2003-09-19

قَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ وَحِرْمَانُ النِّسَاءِ مِنَ الْمِيرَاثِ

قَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ وَحِرْمَانُ النِّسَاءِ مِنَ الْمِيرَاثِ

الخطيب: زُهَيْرُ بْنُ حَسَنٍ حُمَيْدَاتٌ.

الْمَسْجِدُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.

الدَّوْلَةُ: فِلَسْطِينُ – الْخَلِيلُ – صُورِيفُ.

تَارِيخُ الْخُطْبَةِ: ٢٢/رَجَب/١٤٢٤هـ (١٩/٠٩/٢٠٠٣م).

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: فِي حُرْمَةِ الدَّمِ الْمَعْصُومِ وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ:

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا؛ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْقَائِلُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء: ٩٣].

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، الْقَائِلُ: ((لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ)).

فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ فَقَدْ رَشَدَ وَاهْتَدَى، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا. وَبَعْدُ:

إِخْوَةَ الْإِسْلَامِ،

اِتَّقُوا اللَّهَ، وَاحْذَرُوا الْإِسَاءَةَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا بِحَقٍّ ظَاهِرٍ قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الْبَيِّنُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْمَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لِيَكُونَ لَكُمْ بُرْهَانًا قَاطِعًا، وَحُجَّةً دَافِعَةً، حِينَ تَخْتَصِمُونَ عِنْدَ رَبِّكُمْ، فَتُؤَدَّى الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا؛ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ! وَتُؤْخَذُ الْمَظَالِمُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَتُرَدُّ إِلَى أَهْلِهَا فِي يَوْمٍ لَا دِرْهَمَ فِيهِ وَلَا دِينَارَ! بَلْ إِنْ كَانَ لِلظَّالِمِ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ؛ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ!

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،

لَقَدْ كَثُرَ اعْتِدَاءُ النَّاسِ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَانْتَشَرَتْ بَيْنَهُمُ الْفِتَنُ، فَكَثُرَتِ الْخُصُومَاتُ، وَعَمَّ الظُّلْمُ؛ فَهَذَا يَسُبُّ جَارَهُ، وَذَاكَ يَضْرِبُ أَخَاهُ، وَأُولَئِكَ يَلْعَنُونَ بَعْضَهُمْ، دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ أَحَدُهُمْ إِلَى عِظَمِ مَعْصِيَتِهِ، بَلْ أَصْبَحُوا لَا يَكْتَرِثُونَ إِذَا مَا قَتَلَ أَحَدُهُمُ الْآخَرَ! فَانْتَشَرَ الْقَتْلُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهُ مَا حَدَثَ فِي بَعْضِ الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ قَبْلَ أَيَّامٍ، وَمَا حَدَثَ فِي مَدِينَةِ الْخَلِيلِ قَبْلَ أَسَابِيعَ، وَمَا حَدَثَ فِي هَذَا الْبَلَدِ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ! وَكَأَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ عِنْدَهُمْ أَصْبَحَ عِبَادَةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ!

عِبَادَ اللَّهِ،

إِنَّ أَذِيَّةَ الْمُؤْمِنِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ أَشَدِّ الْمَظَالِمِ وَأَعْظَمِ الْمَآثِمِ، الَّتِي تَوَعَّدَ اللَّهُ أَهْلَهَا بِالْوَعِيدِ الْأَكِيدِ، وَتَهَدَّدَهُمْ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ، فِي مِثْلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب: ٥٨]. وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ)) [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ)) [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، يَا أَحْبَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ،

إِنَّ لَعْنَ الْمُسْلِمِ وَهَجْرَهُ وَتَفْسِيقَهُ وَرَمْيَهُ بِالْكُفْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ ظُلْمٌ وَعُدْوَانٌ، وَهُوَ كَقَتْلِهِ! قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ)) [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا)) [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)) [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ)) [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. وَقَالَ ﷺ: ((الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ)) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ)) [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ]. وَقَالَ أَيْضًا: ((لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ)) [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاحْذَرُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّهُ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ، وَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ: التَّعَدِّي عَلَيْهِمْ بِالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ وَاللَّعْنِ وَالْهَجْرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحُرُمَاتِ! فَكُلُّ هَذِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ الَّتِي لَا تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَلَا الصَّدَقَةُ وَلَا الصَّوْمُ، بَلْ لَا يُغْفَرُ لِلظَّالِمِ حَتَّى يَغْفِرَ لَهُ الْمَظْلُومُ؛ فَإِنَّ دِيوَانَ الظُّلْمِ مِنَ الدَّوَاوِينِ الَّتِي لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهَا شَيْئًا، بَلْ يُؤَاخِذُ بِهَا، إِلَّا إِذَا تَنَازَلَ عَنْهَا أَصْحَابُهَا.

