2003-06-27

غلاء المهور

غَلَاءُ المُهُورِ

الخَطِيب: زُهَيْرُ بْنُ حَسَنٍ حُمَيْدَات.

المَسْجِد: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.

الدَّولَة: فِلَسْطِينُ، الخَلِيلُ، صُورِيفُ.

تَارِيخُ الخُطْبَةِ: 27/رَبِيعِ الثَّانِي/1424هـ (27/6/2003م).

الخُطْبَةُ الأُولَى:

الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَا يُحْمَدُ عَلَى مَكْرُوهٍ سِوَاهُ، الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، القَائِلُ فِي كِتَابِهِ المُبِينِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ، وَلَهُ الحَمْدُ كُلُّهُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ وَهُوَ أَهْلُهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِشَرِيعَةٍ، مَنْ تَمَسَّكَ بِهَا وَسَارَ عَلَى نَهْجِهَا، فَهُوَ المَنْصُورُ الظَّافِرُ، وَمَنْ أَعْرَضَ وَتَوَلَّى فَهُوَ الذَّلِيلُ الخَاسِرُ، حَثَّ عَلَى الزَّوَاجِ وَرَغَّبَ فِي تَيْسِيرِهِ وَتَسْهِيلِهِ، فَقَالَ: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)) [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ: 69]. فَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ،

لَقَدِ اِزْدَادَتْ مُشْكِلَةُ غَلَاءِ المُهُورِ، حَتَّى صَارَ الزَّوَاجُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ مِنَ الأُمُورِ الشَّاقَّةِ أَوِ المُسْتَحِيلَةِ، وَبَلَغَ المَهْرُ فِي بَعْضِ البِقَاعِ حَدَّاً خَيَالِيَّاً، لَا يُطَاقُ إِلَّا بِجِبَالٍ مِنَ الدُّيُونِ الَّتِي تُثْقِلُ كَاهِلَ الزَّوْجِ.

وَيُؤْسِفُ كُلَّ غَيُورٍ أَنْ يَصِلَ الجَشَعُ بِبَعْضِ الأَوْلِيَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُبَ مَهْرَاً بَاهِظَاً مِنْ أُنَاسٍ يَعْلَمُ اللهُ حَالَهُمْ، لَوْ جَلَسُوا شَطْرَ حَيَاتِهِمْ فِي جَمْعِهِ لَمَا اِسْتَطَاعُوا. فَيَا سُبْحَانَ اللهِ! أَإِلَى هَذَا المُسْتَوَى بَلَغَ الطَّمَعُ وَحُبُّ الدُّنْيَا بِبَعْضِ النَّاسِ؟! وَكَيْفَ تُعْرَضُ المَرْأَةُ المُسْلِمَةُ سِلْعَةً لِلْبَيْعِ وَالمُزَايَدَةِ وَهِيَ أَكْرَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؟! حَتَّى غَدَتْ كَثِيرَاتٌ مِنَ العَوَانِسِ مُخَدَّرَاتٍ فِي البُيُوتِ، حَبِيسَاتٍ فِي المَنَازِلِ، بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعَنُّتِ وَالتَّصَرُّفِ الأَرْعَنِ.

إِخْوَةَ الإِسْلَامِ،

يَقُولُ الفَارُوقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ تَقْوَى فِي الآخِرَةِ، لَكَانَ النَّبِيُّ أَولَاكُمْ بِهَا؛ لَمْ يَصْدُقِ اِمْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَمْ تُصْدَقِ اِمْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً)، وَلَعَلَّهُ لَا يَزِيدُ فِي عُمْلَتِنَا المُعَاصِرَةِ عَلَى عِشْرِينَ دِينَارَاً فَقَطْ.

وَجَاءَتِ اِمْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ. فَقَامَتْ قِيَامَاً طَوِيلَاً، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تَصْدُقُهَا إِيَّاهُ؟)) فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّكَ إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِزَارَكَ جَلَسْتَ وَلَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئَاً)). قَالَ: لَا أَجِدُ شَيْئَاً. قَالَ: ((فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمَاً مِنْ حَدِيدٍ)). فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئَاً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((فَهَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟)) قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا - لِسُوَرٍ سَمَّاهَا -، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)) [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ: 5030، وَمُسْلِمٌ: 1425].

