟
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
إِنَّ التَّبَرُّجَ
اليَوْمَ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ خَلْعِ نِقَابٍ أَوْ إِبْدَاءِ شَيْءٍ مِنَ
الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ، بَلْ تَفَنَّنَ فِيهِ الشَّيْطَانُ وَأَتْبَاعُهُ،
فَصَارَتْ لَهُ صُوَرٌ فِتْنَتُهَا عَظِيمَةٌ، مِنْهَا:
1.
التَّبَرُّجُ بِالكَاسِيَاتِ
العَارِيَاتِ: وَهُوَ أَبْرَزُ صُوَرِهِ، وَيَشْمَلُ اللِّبَاسَ الشَّفَّافَ،
وَالضَّيِّقَ، وَالقَصِيرَ، وَالمُزَخْرَفَ الَّذِي يُفْضِي إِلَى لَفْتِ
النَّظَرِ. إِنَّهَا مَنْ تَجْمَعُ بَيْنَ لُبْسِ الثَّوْبِ وَعُرْيِ الجَسَدِ
مِنْ فَضِيلَةِ السَّتْرِ وَالحَيَاءِ. هَؤُلَاءِ النِّسَاءُ وَرَدَ فِيهِنَّ
أَشَدُّ الوَعِيدِ النَّبَوِيِّ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((صِنْفَانِ
مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا... وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ
مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المَائِلَةِ، لَا
يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا)) [رواه مسلم]
يَا لَهَا مِنْ
خَسَارَةٍ! أَنْ تُحْرَمَ المَرْأَةُ الجَنَّةَ وَرِيحَهَا بِسَبَبِ زِينَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ
زَائِلَةٍ!
2.
التَّبَرُّجُ
بِتَعْطِيرِ الجَسَدِ: العِطْرُ المُخْتَلِطُ بِالثِّيَابِ وَالبَدَنِ عِنْدَ
خُرُوجِ المَرْأَةِ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ عَلَى
قَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا، فَهِيَ زَانِيَةٌ)) [رواه النسائي]
إِنَّهُ
فِعْلٌ قَلِيلٌ فِي الظَّاهِرِ، وَلَكِنَّهُ خَطَرٌ عَظِيمٌ فِي بَاطِنِهِ؛
لِأَنَّهُ يُثِيرُ غَرِيزَةَ الرَّجُلِ وَيَجْعَلُهَا مُعَرَّضَةً لِلْأَذَى
وَفِتْنَةِ نَفْسِهَا وَغَيْرِهَا.
3.
التَّبَرُّجُ
بِصَوْتِهَا وَلَيْنِ خِطَابِهَا: لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ
نِسَاءَ النَّبِيِّ وَجَمِيعَ المُؤْمِنَاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَا
تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا
مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32] التَّلَيُّنُ فِي الصَّوْتِ وَالخُضُوعُ
فِيهِ هُوَ جُزْءٌ مِنَ التَّبَرُّجِ الخَفِيِّ الَّذِي يُفْسِدُ قَلْبَ
السَّامِعِ.
أَيَّتُهَا الأَخَوَاتُ
الفَاضِلَاتُ، أَيُّهَا الآبَاءُ وَالإِخْوَةُ:
لَيْسَ التَّبَرُّجُ
مُشْكِلَةً شَخْصِيَّةً تَنْحَصِرُ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ هِيَ قَضِيَّةُ
أُمَّةٍ تُفْضِي إِلَى سِتَّةِ مَآسٍ كُبْرَى:
1.
نَزْعُ بَرَكَةِ
الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ: عِنْدَمَا يَرَى الرَّجُلُ فِي
الشَّارِعِ وَالشَّاشَاتِ مَا هُوَ مُظْهِرٌ لِلزِّينَةِ وَالْجَمَالِ
المُصْطَنَعِ، تَفْتُرُ عَيْنُهُ عَنْ زَوْجَتِهِ، وَيَضْعُفُ قَنَاعَةُ القَلْبِ.
فَيَتَسَلَّلُ الشَّيْطَانُ لِيُوَسْوِسَ لَهُ بِالمُنْكَرِ خَارِجَ البَيْتِ.
2.
إِشَاعَةُ الفَاحِشَةِ
وَهَتْكُ الأَعْرَاضِ: التَّبَرُّجُ هُوَ البَوَّابَةُ الأُولَى
لِلْفَاحِشَةِ. لِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ بِغَضِّ البَصَرِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَمَرَ
بِالسَّتْرِ. فَالنَّظْرَةُ تُوَلِّدُ الخَطْرَةَ، وَالخَطْرَةُ تُوَلِّدُ
الخُطْوَةَ.
