عذابُ القبرِ ونعيمُه
الخطيب: زهير بن حسن حميدات.
المسجد: عبد الرحمن بن عوف.
الدولة: فلسطين، الخليل، صوريف.
تاريخ الخطبة: 4/جمادى الأولى/1424هـ (4/7/2003م).
الخطبة الأولى:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ؛
نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ
أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا. مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا
مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ؛ أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ
بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ.
مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ
لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا.
وَنَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا
أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يُطِيعُهُ وَيُطِيعُ رَسُولَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ-، وَيَتَّبِعُ رِضْوَانَهُ، وَيَجْتَنِبُ سَخَطَهُ؛ فَإِنَّمَا نَحْنُ
بِهِ وَلَهُ. أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا النَّاسُ،
تَمُرُّ الْجَنَائِزُ
بِالنَّاسِ، فَيُجَهِّزُونَهَا، وَيُصَلُّونَ عَلَيْهَا، وَيَسِيرُونَ خَلْفَهَا،
يُشَيِّعُونَهَا مَحْمُولَةً إِلَى مَثْوَاهَا الْأَخِيرِ. فَتَرَاهُمْ يُلْقُونَ
عَلَيْهَا نَظَرَاتٍ عَابِرَةً، وَرُبَّمَا طَافَ بِهِمْ طَائِفٌ مِنَ الْحُزْنِ
الْيَسِيرِ، أَوْ أَظَلَّهُمْ ظِلَالٌ مِنَ الْكَآبَةِ الْخَفِيفِ، ثُمَّ
سُرْعَانَ مَا يَغْلِبُ عَلَى النَّاسِ نَشْوَةُ الْحَيَاةِ وَغَفْلَةُ
الْمَعَاشِ؛ غَافِلِينَ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ،
غَيْرَ آبِهِينَ بِمَا يَجْرِي لِلْمَيِّتِ مِنْ بَعْدِ دَفْنِهِ.
أَيُّهَا النَّاسُ،
رُوِيَ أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَخْدُمُ عَائِشَةَ -رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا-، فَلَا تَصْنَعُ عَائِشَةُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ
إِلَّا قَالَتْ لَهَا الْيَهُودِيَّةُ: "وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ
الْقَبْرِ". قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: فَدَخَلَ رَسُولُ
اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَيَّ، فَقُلْتُ: "يَا
رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِلْقَبْرِ عَذَابٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟"
قَالَ: ((لَا، مَنْ زَعَمَ ذَلِكَ؟)). قَالَتْ عَائِشَةُ: "هَذِهِ
الْيَهُودِيَّةُ، لَا أَصْنَعُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا
قَالَتْ: وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ". قَالَ عليه الصلاة والسلام: ((كَذَبَتْ يَهُودُ، وَهُمْ عَلَى اللَّهِ أَكْذَبُ، لَا عَذَابَ دُونَ
يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) [أصل الحديث في صحيح مسلم].
ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ
ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ نِصْفَ النَّهَارِ
مُشْتَمِلًا بِثَوْبِهِ، مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ، وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى
صَوْتِهِ: ((الْقَبْرُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. أَيُّهَا النَّاسُ، لَوْ
تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا. أَيُّهَا
النَّاسُ، اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ؛ فَإِنَّ عَذَابَ
الْقَبْرِ حَقٌّ)) [أصل الحديث في صحيح مسلم].
