2003-11-28

الصّلاة

الصّلاة

عنوان الخطبة: الصلاة.

الخطيب: زهير بن حسن حميدات.

المسجد: عبد الرحمن بن عوف.

الدولة: فلسطين، الخليل، صوريف.

تاريخ الخطبة: 4/شوال/1424هـ (‏28‏/11/‏2003م).

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، ومِنْ سيِّئاتِ أَعمالِنا، مِنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وحدَهُ لا شريكَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وصَفِيُّهُ مِنْ خلقِهِ وخليلُه، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ. فمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا. أما بعد:

عباد الله، كلنا يعلم ما للصلاة من مكانة عظيمة في هذا الدين. فهي عمود الدين وثاني أركانه بعد الشهادتين، وآخر ما يذهب من هذا الدين، وآخر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته، وهي قرة عينه صلى الله عليه وسلم، ومفزعه عند الشدائد، وراحته من العناء والمشاق. وهي ركن الإيمان، ومفتاح دار السلام، وهي خير الأعمال، وهي أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة.

أيها المسلمون، أيها المؤمنون، لقد جعل الله تعالى الصلاة من الأمور التي تجعل المشرك أخاً لنا في الإسلام، قال تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدّينِ}. فيفهم من هذه الآية أن تارك الصلاة ليس أخاً لنا في الدين، وهذه أيضاً من الأمور التي تتميز فيها الصلاة عن بقية العبادات، فمن ترك عبادة تهاوناً وكسلاً فهو فاسق معاقب على ذلك، إلا الصلاة؛ فمن تركها تهاوناً وكسلاً فهو كافر كفراً أكبر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)).

ولذلك فإن أهل النار عندما يُسألون يوم القيامة: {مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلّينَ}، فكل من لا يصلي فهو من أهل النار وليس من أهل الإسلام، إذ أهل الإسلام هم أهل الصلاة، فمن ترك الصلاة بالكلية جحودا لوجوبها فهو كافر باتفاق العلماء وإن تركها تهاونا وكسلا فهو كافر على الصحيح من أقوال أهل العلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذاكم المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله)).

وقال عليه الصلاة والسلام: ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة؛ فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله)).

وقال عليه الصلاة والسلام: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)).

وقال عليه الصلاة والسلام: ((ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة)).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((بين الكفر والإيمان ترك الصلاة))، وقال أيضا: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)).

وقال عليه الصلاة والسلام: ((عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاث، عليهن أُسّس الإسلام، من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان)).

وذكر النبي الصلاة يوماً فقال: ((من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف)). قال العلماء: من شغله عن الصلاة ماله فهو مع قارون، ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رياسته ووزارته فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف. وروى الترمذي: (كان أصحاب محمد لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر غير الصلاة).

وقال النبي ((لا سهم في الإسلام لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له)).

وعن أبي الدرداء قال: ((أوصاني خليلي أن لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت أو حرقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة، ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر)).

وعن علي رضي الله عنه قال: (من لم يصل فهو كافر). كما صح عن النبي أن تارك الصلاة كافر.

وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر، وقال أيوب السختياني: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه.

أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)). أمره الله أن يقاتل هذا الإنسان حتى يسجد لله، فيوم يتهاون الإنسان بالصلاة، أو يترك الصلاة، أو يتنكر للصلاة، أو لا يتعرف على بيت الله، يصبح هذا الإنسان لا قداسة له، ولا حرمة له، ولا مكانة ولا وزن. هذا الإنسان حين يترك الصلاة، يكون دمه رخيصاً لا وزن له، يُسفك دمه، تُهان كرامته، يُقطع رأسه بالسيف، قيل حداً، وقيل كفراً وهو الصحيح.

أيها المؤمنون، قال النبي وهو في سكرات الموت: ((الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم))، فأي دين بلا صلاة، وما معنى الانتساب للإسلام بغير صلاة، يقولون: مسلمون ولكن لا نصلي، أو نتهاون بالصلاة، أو ننقر الصلاة، فأين الإسلام من هؤلاء؟ وأين الصدق مع الله؟ وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم)).