3.
إِذْهَابُ العِزَّةِ
وَالمَكَانَةِ: حِينَ تَخْرُجُ المَرْأَةُ
مُتَبَرِّجَةً، فَهِيَ تَتَنَازَلُ عَنْ مَكَانَتِهَا كَلُؤْلُؤَةٍ مَكْنُونَةٍ،
وَتُحَوِّلُ نَفْسَهَا إِلَى سِلْعَةٍ مَعْرُوضَةٍ يُحَدِّقُ بِهَا النَّاظِرُونَ،
وَتَضِيعُ هَيْبَةُ وِقَارِهَا.
4.
فَسَادُ الأَجْيَالِ:
الأُمُّ المُتَبَرِّجَةُ، الَّتِي لَا تَعْرِفُ قِيمَةَ الحَيَاءِ، لَنْ تُنْشِئَ
أَبْنَاءً وَبَنَاتٍ يَعْرِفُونَ قَدْرَ العِفَّةِ. فَفَاقِدُ الشَّيْءِ لَا يُعْطِيهِ.
5.
سَبَبٌ لِحُلُولِ
العُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ
يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن
دَابَّةٍ﴾ [فاطر: 45] كَمْ مِنْ مِحْنَةٍ وَبَلَاءٍ حَلَّ بِنَا،
كَانَ سَبَبُهُ التَّسَاهُلَ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَإِشَاعَةَ الفَوَاحِشِ بَيْنَ
الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ!
يَا مَعْشَرَ الرِّجَالِ،
أَيُّهَا الأَزْوَاجُ وَالآبَاءُ،
لَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ
لَكُمْ قِوَامَةً لَا لِتَسْتَبِدُّوا، بَلْ لِتَحْمُوا وَتَصُونُوا. إِنَّ
الغَيْرَةَ عَلَى أَهْلِكَ هِيَ دَلِيلُ صِدْقِ إِيمَانِكَ وَكَمَالِ رُجُولَتِكَ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ثَلَاثَةٌ
لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ
القِيَامَةِ: العَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالمَرْأَةُ المُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ))
[رواه النسائي]. وَالدَّيُّوثُ: هُوَ الَّذِي يُقِرُّ الخَبَثَ فِي أَهْلِهِ.
فَهَلْ تَرْضَى يَا
عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَقِفَ أَمَامَ اللَّهِ دَيُّوثًا سَاكِتًا عَلَى تَبَرُّجِ
أَهْلِكَ وَخُرُوجِهِنَّ عَنْ حُدُودِ السَّتْرِ؟! لَا وَاللَّهِ!
فَالغَيْرَةُ قُوَّةٌ فِي القَلْبِ تَدْفَعُ إِلَى النُّصْحِ وَالمُرَاقَبَةِ
بِحُبٍّ وَرِفْقٍ.
فَيَا مَنْ سَمِعَتْ
كَلَامَ رَبِّهَا وَسُنَّةَ نَبِيِّهَا: كُلُّ قِطْعَةِ قُمَاشٍ تُغَطِّي
بَدَنَكِ، هِيَ حِصْنٌ لَكِ فِي الدُّنْيَا، وَسِتْرٌ لَكِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ
فِي الآخِرَةِ. لَا تَجْعَلِي جَسَدَكِ مَعْرَضًا، وَلَا تَبِيعِي جَنَّتَكِ
بِثَمَنٍ بَخْسٍ.
أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ
يُنَوِّرَ قُلُوبَنَا بِالحَيَاءِ، وَأَنْ يَحْفَظَ عَلَيْنَا عِفَّتَنَا،
وَيُجَنِّبَنَا مَسَالِكَ الشَّيْطَانِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا،
وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ
كُلِّ ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ
الثَّانِيَةُ: فَضَائِلُ العِفَّةِ وَالدَّعْوَةُ لِلتَّوْبَةِ:
الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا
كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، نَحْمَدُهُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ
وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا
مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
يَا عِبَادَ اللهِ،
اِتَّقُوا اللَّهَ
وَاعْلَمُوا أَنَّ العِزَّةَ كُلَّ العِزَّةِ فِي لُزُومِ أَمْرِ اللَّهِ.