أَيُّهَا النَّاسُ،
اعْلَمُوا أَنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ
فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ، وَأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قُبِرَ عُرِضَ عَلَيْهِ
مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ: إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ عُرِضَ
لَهُ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عُرِضَ
عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ. يُفْسَحُ لِلْمُؤْمِنِ فِي
قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيَكُونُ لَهُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ
الْجَنَّةِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُضْرَبُ
بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ
فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ إِلَى
يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
أَيُّهَا النَّاسُ،
مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ،
فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ. (سَمِعَ صَوْتًا لَا يَسْمَعُهُ
النَّاسُ، وَلَوْ سَمِعُوهُ لَمَاتُوا وَصُعِقُوا، سَمِعَ صَوْتًا لَا يَسْمَعُهُ
النَّاسُ، وَلَوْ سَمِعُوهُ مَا هَدَأَتْ جُفُونٌ وَلَا نَامَتْ عُيُونٌ). فَقَالَ
-عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: ((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ
لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى
الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ بِالْبُكَاءِ)) [رواه الترمذي].
وَاعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- أَنَّهُ إِذَا حَفَّ قَبْرُ
الْإِنْسَانِ، فَمَا بَعْدَهُ خَيْرٌ مِنْهُ. لِذَلِكَ كَانَ عُثْمَانُ بْنُ
عَفَّانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- إِذَا رَأَى الْقَبْرَ بَكَى بُكَاءَ
الثَّكْلَى. فَقِيلَ لَهُ: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا لَكَ؟ تُذْكَرُ
عِنْدَكَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ وَعَذَابُ الْآخِرَةِ فَلَا تَبْكِي، فَإِذَا
رَأَيْتَ الْقَبْرَ بَكَيْتَ؟!" قَالَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "إِنَّ
الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، إِذَا صَلَحَ وَحَسُنَ فَمَا بَعْدَهُ
أَيْسَرُ مِنْهُ" [رواه الترمذي].
إِنَّهَا الْحُفْرَةُ
الَّتِي يَقُولُ فِيهَا الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ
حُفَرِ النَّارِ)) [رواه الترمذي]. إِنَّهَا الْحُفْرَةُ الَّتِي يُفْتَنُ فِيهَا
النَّاسُ فِتْنَةً عَظِيمَةً؛ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: ((أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي
قُبُورِكُمْ مِثْلَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)) [رواه البخاري ومسلم].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،
إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُنَعَّمُ فِي قَبْرِهِ، وَيَأْتِيهِ مِنْ رَيْحِ
الْجَنَّةِ وَرَيْحَانِهَا؛ فَيَشْتَاقُ إِلَيْهَا، فَيَقُولُ: "يَا رَبِّ،
أَقِمِ السَّاعَةَ، يَا رَبِّ، أَقِمِ السَّاعَةَ". وَإِنَّ الْكَافِرَ أَوِ الْفَاجِرَ يَأْتِيهِ فِي قَبْرِهِ مِنْ
سُمُومِ النَّارِ، فَيَقُولُ: "رَبِّ، لَا تُقِمِ السَّاعَةَ، رَبِّ، لَا
تُقِمِ السَّاعَةَ".
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! مَا
أَشَدَّهَا مِنْ سَاعَةٍ! وَمَا أَتْعَسَهَا مِنْ حَيَاةٍ! وَمَا أَشْقَاهَا مِنْ
لَذَّةٍ!
أَأَلْعَبُ فِي
الدُّنْيَا وَأَرْتَكِبُ الْحَرَامَ، وَأَفْعَلُ الْجَرَائِمَ، وَأَسْتَمِعُ
لِلْغِنَاءِ، وَأَنْظُرُ إِلَى الْحَرَامِ، وَأَتَلَذَّذُ بِشَهْوَةٍ، أَوْ
أَتَمَتَّعُ بِمَعْصِيَةٍ ثُمَّ يَكُونُ هَذَا مَصِيرِي؟!! اللَّهُمَّ غُفْرَانَكَ، اللَّهُمَّ غُفْرَانَكَ!
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ
رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا
كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99-100].
أَيُّهَا النَّاسُ،
رُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ
بْنِ عَازِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ،
فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ وَكَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا
الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ. فَرَفَعَ رَأْسَهُ،
فَقَالَ: ((اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)) -مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا-.
ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ
الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ
السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ
مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا
مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ. ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-
حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ،
اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ)) [أصل الحديث في مسند
أحمد].