وَلَقَدْ خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا مِثْلُكَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ كَافِرٌ، وَأَنَا مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَلِكَ مَهْرِي، وَلَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. فَكَانَ كَذَلِكَ، أَسْلَمَ وَتَزَوَّجَهَا.

وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَهُوَ مِنْ أَغْنَى أَهْلِ المَدِينَةِ، وَالَّذِي تُوُفِّيَ عَنْ أَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ مِلْيُونَ دِينَارٍ، تَزَوَّجَ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، صَاحِبُ المَلَايِينِ، تَزَوَّجَ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ.

وَالصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - كَانُوا يَمْهُرُونَ مِلْءَ الكَفِّ مِنَ الدَّقِيقِ أَوِ السَّوِيقِ أَوِ التَّمْرِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ اِمْرَأَةٍ مِلْءَ كَفَّيْهِ سَوِيقَاً أَوْ تَمْرَاً فَقَدِ اِسْتَحَلَّ)) [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: 2119].

وَهَذَا سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللهُ، سَيِّدُ التَّابِعِينَ، يَتَقَدَّمُ لِخِطْبَةِ اِبْنَتِهِ الخَلِيفَةُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، لِاِبْنِهِ الوَلِيدِ، وَلِيِّ العَهْدِ، فَيَرْفُضُ! وَيُزَوِّجُهَا لِتِلْمِيذٍ صَالِحٍ، صَاحِبِ دِينٍ وَخُلُقٍ، اِسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ. مَاتَتْ زَوْجَتُهُ، فَقَالَ لَهُ شَيْخُهُ: وَهَلِ اِسْتَحْدَثْتَ امْرَأَةً غَيْرَهَا؟ قَالَ: وَمَنْ يُزَوِّجُنِي وَمَا أَمْلِكُ إِلَّا دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً؟ فَقَالَ: أَنَا أُزَوِّجُكَ. وَزَوَّجَهُ بِاِبْنَتِهِ عَلَى دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. يَقُولُ التِّلْمِيذُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ: فَدَخَلْتُ بِهَا فَإِذَا هِيَ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، وَأَحْفَظُ النَّاسِ لِكِتَابِ اللهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، وَأَعْرَفُهُمْ بِحَقِّ الزَّوْجِ. وَبَعْدَ شَهْرٍ عَادَ إِلَى شَيْخِهِ سَعِيدٍ، فَدَفَعَ لَهُ شَيْخُهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.

مَعَاشِرَ الإِخْوَةِ،

إِنَّ قِصَّةَ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَتِلْمِيذِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ تَوْبِيخٌ لِمَنْ بَاعَ اِبْنَتَهُ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، وَاِشْتَرَطَ لَهَا أَمْوَالَاً طَائِلَةً، وَتَكَالِيفَ بَاهِظَةً. لَقَدْ آثَرَ سَعِيدٌ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى، وَالسَّعَادَةُ وَاللهِ لَيْسَتْ فِي الأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا فِي الإِيمَانِ بِاللهِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46].

وَقَدْ أَنْكَرَ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى المُغَالِينَ فِي المُهُورِ، فَقَدْ جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي تَزَوَّجْتُ اِمْرَأَةً عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ مِنَ الفِضَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَوَّهْ! عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ مِنَ الفِضَّةِ؟! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ)) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ: 1424].

أُمَّةَ الإِسْلَامِ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ،

يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ: ((إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)) [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: 1084].