عباد الله، يا أحباب المصطفى ، إن من ترَكَ الصلاة جاحدا لوجوبها عليه فهو كافر بإجماع المسلمين، أما إن تركها كسلا، مع اعتقاده بوجوبها، فهو كافر على الصحيح من أقوال العلماء للأدلة الثابتة الدالة على ذلك. وعلى هذا القول الصحيح فإن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، فالذي لا يصلي كافر خارج عن الملة، وإن كان له زوجة انفسخ نكاحه منها، ولا تحل ذبيحته، ولا يقبل منه صوم ولا صدقة، ولا يجوز أن يذهب إلى مكة فيدخل الحرم، وإذا مات فإنه لا يجوز أن يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وإنما يُخرج به إلى البر، ويُحفر له حفرة يرمس فيها, ومن مات له قريب لا يصلي _وهو يعلم أنه لا يصلي_ فإنه لا يحل له أن يخدع الناس ويأتي به إليهم ليصلوا عليه؛ لأن الصلاة على الكافر محرمة، لقوله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله}.

فأي خاتمة سيئة لهذا العبد! وأي عار وفضيحة لأهله وإخوانه!. هذا في الدنيا، وما عند الله أشد! {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون}.

لقد أكلوا نعم الله، وتمرغوا في فضل الله، ولكنهم نسوا حقه وأهملوا شعائره، فأصبحت الصلاة في حياتهم آخر شيء يفكرون فيه، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أيها الناس، لما طعن عمر بن الخطاب في صلاة الفجر، فاتته ركعة واحدة، غلبه الدم، فحمل على أكتاف الرجال، ووصل إلى بيته فلما أفاق قال: هل صليتُ؟ قالوا: بقيت عليك ركعة، فقام يصلي، فأغمى عليه، ثم عقد الصلاة، فأغمي عليه، ثم قام يصلي، فأغمي عليه، ثم أتم الركعة وقال: الحمد لله الذي أعانني على الصلاة.

أما في الآخرة _أيها الناس_ فإن تارك الصلاة من الذين قال الله فيهم: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}.

وقال تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً مّنَ ٱلْعَذَابِ، قَالُواْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ، قَالُواْ بَلَىٰ، قَالُواْ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ}.

وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَـئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ، ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ}.

عباد الله، إنه لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، من تركها فعليه لعنة الله، من تركها خرج من دين الله، من تركها انقطع عنه حبل الله، من تركها خرج من ذمة الله، من تركها أحل دمه وماله وعرضه، تارك الصلاة عدو لله، عدو لرسول الله، عدو لأولياء الله، تارك الصلاة مغضوب عليه في السماء، ومغضوب عليه في الأرض، تارك الصلاة لا يؤاكل، ولا يشارب، ولا يجالس، ولا يرافق، ولا يؤتمن. تارك الصلاة خرج من الملة، وتبرأ من عهد الله، ونقض ميثاق الله، إنه لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، ولا قداسة له، ولا حرمة له، ولا مكانة ولا وزن، هذا الإنسان حين يترك الصلاة يكون دمه رخيصاً، يُسفك دمه، وتُهان كرامته، ويُقطع رأسه بالسيف.

فالصلاةَ الصلاةَ عباد الله، في أول وقتها؛ بخشوعها، بخضوعها، بأركانها وواجباتها وسننها، علّ الله أن يحفظنا ويرعانا كما حافظنا عليها وعظمناها.

عباد الله، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية :

الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلاّ على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واستن بسنته، وسلم تسليماً كثيراً. وبعد:

أيها المسلمون، يا أحباب محمد ، أيها الأخ الكريم، اسمعها واحفظها: كل شيء إلا الصلاة، إلا الصلاة، فإنها العهد الذي بيننا وبين الكافرين، ((وبين الرجل والكفر ترك الصلاة)). أترضى أن يقال لك: كافر؟ لا والله فإننا لا نرضاه لك. نعوذ بالله من حال الكافرين.