قَالَ: ((فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِيِّ
السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ
طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي
ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى
وَجْهِ الْأَرْضِ)) [أصل الحديث في مسند أحمد].
قَالَ: ((فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ -يَعْنِي بِهَا- عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا
الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ
الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا
إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ،
فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي
تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. فَيَقُولُ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى
الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا
أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى)) [أصل الحديث في مسند أحمد].
قَالَ: ((فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ
فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ.
فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ
لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ
اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟
فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ. فَيُنَادِي
مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ،
وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ)) [أصل الحديث في مسند
أحمد].
قَالَ: ((فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي
قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ. قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ
الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا
يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ. فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ
الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ. فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ. فَيَقُولُ:
رَبِّ، أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي)) [أصل الحديث في مسند
أحمد].
قَالَ: ((وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ
الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ
مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمُ الْمُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ
الْبَصَرِ. ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ،
فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ
اللَّهِ وَغَضَبٍ)) [أصل الحديث في مسند أحمد].
قَالَ: ((فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ
السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ
يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ
الْمُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ
الْأَرْضِ. فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ
الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ:
فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي
الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ
لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ)) [أصل الحديث في مسند أحمد].
ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ-: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40].
((فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي
سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى. فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا)) [أصل الحديث في مسند
أحمد].
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ
فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31].
((فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ،
وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟
فَيَقُولُ: هَاهْ! هَاهْ! لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟
فَيَقُولُ: هَاهْ! هَاهْ! لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ
الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ! هَاهْ! لَا أَدْرِي. فَيُنَادِي
مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ،
وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ. فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا،
وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ
رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ:
أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ. فَيَقُولُ:
مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ. فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ
الْخَبِيثُ. فَيَقُولُ: رَبِّ، لَا تُقِمِ السَّاعَةَ)) [أصل الحديث في مسند
أحمد].
وَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا
لَأَسْمَعْتُكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ)) [رواه مسلم].
فَاتَّقِ اللَّهَ يَا عَبْدَ اللَّهِ! اتَّقِ اللَّهَ يَا عَبْدَ
اللَّهِ! وَلَا يَكُنْ مَثَلُكَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ، وَمَصِيرُكَ مَصِيرَ هَؤُلَاءِ.
وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً، وَأَنَّ
الْآخِرَةَ قَدِ ارْتَحَلَتْ مُقْبِلَةً.
وَاذْكُرْ سَاعَةَ الْمَوْتِ وَالِانْتِقَالِ، وَمَا يَتَمَثَّلُ
لَدَيْكَ سَاعَتَهَا مِنْ كَثْرَةِ السَّيِّئَاتِ وَقِلَّةِ الْحَسَنَاتِ، فَمَا
وَدِدْتَ عَمَلَهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَعَجِّلْ بِعَمَلِهِ مِنَ الْيَوْمِ،
وَمَا وَدِدْتَ اجْتِنَابَهُ، فَمِنَ الْآنَ!
عِبَادَ اللَّهِ،
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا،
وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ
كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ
الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْمُصْطَفَى الْأَمِينُ. صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى جَمِيعِ
أَصْحَابِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ وَاهْتَدَى
بِهَدْيِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،
لَقَدْ وَقَفَ
نَبِيُّكُمْ مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى شَفِيرِ قَبْرٍ
فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى، ثُمَّ قَالَ: ((يَا إِخْوَانِي، لِمِثْلِ هَذَا
فَأَعِدُّوا)) [رواه ابن ماجه].
وَسَأَلَهُ -عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ يَا رَسُولَ
اللَّهِ؟ فَقَالَ: ((أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وَأَشَدُّهُمْ
اسْتِعْدَادًا لَهُ، أُولَئِكَ هُمُ الْأَكْيَاسُ؛ ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا
وَكَرَامَةِ الْآخِرَةِ)) [رواه ابن ماجه]. وَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: ((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ)) [رواه الترمذي].
أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ-، وَاحْفَظُوا اللَّهَ
مَا اسْتَحْفَظَكُمْ، وَكُونُوا أُمَنَاءَ عَلَى مَا اسْتَوْدَعَكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ
عِنْدَ رَبِّكُمْ مَوْقُوفُونَ، وَعَلَى أَعْمَالِكُمْ مَجْزِيُّونَ، وَعَلَى
تَفْرِيطِكُمْ نَادِمُونَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ
ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَمَن
زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ٱلْحَيَوٰةُ
ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
سُبْحَانَ اللَّهِ!
تَرَى الشَّابَّ الْمُمْتَلِئَ صِحَّةً وَعَافِيَةً، وَالشُّجَاعَ الَّذِي
يَصْرَعُ الْأَبْطَالَ، تَرَاهُ فِي لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ قَدْ اسْتَحَالَ جُثَّةً هَامِدَةً، وَصَارَ جِسْمًا لَا حِرَاكَ
بِهِ، فَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ الشَّبَابُ، وَتَلَاشَتْ تِلْكَ الْقُوَّةُ،
وَتَعَطَّلَتْ حَوَاسُّهُ، تَعَطَّلَ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَشَمُّهُ، وَخَرَسَ
لِسَانُهُ. وَقَدْ يَكُونُ عَالِمًا ضَلِيعًا، أَوْ أَدِيبًا بَلِيغًا، أَوْ
طَبِيبًا مَاهِرًا، أَوْ مُخْتَرِعًا بَارِعًا؛ وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَمْنَعَ
ذَلِكَ قَبْضَ الْأَرْوَاحِ إِذَا انْقَضَتِ الْأَعْمَارُ! قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ
فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: 49].
يَتَمَتَّعُ الْإِنْسَانُ بِصِحَّتِهِ، وَيَنْعَمُ بِعَافِيَةٍ،
وَيَرْتَعُ وَيَلْعَبُ وَيَتِيهُ عَجَبًا، وَيَشْمَخُ أَنْفًا، وَيَأْمُرُ
وَيَنْهَى؛ فَإِذَا بِمَرَضِ الْمَوْتِ قَدْ هَجَمَ عَلَيْهِ هُجُومَ الْأَسَدِ
عَلَى فَرِيسَتِهِ، فَيَضْعُفُ جَسَدُهُ، وَيَخْفُتُ صَوْتُهُ، وَتَرْتَخِي
مَفَاصِلُهُ، وَتَضْمَحِلُّ قُوَاهُ، وَتُطْوَى صُحُفُ أَعْمَالِهِ بَعْدَ أَنْ
يَرْحَلَ عَنْ دُنْيَاهُ. فَمَا أَقْرَبَ الْمَوْتَ! كُلُّ يَوْمٍ يَدْنُو مِنَّا
وَنَحْنُ نَدْنُو مِنْهُ، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ
الْكِتَابُ أَجَلَهُ، فَإِذَا نَحْنُ فِي عِدَادِ الْمَوْتَى.
فَمَا الْأَعْمَارُ فِي
الْحَقِيقَةِ إِلَّا أَزْهَارٌ تَتَفَتَّحُ ثُمَّ تَذْبُلُ، أَوْ مِصْبَاحٌ
يُنِيرُ ثُمَّ يَنْطَفِئُ، أَوْ شِهَابٌ يُضِيءُ ثُمَّ يَصِيرُ رَمَادًا.