هَذَا أَمْرُ رَسُولِ اللهِ، الَّذِي خَالَفَهُ بَعْضُ الأَوْلِيَاءِ -هَدَاهُمُ اللهُ- فَخَانُوا الأَمَانَةَ الَّتِي حُمِّلُوهَا فِي بَنَاتِهِمْ؛ بِمَنْعِهِنَّ مِنَ الزَّوَاجِ مِنَ الأَكْفَاءِ دِيناً وَخُلُقاً وَأَمَانَةً. فَقَدْ يَتَقَدَّمُ إِلَيْهِمُ الخَاطِبُ الكُفْءُ فَيُمَاطِلُونَهُ وَيَعْتَذِرُونَ لَهُ بِأَعْذَارٍ وَاهِيَةٍ، وَيَنْظُرُونَ فِيهِ إِلَى أُمُورٍ شَكْلِيَّةٍ وَجَوَانِبَ كَمَالِيَّةٍ، يَسْأَلُونَ عَنْ مَالِهِ، وَعَنْ وَظِيفَتِهِ، وَعَنْ وَجَاهَتِهِ وَمَكَانَتِهِ، وَيُغْفِلُونَ أَمْرَ دِينِهِ وَخُلُقِهِ وَأَمَانَتِهِ.

بَلْ لَقَدْ وَصَلَ بِبَعْضِ الأَوْلِيَاءِ الجَشَعُ وَالطَّمَعُ أَنْ يَعْرِضَ اِبْنَتَهُ سِلْعَةً لِلْمُسَاوَمَةِ وَتِجَارَةً لِلْمُزَايَدَةِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ. وَمَا دَرَى هَؤُلَاءِ المَسَاكِينُ أَنَّ هَذَا عَضْلٌ وَظُلْمٌ وَخِيَانَةٌ. أَلَمْ يَسْمَعْ هَؤُلَاءِ بِالقِصَصِ الوَاقِعِيَّةِ لِضَحَايَا هَذِهِ الظَّاهِرَةِ؟! أَلَمْ يَقْرَؤُوا الرَّسَائِلَ المُؤْلِمَةَ المُفْجِعَةَ الَّتِي سَطَّرَتْهَا دُمُوعُ هَؤُلَاءِ العوانس؟! إِنَّهَا صَرْخَةُ نَذِيرٍ فِي آذَانِ الآبَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ، وَرِسَالَةٌ عَاجِلَةٌ إِلَيْهِمْ أَنْ يَتَدَارَكُوا شَرَفَهُمْ وَعِفَّتَهُمْ وَعِرْضَهُمْ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ. أَيْنَ الرَّحْمَةُ فِي هَؤُلَاءِ الأَوْلِيَاءِ؟! كَيْفَ لَا يُفَكِّرُونَ بِالعَوَاقِبِ؟! أَيَسُرُّهُمْ أَنْ تُلَطَّخَ سُمْعَتُهُمْ مِمَّا يَنْدَى لَهُ جَبِينُ الفَضِيلَةِ وَالحَيَاءِ؟! سُبْحَانَ اللهِ، كَيْفَ يَجْرُؤُ مُسْلِمٌ غَيُورٌ يَعْلَمُ فِطْرَةَ المَرْأَةِ وَغَرِيزَتَهَا عَلَى الحُكْمِ عَلَيْهَا بِالسِّجْنِ المُؤَبَّدِ إِلَى أَنْ يَشَاءَ اللهُ؟! وَلَوْ عَقَلَ هَؤُلَاءِ لَبَحَثُوا هُمْ لِبَنَاتِهِمْ عَنِ الأَزْوَاجِ الأَكْفَاءِ، فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ _رَضِيَ اللهُ عَنْهُ_ يَعْرِضُ اِبْنَتَهُ حَفْصَةَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ لِيَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ عَلَى عُثْمَانَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَهَذَا سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللهُ _سَيِّدُ التَّابِعِينَ_ يُزَوِّجُ تِلْمِيذَهُ أَبَا وَدَاعَةَ.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، يَا أَحْبَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ،