لَقَدْ كَانَ
حَدِيثُنَا فِي الأُولَى عَنْ سُوءِ عَمَلِ التَّبَرُّجِ وَخَطَرِهِ. وَالْآنَ،
لِنَتَذَكَّرْ جَزَاءَ العِفَّةِ وَفَضْلَ السَّتْرِ.
إِنَّ شَرَفَ
المَرْأَةِ فِي طُهْرِهَا وَعَفَافِهَا. المَرْأَةُ العَفِيفَةُ المُسْتَتِرَةُ
قَدْ حَازَتْ مِفْتَاحَ دُخُولِ الجَنَّةِ مِنْ أَوْسَعِ أَبْوَابِهَا.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا صَلَّتِ المَرْأَةُ
خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا،
قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شِئْتِ))
[رواه أحمد]
فَمَا أَسْهَلَ هَذِهِ
الأَعْمَالَ عَلَى مَنْ يَسَّرَهَا اللَّهُ عَلَيْهَا، وَمَا أَعْظَمَ هَذَا
الجَزَاءَ! فَكَيْفَ لَهَا أَنْ تَحْفَظَ فَرْجَهَا وَعِفَّتَهَا وَهِيَ
تَتَسَاهَلُ فِي سِتْرِهَا وَحَيَائِهَا؟ إِنَّ الحِجَابَ هُوَ أَوَّلُ دَرَجَاتِ
الحِفْظِ.
يَا أُخْتَاهُ،
هُنَاكَ مَنْ
يُنَادِينَ بِالحُرِّيَّةِ، وَهُنَّ يُرِدْنَ الرِّقَّ لِلشَّهَوَاتِ
وَالعُبُودِيَّةَ لِأَهْوَاءِ النَّاسِ. فَأَيُّ حُرِّيَّةٍ أَنْ تَكُونَ
المَرْأَةُ أَسِيرَةَ المَوضَةِ وَالشَّهْوَانِيِّيْنَ؟
إِنَّ الحُرِّيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ
هِيَ حُرِّيَّةُ الرُّوحِ مِنْ سَيْطَرَةِ الإِعْجَابِ البَشَرِيِّ. الحِجَابُ
هُوَ سِيَادَةٌ لِلْعَقْلِ عَلَى الجَسَدِ، وَتَقْدِيمٌ لِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى
زَخَارِفِ الدُّنْيَا. لَا تَجْعَلِي قِيمَتَكِ مَرْهُونَةً بِنَظْرَةِ عَابِرٍ
أَوْ إِعْجَابِ فَاسِقٍ. قِيمَتُكِ فِي عِفَّتِكِ وَأَدَبِكِ وَعَقْلِكِ
وَدِينِكِ.
إِلَى كُلِّ مَنْ
وَقَعَتْ فِي التَّبَرُّجِ غَفْلَةً أَوِ اغْتِرَارًا، وَإِلَى كُلِّ رَجُلٍ
سَكَتَ وَتَسَاهَلَ عَلَى هَذَا المُنْكَرِ فِي بَيْتِهِ، نَقُولُ لَكُمْ:
بَادِرُوا بِالتَّوْبَةِ الآنَ!
·
لَا تَقْنَطُوا من رحمة
الله:
إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ
الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾
[الشورى: 25]
·
غَيِّرُوا اللِّبَاسَ
وَغُضُّوا البَصَرَ: يَا أُخْتَاهُ، ابْتَعِدِي عَنِ
الضَّيِّقِ وَالقَصِيرِ، وَالْتَزِمِي الفَضْفَاضَ السَّاتِرَ. يَا أَخِي،
أَشْرِفْ عَلَى أَهْلِكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وَلَا
تَتَسَاهَلْ أَبَدًا فِي حَقِّ اللَّهِ.
اللَّهُمَّ يَا
مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَاحْفَظْ عَلَيْنَا
عِفَّتَنَا، وَجَنِّبْنَا الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ
اجْعَلْ نِسَاءَنَا قَانِعَاتٍ بِحُكْمِ شَرْعِكَ، مُحْتَشِمَاتٍ بِوَصْفِ
كِتَابِكَ، وَاحْفَظْ عَلَيْنَا أَعْرَاضَنَا وَطُهْرَ بُيُوتِنَا. اللَّهُمَّ
اجْعَلْ لِبَاسَنَا لِبَاسَ تَقْوَى وَسَكِينَةٍ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ
لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ
مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ
حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ،
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ
وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا
اللَّهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ،
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.