وَلْيَبْحَثْ فَوْقَ رِمَالِ هَذِهِ الْقُبُورِ الْمُبَعْثَرَةِ، وَبَيْنَ
أَحْجَارِهَا الْمُتَهَدِّمَةِ الْمُتَسَاقِطَةِ، لِيَعْلَمَ أَرْبَابُ
الْمَطَامِعِ وَطُلَّابُ الدُّنْيَا، أَنَّ طَرِيقَ الشَّهَوَاتِ وَالْمَلَذَّاتِ
الْمُحَرَّمَةِ -وَإِنْ كَانَتْ مُخْضَرَّةً مُزْدَانَةً بِالْأَزْهَارِ-
فَإِنَّهَا تُؤَدِّي فِي نِهَايَتِهَا إِلَى هَذَا الْمَصِيرِ الَّذِي صَارَ
إِلَيْهِ الْمَقْبُورُونَ.
فَطُوبَى لِمَنْ أَتَاهُ بَرِيدُ الْمَوْتِ بِالْإِشْخَاصِ قَبْلَ
أَنْ يَفْتَحَ نَاظِرَيْهِ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصِ! وَمَنْ لَمْ يَرْدَعْهُ
الْقُرْآنُ وَالْمَوْتُ فَلَوْ تَنَاطَحَتِ الْجِبَالُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمْ
يَرْتَدِعْ!
مَا نَرَاهُ فِي
الْمَقَابِرِ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ مُعْتَبَرٍ، فَحَامِلُ الْجِنَازَةِ الْيَوْمَ مَحْمُولٌ غَدًا، وَمَنْ يَرْجِعُ مِنَ الْمَقْبَرَةِ إِلَى
بَيْتِهِ سَيُرْجَعُ عَنْهُ غَدًا، وَيُتْرَكُ وَحِيدًا فَرِيدًا مُرْتَهَنًا
بِعَمَلِهِ؛ فَإِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
أَيْنَ الَّذِينَ بَلَغُوا الْمُنَى، فَمَا لَهُمْ فِي الْمُنَى
مُنَازِعٌ؟ جَمَعُوا فَمَا أَكَلُوا الَّذِي جَمَعُوا، بَنَوْا مَسَاكِنَهُمْ
فَمَا سَكَنُوا! وَلَكِنَّنَا نَنْسَى الْمَوْتَ، وَنَسْبَحُ فِي بَحْرِ
الْحَيَاةِ، وَكَأَنَّنَا مُخَلَّدُونَ فِي هَذِهِ الدَّارِ.
وَأُوَيْسٌ
الْقَرَنِيُّ _رضي الله عنه_ يَقُولُ: "تَوَسَّدُوا الْمَوْتَ إِذَا
نِمْتُمْ، وَاجْعَلُوهُ نُصْبَ أَعْيُنِكُمْ إِذَا قُمْتُمْ".
فَلْنَتَذَكَّرِ
الْمَوْتَ -أَيُّهَا الْأَحْبَابُ- لِنُحْسِنَ الِاسْتِعْدَادَ لِمَا بَعْدَ
الْمَوْتِ:
·
بِالْعَمَلِ وَالطَّاعَةِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي
الْعِبَادَةِ: مِنْ صِيَامٍ وَقِيَامٍ، وَأَمْرٍ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٍ عَنِ
الْمُنْكَرِ، وَمُسَاعَدَةِ الْمُحْتَاجِينَ.
·
بِهَجْرِ الْمُنْكَرَاتِ، وَتَرْكِ الْمَعَاصِي،
وَرَدِّ الْمَظَالِمِ وَالْحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا.
·
بِإِزَالَةِ الشَّحْنَاءِ وَالْبَغْضَاءِ
وَالْعَدَاوَةِ مِنَ الْقُلُوبِ.
·
بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ.
وَقِيلَ: "مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ أُكْرِمَ بِثَلَاثَةٍ: تَعْجِيلِ
التَّوْبَةِ، وَقَنَاعَةِ الْقَلْبِ، وَنَشَاطِ الْعِبَادَةِ. وَمَنْ نَسِيَ
الْمَوْتَ عُوجِلَ بِثَلَاثَةٍ: تَسْوِيفِ التَّوْبَةِ، وَتَرْكِ الرِّضَا
بِالْكَفَافِ، وَالتَّكَاسُلِ بِالْعِبَادَةِ".