إِنَّ الإِسْلَامَ لَمْ يُشَرِّعْ فِي نَفَقَاتِ العَقْدِ وَالزِّفَافِ، سِوَى المَهْرِ لِلمَرْأَةِ، وَالوَلِيمَةِ لِحَفْلَةِ العُرْسِ، وَإِكْرَامِ الضَّيْفِ بِمَا يُنَاسِبُ الحَالَ. أَمَّا مَا عَدَاهَا مِنَ الهَدَايَا وَالنَّفَقَاتِ، كَغُرْفَةِ النَّوْمِ، وَأَثَاثِ البَيْتِ، وَالمَلَابِسِ، وَالمَالِ الَّذِي يُعْطَى لِأَبِ العَرُوسِ وَإِخْوَتِهَا وَعَمِّهَا وَخَالِهَا، فَهِيَ لَيْسَتْ فَرْضَاً وَاجِباً، وَلَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ العَقْدِ وَالنِّكَاحِ فِي شَيْءٍ أَبَدَاً. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَ عَلَى العَرُوسِ فَلْيُكْرِمْ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ. وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّهُ لَمِنَ العَارِ عَلَى أَقَارِبِ العَرُوسِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنَ العَرِيسِ مَا يُكْرِمُونَ بِهِ عَلَى رَحِمِهِمْ أَمَامَ النَّاسِ! يَطْلُبُ وَلِيُّ العَرُوسِ مَهْرَاً بِآلَافِ الدَّنَانِيرِ، وَيَبْخَلُ عَلَيْهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ. أَإِلَى هَذَا المُسْتَوَى -أَيُّهَا النَّاسُ- أَصْبَحْنَا تَبَعَاً لِلْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ الجَاهِلِيَّةِ؟!

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ،

لَمْ يُشَرَّعْ فِي الزَّوَاجِ إِلَّا المَهْرُ، فَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْ تِلْكَ التَّكَالِيفُ البَاهِظَةُ؟! ذَهَبٌ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ أَوْ يَزِيدُ، غُرْفَةُ نَوْمٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ أَوْ يَزِيدُ، مَلَابِسُ بِسِتِّمِائَةِ دِينَارٍ، أَثَاثُ بَيْتٍ، هَدَايَا لِأَقَارِبِ العَرُوسَيْنِ، العَمُّ وَالخَالُ، أُجْرَةُ صَالُونٍ، نَفَقَاتُ حَفْلَةِ الزِّفَافِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ تَبِعَاتِ الزَّوَاجِ، نَاهِيكَ عَنِ المَهْرِ المُؤَجَّلِ الَّذِي يَبْقَى دَيْناً عَلَى الزَّوْجِ فِي حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ. ثَمَانِيَةُ آلَافِ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرُ، هِيَ تَكَالِيفُ الزَّوَاجِ عِنْدَنَا. كُلُّ هَذَا عَلَى مَنْ؟! عَلَى عَامِلٍ يَنَامُ فِي العَبَّارَاتِ أَوِ فِي الحُرُشِ، تَحْتَ الأَرْضِ أَوْ فَوْقَ الشَّجَرِ، يَعْمَلُ يَوْماً وَيُسْجَنُ أَيَّامَاً! أَوْ عَلَى مُوَظَّفٍ مَعَاشُهُ لَا يَكْفِي لِحَاجَاتِهِ الضَّرُورِيَّةِ! فَكَيْفَ سَيُوَفِّرُ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِينَارٍ؟! كَمْ سَنَةً يَحْتَاجُ لِتَوْفِيرِ هَذَا المَبْلَغِ؟! شَبَابٌ فُقَرَاءُ مَسَاكِينُ فِي مُجْتَمَعٍ لَا يَرْحَمُ، يَحْلُمُونَ بِالزَّوَاجِ وَكَأَنَّهُ أَصْبَحَ ضَرْباً مِنَ الخَيَالِ!

فَإِلَى مَنْ تَكِلُوهُمْ يَا عِبَادَ اللهِ؟! إِلَى الاِحْتِلَالِ الصَّهْيُونِيِّ الَّذِي يُسْقِطُهُمْ أَفْوَاجَاً أَفْوَاجَاً؟! أَمْ إِلَى الذين أَحَلُّوا لَهُمُ الزِّنَا وَاللِّوَاطَ، وَوَفَّرُوهُ لَهُمْ فِي الجَامِعَاتِ وَأَمَاكِنِ الاِخْتِلَاطِ؟! قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ!