أخي الحبيب، إنك إن حافظت على الصلاة فأنت على خير مهما وقع منك، إنها الصلة بينك وبين الله، فهل استغنيت عن الله؟ هل استغنيت عن الله يوم أن قطعت الصلة بينك وبينه؟ إن لك ربا برّا رحيماً، يفرح بتوبتك، فأقبل عليه. إن حلم الله أوسع من إصرارك، ورحمته أعظم من ذنبك، فتب إلى الله، تب إلى الله قبل أن يحال بينك وبين التوبة، أسألك بالله العظيم، أيسرك أن تموت وأنت على هذه الحال مع الصلاة؟ فكر بحالك يوم القيامة، يوم تدعى إلى السجود فلا تستطيع، {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون}.

أيها الأحباب، وإن العجب كل العجب أنك ترى الأب يحضر للصلاة إلى المسجد وقد ترك أبناءه خلفه في بيته لا يشهدون الصلاة مع الجماعة، بل ربما لا يصلون أبداً، أو ربما صلوا كل جمعة، كما يفعل النصارى فلا يصلون إلا كل يوم أحد، وربما خرج الرجل للصلاة وحافظ عليها، وزوجته وابنته بل وبناته لا يصلين، فلا يسأل عنهن ولا يحاسبهن ولا يأمرهن بالصلاة. ثم يؤاكلهم جميعاً ويشاربهم ويضاحكهم، بل ويوفر لهم كل ما يحتاجونه وكل ما يطلبونه بلا تردد، فيشتري للولد السيارة، ويعطيه الأموال، ولا يرفض له طلباً، ويشتري للبنت الذهب والملابس ويعطيها المصروف، وإذا قلت له: إن أبناءك لا يصلون، قال لك: لقد حاولت معهم وتعبت وأسأل الله لهم الهداية.

فيا أولياء الأمور من آباء وأمهات، اتقوا الله تعالى في هذه الذرية التي ستُسألون عنها يوم القيامة، إنك _أيها المسلم_ بهذه الطريقة تعينهم على معصية الله، إنك إن كنت غير قادر على إجبارهم على الصلاة فلا أقل من حرمان هذا التارك للصلاة من هذه الأمور، عقوبة له على ترك الصلاة، وحرمان البنات كذلك، حتى يلتزم الجميع بأمر الله، ووالله لو عاملناهم بمثل هذا لتغير حال الكثير، لكنها سوء التربية والإفراط في التدليل حتى نفسد أبناءنا وبناتنا.

ويا أيها الزوج اتق الله في زوجتك التي لا تصلي، واعلم أنها كافرة، فمرها بالصلاة؛ فإن لم تصل فكيف تبقى مع كافرة وأنت مسلم وهي لا تحل لك؟ والله عز وجل يقول: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ}.

عباد الله، أذكركم جميعاً بأنه يجب أن نعلم أن تارك الصلاة لا يجوز أن نزوجه لأنه كافر بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتقوا الله أيها الآباء في بناتكم، ولا تزوجوهن ممن لا يصلي، فهذه أمانة في أعناقكم تحملون إثمها إن فرطتم فيها، ويجب على آباء هؤلاء الشباب الذين لا يصلون أن لا يزوجوهم من بنات المسلمين، ومن فعل ذلك فقد غش المسلمين.

أيها المسلمون، إن الله تعالى لن يعيد لهذه الأمة عزتها حتى تراجع دينها، وإن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإن أردنا تحرير القدس والنصر على أعدائنا فإنه يجب علينا أن تذل رقابنا بالصلاة لله تعالى وحده، فإذا رأيت المسلمين يملؤون المساجد في صلاة الفجر كما هم في صلاة الجمعة فأبشر بنصر الله تعالى، فاتقوا الله عباد الله في أنفسكم، واتق الله في ابنك أيها الوالد فإنك القدوة له.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم رحمة من عندك، اهد بها قلوبنا، واجمع بها شملنا، ولُمَّ بها شعثنا، ورد بها الفتن عنا.

عباد الله، {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}, فاذكروا الله يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

2003-11-07

قيام الليل والتلفاز في رمضان

قيام الليل والتلفاز في رمضان

عنوان الخطبة: قيام الليل والتلفاز في رمضان.

الخطيب: زهير بن حسن حميدات.

المسجد: العمري الكبير.