فَكَمْ مِنْ شَخْصٍ يَظُنُّ أَنَّهُ كَثِيرُ الْحَسَنَاتِ، ثُمَّ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُفْلِسًا بِسَبَبِ مَا تَحَمَّلَ مِنَ الظُّلُمَاتِ! قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ)) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

أُمَّةَ الْإِسْلَامِ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ،

مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ جَاءَتْ بِحِفْظِ الضَّرُورَاتِ الْخَمْسِ، وَحَرَّمَتِ الِاعْتِدَاءَ عَلَيْهَا، وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالْمَالُ، وَالْعِرْضُ، وَالْعَقْلُ. وَلَا يَخْتَلِفُ الْمُسْلِمُونَ فِي تَحْرِيمِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْأَنْفُسِ الْمَعْصُومَةِ، وَالْأَنْفُسُ الْمَعْصُومَةُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ لَا يَجُوزُ الِاعْتِدَاءُ عَلَيْهَا وَقَتْلُهَا بِغَيْرِ حَقٍّ؛ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ.

 يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء: ٩٣].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ۝ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٢٩-٣٠].

وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا)) [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ)) [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ))، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: ((إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)) [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)) [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].

وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ)) [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

وَيَقُولُ ﷺ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)) [رَوَاهُ الشَّيْخَانِ].

وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ)) [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ].

وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يَوْمًا إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: (مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ).

عِبَادَ اللَّهِ، يَا أَحْبَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ،

كُلُّ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ وَغَيْرِهَا تَدُلُّ أَعْظَمَ الدَّلَالَةِ عَلَى عِظَمِ حُرْمَةِ دَمِ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ، وَتَحْرِيمِ قَتْلِهِ لِأَيِّ سَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، إِلَّا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ. فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ.

يَقُولُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: (بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ لِي: ((يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟!!)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا -أَيْ قَالَهَا لِيَتَّقِيَ سُيُوفَنَا-، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟!!)) قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ) [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

وَإِنَّ هَذَا -يَا عِبَادَ اللَّهِ- لَيَدُلُّ أَعْظَمَ الدَّلَالَةِ عَلَى حُرْمَةِ الدِّمَاءِ، فَهَذَا رَجُلٌ مُشْرِكٌ، وَهُمْ مُجَاهِدُونَ فِي سَاحَةِ الْقِتَالِ، لَمَّا ظَفِرُوا بِهِ وَتَمَكَّنُوا مِنْهُ نَطَقَ بِالتَّوْحِيدِ، فَتَأَوَّلَ أُسَامَةُ قَتْلَهُ، عَلَى أَنَّهُ مَا قَالَهَا إِلَّا لِيَكُفُّوا عَنْ قَتْلِهِ، وَلَمْ يَقْبَلِ النَّبِيُّ ﷺ عُذْرَ أُسَامَةَ وَتَأْوِيلَهُ، فَكَيْفَ سَيَقْبَلُ بِعُذْرِ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُؤْمِنَةً لِأَنَّهَا طَالَبَتْ بِحَقِّهَا فِي الْمِيرَاثِ، أَوْ لِعُذْرٍ دُنْيَوِيٍّ تَافِهٍ لَا يَقْبَلُهُ الْبَشَرُ، فَكَيْفَ سَيَقْبَلُهُ رَبُّ الْبَشَرِ؟!

وَإِذَا كَانَ هَذَا مَا قَالَهُ الرَّسُولُ ﷺ لِمَنْ قَتَلَ مُشْرِكًا اتَّقَى السَّيْفَ بِـ"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، فَمَاذَا يَقُولُ لِمَنْ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا مُصَلِّيًا مُزَكِّيًا ذَاكِرًا عَابِدًا لِلَّهِ مُنْسَاقًا لِأَمْرِهِ، بَلْ قُلْ: مَاذَا يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ لِمَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُؤْمِنَةً لَا ذَنْبَ لَهَا إِلَّا أَنَّهَا طَالَبَتْ بِحَقِّهَا الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لَهَا؟! فَأَيْنَ الرَّحْمَةُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ؟! أَيْنَ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ يَا عِبَادَ اللَّهِ؟!