فَيَا أَوْلِيَاءَ الأُمُورِ،

أَيْنَ الرَّحْمَةُ بِهَؤُلَاءِ؟! بَلْ أَيْنَ الرَّحْمَةُ بِبَنَاتِكُمْ؟! كُلُّ شَيْءٍ بِالاِنْتِفَاضَةِ تَأَثَّرَ إِلَّا المَهْرُ، وَكُلُّ العَادَاتِ تَتَغَيَّرُ وَتَتَبَدَّلُ إِلَّا فِي الزَّوَاجِ. فَإِلَى مَتَى يَا عِبَادَ اللهِ، إِلَى مَتَى يَا أَوْلِيَاءَ الأُمُورِ، إِلَى مَتَى يَا مَنْ تَتْرُكُونَ سُنَّةَ الحَبِيبِ المُصْطَفَى ﷺ؟! الرَّسُولُ لَمْ يُزَوِّجْ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بِأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارَاً بِمُسْتَوَى مَعِيشَتِنَا، وَأُمَّتُهُ فِي هَذَا البَلَدِ لَمْ تُزَوِّجْ وَلَمْ تَتَزَوَّجْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَانِيَةِ آلَافِ دِينَارٍ. فَيَا أَوْلِيَاءَ الأُمُورِ، نَسْأَلُكُمُ بِاللهِ العَظِيمِ أَنْ تَتَعَاوَنُوا عَلَى تَخْفِيضِ المُهُورِ! وَيَا أَيُّهَا العُلَمَاءُ، يَا أَئِمَّةَ المَسَاجِدِ، يَا أَهْلَ الدِّينِ، يَا أَهْلَ الخَيْرِ، نَسْأَلُكُمُ بِاللهِ العَظِيمِ أَنْ تُزَوِّجُوا بِسُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ! فَأَنْتُمُ القُدْوَةُ، وَغَيْرُكُمْ تَبَعٌ لَكُمْ. سُنَّةٌ مَيِّتَةٌ، مَنْ يُحْيِيهَا وَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ؟! مَنْ مِنْكُمْ يَكُونُ أَهْلَاً لَهَا؟! مَنْ مِنْكُمْ يَمْلِكُ الجُرْأَةَ الكَافِيَةَ، وَالإِيمَانَ القَوِيَّ، لِيَنْتَصِرَ عَلَى نَفْسِهِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَعَلَى تِلْكَ العَادَاتِ الجَاهِلِيَّةِ المَوْرُوثَةِ، فَيُثْبِتَ بِذَلِكَ حُبَّهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَسُنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، لَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ،

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)). وَهَذَا خِطَابٌ لِلرِّجَالِ العُقَلَاءِ، لَا لِلنِّسَاءِ اللَّوَاتِي قُلِّدْنَ أَمْرَ الزَّوَاجِ فِي هَذَا المُجْتَمَعِ. لَقَدْ صَارَ بِيَدِ المَرْأَةِ المُوافَقَةُ عَلَى الزَّوَاجِ، وَبِيَدِهَا تَحْدِيدُ المَهْرِ، فَكَثُرَتِ العَوَانِسُ، وَغَلَتِ المُهُورُ، وَتَضَاعَفَتْ نَفَقَاتُ الزَّوَاجِ.

وَلَا شَكَّ أَنَّ المَرْأَةَ بِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنْ فِعَالٍ وَعَاطِفَةٍ، وَبِمَا تُحِبُّهُ مِنَ المَظَاهِرِ وَالمُفَاخَرَةِ وَالرِّيَاءِ، وَحُبِّ الظُّهُورِ أَمَامَ النَّاسِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ عَلَى يَدَيْهَا خِطْبَةٌ أَوْ زَوَاجٌ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ تَزِنُ الأُمُورَ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ وَالدِّينِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَلِيلٌ. فَكَمْ سَمِعْنَا عَنْ أُمَّهَاتٍ يُفْسِدْنَ زَوَاجَ بَنَاتِهِنَّ لِأَنَّ الوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ تَدَّعِي أَنَّ اِبْنَتَهَا لَيْسَتْ بِأَقَلَّ مِنْ بِنْتِ فُلَانٍ!