الدولة: فلسطين، الخليل، صوريف.

تاريخ الخطبة: 13/رمضان/1424هـ (7/11/2003م).

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، ومِنْ سيِّئاتِ أَعمالِنا، مِنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وحدَهُ لا شريكَ له، القائل في كتابه الكريم: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وصَفِيُّهُ مِنْ خلقِهِ وخليلُه، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ. القائل: ((من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)). فمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا. وبعد :

أخوة الإسلام، يروى عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: ((أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتقاً لرقبته من النار، وكان له مثل أجره، من غير أن ينقص من أجره شيء)). قلنا: يا رسول الله، ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على مِزقة لبن أو تمرة أو شربة من ماء، ومن أشبع صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة، وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار)).

والصيام _يا عباد الله_ طريق إلى الجنة وباب من أبوابها, قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن للجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون ولا يدخل منه أحد غيرهم)). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: رب منعته الشراب والطعام في النهار فشفعني فيه, ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه, قال: فيُشَفَّعَان)).

وصيام شهر رمضان يمحو الذنوب ويكفر السيئات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)), وقال عليه الصلاة والسلام: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن ما اجتنب الكبائر)). ويقول الرسول : ((للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه)).

واعلموا _أيها الناس_ أن من أجل الأعمال وأعظمها في هذا الموسم السنوي صلاة التراويح، وكم لها من فوائد وبركات؛ منها أن قيام رمضان من الإيمان ومغفرة لسالف الذنوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)).

ومن فوائد التراويح أن مصليها يستحق اسم الصديقين والشهداء، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته فمِمّن أنا؟ قال: ((من الصديقين والشهداء)).

ومن فوائد وبركات صلاة التراويح أن من قام مع إمامه كتب له قيام ليلة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام الليلة)).

فاتق الله يا عبدالله في عمرك الذي مضى أكثره، وأقبل على صلاة التراويح يُقبل الله عليك وانظر إلى سلفك من الصحابة، قال أبو ذر: قمنا مع النبي _صلى الله عليه وسلم_ حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح (أي: السحور)، وكان القارئ يقرأ بالمائتين.

 وعن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة، وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر خشية أن يفوتنا الفلاح (أي السحور)، وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها من طول القيام في التراويح.

فرحم الله رجلاً قدم لآخرته، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، وقدم مهره، فإنما مهر الحور الحسان طول التهجد بالقرآن.

أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، إن هذا الشهر الكريم قد مر بأقوام عباد زهّاد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عن الصحابة أجمعين، ثم مر من بعدهم على التابعين، فرأى منهم ما يشبه ذلك من العبادة والطاعة، لكنه اليوم يشكو إلى الله حالنا. صلاة قليلة الخشوع، قليلة القراءة، قصيرة الوقت، قليلة الركعات.

عباد الله، وتأتي صلاة الليل والتهجد في الأسحار ليتجلى هذا الاتصال بالله العلي الأعلى، في صورة من التعبّد بهية بهيجة، فقد صح في الخبر عن رسول الله  أنه قال: ((أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة صلاة الليل)). والقدوة الأولى والأسوة العظمى نبينا محمد كان يقوم من الليل حتى تفطرت قدماه الشريفتان. وقال الرسول : ((وربنا ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول: أنا الملك من الذي يدعوني فأستجيب له، من الذي يسألني فأعطيه، من الذي يستغفرني فأغفر له))، وفي الحديث: ((عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم)).

إنهم عباد الرحمن يبيتون لربهم سجداً وقياماً، انتزعوا نفوسهم من وثير الفرش، وهدوء المساكن، وسكون الليل، وغالبوا هواتف النوم، وآثروا الأنس بالله، والرجاء في وعد الله، والخوف من وعيده، {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ}. عبادٌ لله قانتون متقون، {قَلِيلاً مّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِٱلأَسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. عبادٌ لله صالحون، {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

أيها الأحبة، ذُكر رجلٌ عند رسول الله  فقيل: ما زال نائماً حتى أصبح، فقال : ((ذاك رجل بال الشيطان في أذنه)).