لِمَاذَا يَنْسَى هَؤُلَاءِ الْقَتَلَةُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الْعَظِيمَ، الَّذِي قَالَ فِيهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَاصِفًا حَالَ الْمُجْرِمِ: ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ۝ وَصَـٰحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ۝ وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِى تُـؤوِيهِ ۝ وَمَن في ٱلْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ [المعارج: ١١-١٤].

عِبَادَ اللَّهِ،

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: حَقُّ الْمَرْأَةِ فِي الْمِيرَاثِ وَقَاطِعُ الرَّحِمِ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلِيِّ الصَّالِحِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ إِلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وَبَعْدُ:

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،

وَإِذَا مَا عُدْنَا إِلَى آخِرِ جَرِيمَةِ قَتْلٍ حَدَثَتْ، وَبَحَثْنَا فِي أَسْبَابِهَا، وَجَدْنَا سَبَبَ الْمُشْكِلَةِ -كَمَا سَمِعْنَا- مُطَالَبَةَ الْمَرْأَةِ لِأَخِيهَا بِحَقِّهَا فِي الْمِيرَاثِ، مِثْلُهَا مِثْلُ أَكْثَرِ النِّسَاءِ فِي مُجْتَمَعِنَا، مَحْرُومَةٌ مِنْ حَقِّهَا فِي تَرِكَةِ أَبِيهَا! فَمَا كَانَ مِنْ أَخِيهَا إِلَّا أَنْ ضَرَبَهَا وَقَتَلَ ابْنَهَا، فَأُخْرِجَ مِنْ بَلَدِهِ، وَحُرِقَ بَيْتُهُ، ثُمَّ هُدِمَ، وَسَيَدْفَعُ دِيَةً هِيَ أَضْعَافُ نَصِيبِ أُخْتِهِ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَلَنْ يَهْنَأَ فِي حَيَاتِهِ عَلَى شَيْءٍ لِخَوْفِهِ مِنَ الِانْتِقَامِ. وَكَمْ أَلْفًا فِي مُجْتَمَعِنَا مِنْ مِثْلِ هَذَا!

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، يَا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ،

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلاْقْرَبُونَ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلاْقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ [النساء: ٧].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].

عِبَادَ اللَّهِ،

إِنَّنَا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْنَاهُ نُدْرِكُ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَمِ امْرَأَةً، وَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا أَنْ نُعْطِيَ الْحُقُوقَ لِأَهْلِهَا، وَأَنْ نُدْرِكَ أَنَّ اللَّهَ مُحَاسِبُنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رِجَالًا وَنِسَاءً، وَأَنَّهُ لَا يَرْضَى أَنْ يَعْتَدِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، بَلْ لَا يَرْضَى أَنْ يَعْتَدِيَ إِنْسَانٌ عَلَى حَيَوَانٍ، بَلْ لَا يَرْضَى أَنْ يَعْتَدِيَ حَيَوَانٌ عَلَى حَيَوَانٍ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ يَقْتَصُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ!

وَبَعْدَ هَذَا -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- نَقُولُ لِكُلِّ رَجُلٍ يَظْلِمُ أُخْتَهُ بِاحْتِقَارِهَا وَازْدِرَائِهَا، وَحِرْمَانِهَا مِنْ حَقِّهَا: أَنَّهُ إِنْسَانٌ ضَحْلُ الْفِكْرِ، بَعِيدٌ عَنِ الْحَقِّ، يَأْخُذُهُ الشَّيْطَانُ إِلَى طَرِيقِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَفَاهِيمِ الْجَاهِلِيَّةِ! وَعَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ بِظُلْمِهِ لِأُخْتِهِ أَوْ لِابْنَتِهِ، عَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ رُبَّمَا قَدْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ وَحَجٍّ، فَيَجْعَلَهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا؛ بِسَبَبِ ظُلْمِهِ وَطُغْيَانِهِ! وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب: ٥٨].