إِنَّ المَرْأَةَ -أَيُّهَا النَّاسُ- مَهْمَا بَلَغَتْ فَهِيَ نَاقِصَةُ عَقْلٍ، وَلَا تَكَادُ تَعْرِفُ عَوَاقِبَ الأُمُورِ، قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ اِمْرَأَةً)) [رَوَاهُ البُخَارِيُّ: 4425]. لهذا جَعَلَ اللهُ أَمْرَ التَّزْوِيجِ بِأَيْدِي الرِّجَالِ الرَّاشِدِينَ، وَالأَوْلِيَاءِ الصَّالِحِينَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32]. هَذَا أَمْرُ اللهِ لِلْأَوْلِيَاءِ بِتَزْوِيجِ أَبْنَائِهِمْ وَبَنَاتِهِمْ، وَوَعْدٌ مِنْهُ بِرِزْقِهِمْ وَرِعَايَتِهِمْ، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً؟! إِنَّ العَارَ إِذَا لَحِقَ إِنَّمَا يَلْحَقُ بِالرِّجَالِ. فَاحْذَرُوا -أَيُّهَا الرِّجَالُ- فَالقَوَامَةُ لَكُمْ لَا لِنِسَائِكُمْ.

فَيَا أَيُّهَا الأَوْلِيَاءُ،

اِتَّقُوا اللهَ فِيمَنْ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ مِنَ البَنَاتِ، بَادِرُوا بِتَزْوِيجِهِنَّ مَتَى مَا تَقَدَّمَ الأَكْفَاءُ فِي دِينِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ، ((إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)).

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِالآيَاتِ وَالحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، وَلِكَافَّةِ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ كَانَ حَلِيمَاً غَفُورَاً.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرَاً فَجَعَلَهُ نَسَبَاً وَصِهْرَاً، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدَاً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللهُ هَادِيَاً وَمُبَشِّرَاً وَنَذِيراً، وَدَاعِيَاً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجَاً مُنِيراً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيراً. أَمَّا بَعْدُ:

أَيُّهَا الأَحِبَّةُ،

إِنَّنَا نَقُولُهَا وَبِصَرَاحَةٍ: هلْ يَنْفَعُ المَرْأَةَ أَهْلُهَا إِذَا بَقِيَتْ عَانسَاً قَدْ فَاتَهَا رَكْبُ الزَّوَاجِ، وَأَصْبَحَتْ أَيِّمَاً لَمْ تَسْعَدْ فِي حَيَاتِهَا بِزَوْجٍ وَأَوْلَادٍ، يَكُونُونَ لَهَا زِينَةً فِي الحَيَاةِ، وَذُخْرَاً لَهَا بَعْدَ الوَفَاةِ؟ وَكَمْ مِنْ اِمْرَأَةٍ فَاتَهَا قِطَارُ الزَّوَاجِ، وَذَهَبَتْ نَضَارَتُهَا، وَذَبُلَتْ زَهْرَتُهَا، وَتَمَنَّتْ بَعْدَ ذَلِكَ المَوْتَ لِمَنْ عَطَّلَ زَوَاجَهَا، فلمْ تَسْمَعْ كَلِمَةَ الأُمُومَةِ عَلَى لِسَانِ وَلِيدِهَا، وَكَمْ هِيَ الصَّيْحَاتُ وَالزَّفَرَاتُ الحَرَّى الَّتِي أُطْلِقَتْ مِنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ! فَأَيْنَ الرُّحَمَاءُ بِبَنَاتِهِمْ؟! أَيْنَ العُقَلَاءُ؟!

وَاللهِ إِنَّنَا لَنَحْزَنُ عَلَى أَخَوَاتٍ لَنَا ظَلَمَهُنَّ أَوْلِيَاؤُهُنَّ ظُلْمَاً كَبِيراً، فَلَا هُنَّ مُتَزَوِّجَاتٌ فَيَسْعَدْنَ، وَلَا هُنَّ بِمَيِّتَاتٍ فَيَسْتَرِحْنَ.