فاجتهد _حفظك الله_ أن تصلي التراويح، وتصلي ما تيسر من الليل، واصبر على ذلك، وداوم عليه، ولا تنس أهلك فأيقظهم ليقفوا بين يدي خالقهم، تائبين منيبين، يغسلون خطيئاتهم بدموع نادمة، وقلوبٍ باكية، قال النبي : ((رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلّت، ثم أيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء))، وقال: ((من أيقظ أهله فصليا ركعتين كُتبَا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات)).

أيها المسلمون، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية :

الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلاّ على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واستن بسنته، وسلم تسليماً كثيراً. وبعد :

أيها المسلمون، يا أحباب محمد ، ها نحن نعيش هذه الأيام المباركة، صيام وتراويح، قرآن وتسابيح، صدقة ودعاء، بر وإحسان، وغيرها كثير مما يتقرب بها المسلمون إلى ربهم في هذا الشهر. لقد ازدحمت المساجد ،وكثر المصلون ،وأقبلت الأسر على ربها ،ويحرص كثير من الناس على العمرة في رمضان ،وكل هذا وغيره أمر طيب يحبه الله عز وجل.

لكن ثمة أمر آخر يتناقض مع كل ما سبق ذكره ،يقع من الكثيرين في رمضان ،وهذا الأمر بعكس الأمور السابقة، يبغضها المولى عز وجل.

أيها المسلمون الصائمون، إن البرامج التلفزيونية كما هو مشاهد أنها تنشط في رمضان بشكل عجيب ،ويتضاعف جهود المحطات وقنوات البث. وهذا لا يتعارض مع حديث أبي هريرة المتفق عليه أن رسول الله  قال: ((إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين))؛ لأن الذي يسلسَل هو الشياطين من الجن، لكن الذي وراء هذه البرامج هم مردة شياطين الإنس.

لكن هؤلاء الشياطين لم يدعوا الصائمين من جمع الحسنات حتى في النهار ،فالتلفاز يعمل طوال ساعات الليل والنهار ،فانشغل الكثيرون حتى في نهار رمضان عن الذكر والاستغفار وقراءة القرآن ،وجلسوا أمام هذا الجهاز ،واكتفوا من الصيام بالإمساك عن الطعام فقط.

أيها المسلمون، هل ينكر أحد منا أن الله حرم علينا معاشر الرجال النظر إلى المرأة الأجنبية؟! هل ينكر أحد منا أن الإسلام قد حرم علينا الاستماع إلى الغناء وآلات الطرب واللهو؟! ولا يمكن أن تخلو برامج التلفاز من أصوات الموسيقى المحرمة.

كل هذا أيها الأحبة، لو سلّمنا بأن ما يعرض على الناس هو النساء والموسيقى فقط، ولكن الواقع أن الأمر أعظم من هذا.

إن الذي يعرض على الناس الآن تمثيليات الجنس ومسلسلات العشق والغرام ،يعرض على الناس الزنا الصريح ،يعرض على الناس صور الجريمة وأساليب النصب والاحتيال، يعرض على الناس برامج منتجة في بلاد عربية، يعرض على الناس الخمر والمخدرات.

لقد تبلدت أحاسيسس الناس، وماتت الكثير من الفضائل الإسلامية في نفوسهم، حتى صاروا يتقبلون أن يروا في الشاشة رجلاً يحتضن بنتاً شابة ،لأنه يمثل دور أبيها ،وصرنا لا ننكر وجود رجل وامرأة في وضع الزوجين ،ونصف الرجل بأنه ممثل محترم وأنها ممثلة قديرة، وصرنا لا ننكر على أن تظهر المرأة كاشفة لأكثر جسدها إن لم يكن كله.