إِنَّ الْإِسَاءَةَ إِلَى الْمَرْأَةِ إِسَاءَةٌ عَظِيمَةٌ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ، وَلِأَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرُدَّ كَيْدَ الرَّجُلِ أَوْ تَتَظَلَّمَ، أَوْ تَجْهَرَ بِالشَّكْوَى، وَلَا أَنْ تَخْرُجَ فَتَسِيحَ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا عِرْضٌ، إِنَّهَا امْرَأَةٌ! لِذَلِكَ كَانَ ظُلْمُهَا أَشَدَّ الظُّلْمِ، وَكَانَ إِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهَا مُصِيبَةً أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ الْمَصَائِبِ! فَلْتَتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الرِّجَالُ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ أُمًّا فَالْجَنَّةُ تَحْتَ قَدَمَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ أُخْتًا فَدُخُولُ الْجَنَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ بِنْتًا فَهَذَا حَقُّهَا، فَلْيُؤَدِّ إِلَيْهَا حَقَّهَا، وَإِلَّا فَقَدْ ظَلَمَهَا وَأَسَاءَ إِلَيْهَا، وَالْوَيْلُ لَهُ مِنْ رَبِّهِ!

وَنَقُولُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَحْرِمُونَ النِّسَاءَ مِنْ حَقِّهِنَّ فِي الْمِيرَاثِ: تَفَكَّرُوا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، كَمْ عَمَرُوا عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا، وَأَيْنَ هُمْ الْآنَ؟! اِعْتَبِرُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِمَاذَا سَيَنْفَعُكَ الْوَلَدُ إِذَا تَوَارَيْتَ التُّرَابَ؟! مَاذَا سَتَفْعَلُ بِتِلْكَ الدُّونُومَاتِ الَّتِي تَرَكْتَهَا، وَلِأُخْتِكَ حَقٌّ فِيهَا، وَسَتُطَوَّقُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟! مَاذَا سَتَقُولُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ إِذَا سَأَلَكَ: لِمَاذَا حَرَمْتَ أُخْتَكَ مِنْ حَقِّهَا؟! تَذَكَّرْ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي تَقُولُ فِيهِ الرَّحِمُ لِرَبِّهَا: يَا رَبِّ، فُلَانٌ ظَلَمَنِي! فُلَانٌ قَطَعَنِي! فَيَقُولُ رَبُّ الْعَالَمِينَ: ((أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟)) قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: ((فَذَاكِ لَكِ))! ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٢-٢٤]!

مَنْ مِنكُم سَيَخْلُدُ فِي الدُّنْيَا؟! مَنْ مِنكُم يَأْمَنُ عَذَابَ اللَّهِ؟! لِمَاذَا يَنْسَى هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الْعَظِيمَ، ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي يَفِرُّ فِيهِ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ!

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].

نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُجَنِّبَنَا مَوَاقِعَ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ، وَأَنْ يُصْلِحَ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَأَنْ يُوَفِّقَنَا لِأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَأَنْ يَغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.

عِبَادَ اللَّهِ،

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.


2003-09-05

الزكاة

الزكاة

عنوان الخطبة : الزكاة.

الخطيب : زهير بن حسن حميدات.

المسجد : المسجد العمري الكبير.

الدولة : فلسطين، الخليل، صوريف.

تاريخ الخطبة : 9/رجب/1424هـ (5/9/2003م).

الحمد لله على جزيل نعماه، وجليل عطاياه، أحمده سبحانه وأسأله التوفيق لما يحبه ويرضاه. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، فلا إله غيره، ولا رب سواه. وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا محمداً عبده ورسوله ومصطفاه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وخلفائه في أمته، وسلم تسليما كثيرا.

إخوة الإسلام، وأحباب الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، حديثنا اليوم عن الركن الثالث من أركان الإسلام, عن الزكاة التي قرنها الله في كتابه وفي سنة نبيه محمد _صلى الله عليه وسلم_ بالصلاة، ولذلك فقد قاتل الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة، وقال رضي الله عنه: (والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتهم على منعها).

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث، لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها: الأولى قول الله تعالى: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}, فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه، والثانية قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلَوٰةَ وَاتُواْ ٱلزَّكَـوٰةَ}، فمن صلى ولم يزك لم يقبل منه، قال النبي : ((من لم يزك فلا صلاة له))، والثالثة قوله تعالى: {أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوٰلِدَيْكَ}، فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه).

وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (من كان له مال تجب فيه الزكاة ولم يزكِّ سأل الرجعة عند الموت، أي سأل العودة إلى الحياة حتى يزكي، فقال رجل لابن عباس: اتق الله، إنما يسأل الرجعة الكفار، فتلا ابن عباس رضي الله عنهما على الرجل قول الحق سبحانه وتعالى: {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}.