أَيُّهَا النَّاسُ،
مَتَى يَسْتَعِدُّ لِلْمَوْتِ مَنْ تُظَلِّلُهُ سَحَائِبُ الْهَوَى
وَيَسِيرُ فِي أَوْدِيَةِ الْغَفْلَةِ؟! مَتَى يَسْتَعِدُّ لِلْمَوْتِ مَنْ لَا
يُبَالِي بِأَمْرِ اللَّهِ فِي حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ؟! مَتَى يَسْتَعِدُّ
لِلْمَوْتِ مَنْ هَجَرَ الْقُرْآنَ، وَلَا يَعْرِفُ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ
الْجَمَاعَةِ، مَنْ أَكَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَأَكَلَ الرِّبَا
وَارْتَكَبَ الزِّنَا؟! كَيْفَ يَكُونُ مُسْتَعِدًّا لِلْمَوْتِ مَنْ لَوَّثَ
لِسَانَهُ بِالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَامْتَلَأَ قَلْبُهُ بِالْحِقْدِ
وَالْحَسَدِ، وَضَيَّعَ أَوْقَاتَ عُمْرِهِ فِي تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ
الْمُسْلِمِينَ وَالْوُقُوعِ فِي أَعْرَاضِهِمْ؟!.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،
تُوبُوا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ
أَنْ تَمُوتُوا! ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا
فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا
مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ
يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)) [رواه الترمذي].
لَا تَكُونُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مِمَّنْ يَرْجُو الْآخِرَةَ
بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَيُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ لِطُولِ الْأَمَلِ؛ وَقَدْ عَلِمْتُمْ
أَنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً. أَكْثِرُوا مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَإِنَّهَا
تُذَكِّرُ بِالْآخِرَةِ. اعْتَبِرُوا بِمَنْ صَارَ تَحْتَ التُّرَابِ، وَانْقَطَعَ
عَنْ أَهْلِهِ وَالْأَحْبَابِ، جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي وَقْتٍ لَمْ يَحْتَسِبْهُ،
وَهَوْلٍ لَمْ يَرْتَقِبْهُ.
اتَّقُوا اللَّهَ
-رَحِمَكُمُ اللَّهُ- وَارْجُوا الدَّارَ الْآخِرَةَ؛
فَتِلْكَ دَارٌ لَا يَمُوتُ سُكَّانُهَا، وَلَا يَخْرَبُ بُنْيَانُهَا، وَلَا
يَهْرَمُ شَبَابُهَا، وَلَا يَبْلَى نَعِيمُهَا، وَلَا يَتَغَيَّرُ حُسْنُهَا
وَإِحْسَانُهَا وَحِسَانُهَا، يَتَقَلَّبُ أَهْلُهَا فِي رَحْمَةِ أَرْحَمِ
الرَّاحِمِينَ: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا
سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ، صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ
وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى
أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ
أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا
دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا
الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا
مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَالْمَوْتَ
رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.
اللَّهُمَّ وَأَبْرِمْ لِهَذِهِ
الْأُمَّةِ أَمْرَ رُشْدٍ يُعَزُّ فِيهِ أَهْلُ طَاعَتِكَ، وَيُذَلُّ فِيهِ أَهْلُ
مَعْصِيَتِكَ، وَيُؤْمَرُ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَيُنْهَى فِيهِ عَنِ
الْمُنْكَرِ.
اللَّهُمَّ رَحْمَةً مِنْ
عِنْدِكَ، اهْدِ بِهَا قُلُوبَنَا، وَاجْمَعْ بِهَا شَمْلَنَا، وَلُمَّ
بِهَا شَعْثَنَا، وَرُدَّ بِهَا الْفِتَنَ عَنَّا.
عِبَادَ اللَّهِ:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي
الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
فَاذْكُرُوا اللَّهَ
يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ،
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.