فَهَذِهِ اِمْرَأَةٌ فِي عَصْرِنَا الحَاضِرِ، شَابَّةٌ تَقَدَّمَ إِلَيْهَا الخُطَّابُ، فَرَفَضَ أَبُوهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا، فَلَمَّا تَقَدَّمَ بِهَا السِّنُّ، وَحَضَرَتْ أَبَاهَا الوَفَاةُ، قَالَ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ، اِجْعَلِينِي فِي حِلٍّ، سَامِحِينِي سَامَحَكِ اللهُ! فَقَالَتْ لَهُ: وَاللهِ لَا أُسَامِحُكَ، بَلْ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللهِ كَمَا حَرَمْتَنِي مِنْ حَقِّي فِي الحَيَاةِ!

وَهَذَا رَجُلٌ آخَرُ يَزُورُ أُخْتَهُ فِي المُسْتَشْفَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَا السِّنُّ وَلَمْ تَتَزَوَّجْ، بَعْدَ أَنْ رَدَّ أَخُوهَا خُطَّابَهَا، وَلَمَّا كَانَتْ عَلَى فِرَاشِ المَوْتِ فِي آخِرِ لَحْظَةٍ مِنْ حَيَاتِهَا قَالَتْ لِأَخِيهَا: اِقْتَرِبْ مِنِّي يَا أَخِي. فَلَمَّا اِقْتَرَبَ مِنْهَا، قَالَتْ لَهُ: حَرَمَكَ اللهُ الجَنَّةَ، كَمَا حَرَمْتَنِي مِنَ الزَّوَاجِ، وَفَاضَتْ رُوحُهَا إِلَى اللهِ.

هَذِهِ المَآسِي -يَا عِبَادَ اللهِ- بِسَبَبِ المُغَالَاةِ فِي المُهُورِ، وَتَعْسِيرِ أُمُورِ الزَّوَاجِ. فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ.

أُمَّةَ الإسلام،

لَقَدْ حَثَّ الإِسْلَامُ عَلَى تَسْهِيلِ الزَّوَاجِ وَتَيْسِيرِ أُمُورِهِ، وَنَهَى عَنِ المُغَالَاةِ فِي المُهُورِ، وَالمُبَالَغَةِ فِي تَكَالِيفِهِ. فَهَذَا خَيْرُ البَشَرِ مُحَمَّدٌ ﷺ يُزَوِّجُ اِبْنَتَهُ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِمَا يُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ. وَالمرأةُ في الإِسْلَامِ كُلَّمَا قَلَّ مَهْرُهَا زادَ خَيْرُهَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤُونَةً)) [رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ: 24529]. وَقَالَ ﷺ: ((يُمْنُ المَرْأَةِ تَيْسِيرُ خِطْبَتِهَا وَتَيْسِيرُ صَدَاقِهَا)) [رَوَاهُ اِبْنُ عَدِيٍّ].

فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَيَسِّرُوا أَمْرَ الزَّوَاجِ، وَاِحْرِصُوا عَلَى مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، وَإِيَّاكُمْ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي المَالِ دُونَ الدِّينِ، فَالْمَالُ عَرَضٌ زَائِلٌ وَعَارِيَةٌ مُسْتَرَدَّةٌ، وَالبَقَاءُ لِلدِّينِ. وَإِنِّي لَأَدْعُوكُمْ -أَيُّهَا الإِخْوَةُ- لِلْعَوْدَةِ إِلَى المَهْرِ المَحْدُودِ المَقْطُوعِ، كَمَا كَانَ قَدِيماً، بِهِ تَشْتَرِي العَرُوسُ مَا شَاءَتْ، وَلَا تَسْأَلْهُ غَيْرَ هَذَا المَهْرِ. وَإِنِّي أُشِيرُ عَلَيْكُمْ بِأَنْ تَجْعَلُوا هَذَا المَهْرَ أَلْفَ دِينَارٍ، لَا يَتْبَعُهُ شَيْءٌ، حَقَّاً خَالِصَاً لَهَا، كَخُطْوَةٍ أُولَى نَحْوَ إِحْيَاءِ سُنَّةِ الحَبِيبِ المُصْطَفَى ﷺ. كَمَا أَدْعُوكُمْ إِلَى إِلْغَاءِ المَهْرِ المُؤَجَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّنَا، وَإِلْغَاءِ الهَدَايَا، وَنُقُوطِ العَمِّ وَالخَالِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ غُرْفَةُ النَّوْمِ شَرْطَاً فِي الزَّوَاجِ، وَأَمَّا المَلَابِسُ فَلَا حَاجَةَ لِشِرَائِهَا كلِّها قَبْلَ الزَّوَاجِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مُلْزَمٌ شَرْعَاً بِكِسْوَةِ زَوْجَتِهِ، فَالْكِسْوَةُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ. فَيَكُونُ المَهْرُ أَلْفَ دِينَارٍ لَا يَتْبَعُهُ شَيْءٌ؛ فَيَتَزَوَّجُ العَازِبُونَ، وَيُعَدِّدُ المُتَزَوِّجُونَ، وَتَقِلُّ نِسْبَةُ العَوَانِسِ، وَيَسْتَغْنِي الشَّبَابُ بِالحَلَالِ عَنِ الحَرَامِ.

وَلَعَلَّ هَذَا الكَلَامَ -أَيُّهَا الأَحِبَّةُ- قَدْ لَا يُعْجِبُ بَعْضَ السَّامِعِينَ، فَيَسْتَخِفُّونَ بِهِ، وَيَعْتَرِضُونَ عَلَيْهِ، ظَانِّينَ بِأَنَّ هَذَا يُقَلِّلُ مِنْ قِيمَةِ بَنَاتِهِمْ. فَأَقُولُ لِهَؤُلَاءِ: إِنَّ بَنَاتِكُمْ وَنِسَاءَكُمْ لَيْسَتْ بِأَشْرَفَ مِنْ بَنَاتِ وَنِسَاءِ الرَّسُولِ ﷺ اللَّوَاتِي قَبِلْنَ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا، وَهُنَّ أَشْرَفُ وَأَطْهَرُ نِسَاءِ الأَرْضِ، وَأَنْتُمْ لَسْتُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي قَبِلَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لِبَنَاتِهِ وَأَزْوَاجِهِ، وَالبَرَكَةُ فِي القَلِيلِ مِنَ المَهْرِ، لِقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ: ((إِنَّ أَعْظَمَ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مُؤُونَةً)).

فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا النَّاسُ، وَقُومُوا بِمَسْؤُولِيَّاتِكُمْ، ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾. ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ فَقَالَ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاِجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَالمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ. اللَّهُمَّ وَأَبْرِمْ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أَمْرَ رُشْدٍ يُعَزُّ فِيهِ أَهْلُ طَاعَتِكَ، وَيُذَلُّ فِيهِ أَهْلُ مَعْصِيَتِكَ، وَيُؤْمَرُ فِيهِ بِالمَعْرُوفِ، وَيُنْهَى فِيهِ عَنِ المُنْكَرِ. اللَّهُمَّ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ، اِهْدِ بِهَا قُلُوبَنَا، وَاِجْمَعْ بِهَا شَمْلَنَا، وَلُمَّ بِهَا شَعْثَنَا، وَرُدَّ بِهَا الفِتَنَ عَنَّا.

عِبَادَ اللهِ،

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاُشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

صرخة الحق وفجيعة الدم { نداء عاجل إلى أهلنا في بيت أمر }

بسم الله الرحمن الرحيم صَرْخَةُ الْحَقِّ وَفَجِيعَةُ الدَّم نِدَاءٌ عَاجِلٌ إِلَى أَهْلِنَا فِي بَلْدَةِ بَيْت أُمَّر كَتَبَهُ الشَّيْ...