أيها المسلمون الصائمون، إننا نخاطب الإيمان الذي في قلوبكم أن تحفظوا نعمة البصر، ولا تطلقوها في النظر إلى ما حرم الله؛ فإن النظر سهم من سهام إبليس، إن النظر بمنزلة الشرارة في النار ،وكما قيل:

كم نظرة فعلت في قلب صـاحبها        فعل السهـام بـلا قوس ولا وتر

والأمَرُّ من ذلك كله، أن يُخدع الناس في رمضان ببعض الأفلام التي يسمونها بالإسلامية أو (المسلسلات الدينية)، فالمخنثين من الممثلين الذين كانوا في شعبان يمثلون أفلام الخلاعة والزنا والدعارة ،إذا جاء رمضان مثلوا أدوار الصحابة في تمثيلياتهم. والممثلة الساقطة التي كانت في شعبان تُقبَّل على شاشات التلفاز، ويُمارس معها الزنا والفجور والعياذ بالله، تخرج في رمضان بحجاب وجلباب طويل لتمثل دور الصحابيات، أو زوجة أحد الشخصيات الإسلامية، أي مغالطة أعظم من هذا؟!! بل أي منكر أعظم من هذا؟!! ونحن ننظر ونتقبل الأمر بشكل طبيعي. ماتت الغيرة عندنا حتى على أصحاب رسول الله . فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فلنتق الله أيها المسلمون ،ولنعرف لرمضان حقه وحرمته، ولنترك المعاصي والذنوب، ونتوب إلى الله توبة صادقة في هذا الشهر، فإنها والله فرصة، والمحروم من حرم ذلك. لنترك هذا الخبيث؛ لأن ما فيه من المحاسن لا يكاد يذكر أمام ما فيه من الشرور والمفاسد.

يا أهل الإيمان، يا أهل القرآن، أيها الآباء، أيها الأزواج، أيها الغيورون، يقول الله جل جلاله: {قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}.

أيها المسلمون، أين حظنا من هذه الآيات في حالنا مع التلفزيون، أليست العيون تسمر على الشاشة تنظر إلى فاتنات الدنيا، وهي في حالة استنفار جمالي، واستعراض أنثوي صارخ.

وليس هذا فحسب، بل الطامة الكبرى يوم تجلس نساؤنا من بنات وأخوات وزوجات أمام التلفاز تتوالى عليهن مشاهد الشباب في ميعة الصبا وغاية الأناقة. إن الرجل _أيها الناس_ ليغار مرة واحدة إذا نظر رجل إلى امرأته، ويغار مائة مرة إذا نظرت امرأته إلى رجل، وإننا لنشعر بالخزي _والله_ يوم تجلس النساء وينظرن إلى المصارعة أو المغني العربي أو الأجنبي ولا ننكر عليهن ذلك، أتدرون لماذا؟ لأننا شركاء في الإثم، فاسكت عني أسكت عنك.

بل أشد من ذلك، يوم يعرض وضع الزوج والزوجة وهما على فراش واحد في غرفة النوم، ما موقف الطفل من هذا ونحن نعلمه الاستئذان ثلاث مرات؟! فأي احترام هذا وأي تعامل مع تعاليم الإسلام؟!

عباد الله، إننا نقف في هذا الموضوع أمام حقائق يجب علينا أن نعيها:

أولاً: إن جهاز التلفزيون سلاح ذو حدين، ولكن الذي يعمل منه حد واحد فقط وهو الحد القاتل الضار.

ثانياً: إن هذا الجهاز كالخمر؛ فيه إثم كبير ومنافع للناس، وإثمه أكبر من نفعه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم رحمة من عندك، اهد بها قلوبنا، واجمع بها شملنا، ولُمَّ بها شعثنا، ورد بها الفتن عنا.

اللهم إنا نسألك أن تعيننا على صيام هذا الشهر الكريم وعلى قيامه، اللهم أعنا فيه على المزيد من ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وعلى تلاوة كلامك العظيم، ونسألك أن تتقبل منا أعمالنا، وتبارك لنا فيها، يا أرحم الراحمين.

عباد الله، {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}, فاذكروا الله يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

صرخة الحق وفجيعة الدم { نداء عاجل إلى أهلنا في بيت أمر }

بسم الله الرحمن الرحيم صَرْخَةُ الْحَقِّ وَفَجِيعَةُ الدَّم نِدَاءٌ عَاجِلٌ إِلَى أَهْلِنَا فِي بَلْدَةِ بَيْت أُمَّر كَتَبَهُ الشَّيْ...