مانع الزكاة -أيها الناس- توعده الله عز وجل بالعذاب الأليم، فقال سبحانه: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لانفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}.

وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)). قال ابن مسعود رضي الله عنه: (لا يوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم ولكن يوسع الله جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم على حده).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته, مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه -أي شدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك)) ثم تلا عليه الصلاة والسلام قول الحق سبحانه وتعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}.

ويكفيه ذماً أنه متشبه بالمشركين الذين توعدهم الله بقوله: {وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون}. ومتشبه بالمنافقين المذمومين في قول الله تعالى: {ولا ينفقون إلا وهم كارهون}، والمتوعدين بقوله سبحانه: {ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون، وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم}.

فيا عباد الله، يا من آمنتم بالله ورسوله، يا من صدقتم بالقرآن وصدقتم بسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ما قيمة  الأموال التي تبخلون بزكاتها، وما فائدتها، إنها تكون نقمة عليكم وثمرتها لغيركم. إنكم لا تطيقون الصبر على وهج نار الدنيا، فكيف تصبرون على نار جهنم، فاتقوا الله يا عباد الله.

كم من الناس زرع القمح والشعير وغيرهما من الحبوب هذا العام، وحصدوه وادخروه، ولم يزكوا، وقد مضى على موسم الحصاد ثلاثةُ أشهر، ولم يزكوا، والله عز وجل يقول: وآتوا حقه يوم حصاده، فماذا ينتظر هؤلاء، لماذا يبخلون على الله، يجمعون المال ويحاسَبون عليه، ويأكله غيرهم، ماذا تنتظرون أيها المزارعون، ألا تخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، ألا تدخرون ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، ألا تعملون ليوم كان مقداره خمسين ألف سنة، {يومَ تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد}.

قال رسول الله : ((وما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أتى بها يوم القيامة تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)).

وقال عليه الصلاة والسلام: ((ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا بأخفافها وأظلالها؛ كلما نفدت أخرى عادت عليه أولاها حتى يُقضى بين الناس)). فاتقوا الله عباد الله، وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم، تفوزوا بخيرها وبركتها وثوابها في الدنيا والآخرة، واحذروا شؤم منع الزكاة؛ فإنه عار وشر في الدنيا، وعذاب ونار في الآخرة.

أيها المؤمنون، يا خير أمة أخرجت للناس، إن الله تعالى أعطاكم الكثير من المال، وطلب منكم شيئاً يسيراً منه، رحمة بكم، وإحساناً إليكم، فلا تبخلوا، {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}.

أنفقوا على من أمركم الله بالإنفاق عليه من مال الله الذي آتاكم، فإنه عارية عندكم، استخلفكم الله فيه لينظر كيف تعملون. فاتقوا الشحّ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، واتقوا الله ما استطعتم، واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم، {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحونإن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم}.

فأنفقوا وثقوا بالخَلَف الجزيل من الله، واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، وهو من تزيين الشيطان لكم: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم}.

وحافظوا على مالكم من التلف، قال رسول الله : ((ما تلف مال في بر ولا في بحر إلا بحبس الزكاة))، وقال رسول الله : ((مانع الزكاة يوم القيامة في النار))، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : ((ما خالطت الصدقة أو قال الزكاة مالا إلا أفسدته)).

فيا من آتاه الله مالاً ولم يؤد زكاته, اتق الله, فبك وبأمثالك مُنع الناس القطر من السماء، يقول عليه الصلاة والسلام: ((وما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين)) أي بالجدب والقحط، وقال أيضا: ((ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء, ولولا البهائم لم يمطروا)).

فالزكاة -يا عباد الله- طهارة للمال، وطهارة للنفس؛ طهارة لنفس التقي من الشح والبخل, وطهارة لنفس الفقير من الحسد والبغض والحقد، قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا}.

إخوة الإسلام، وأحباب الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، والله الذي لا إله إلا هو, لو أخرج الأغنياء زكاة أموالهم، لما رأينا فقيراً ولا مسكيناً ولا جائعاً ولا عارياً ولا محروماً، وهذا ما حدث في عصر الخليفة العادل الإمام الزاهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، يوم أن أقيم العدل في الأمة, ويوم أن عرف الأغنياء حق الله في أموالهم. جمعت الزكاة في عصر عمر بن عبد العزيز، وأراد عمر أن يوزعها، فلم يجد فقيراً واحداً في أنحاء الأمة، وكان عمر بن عبد العزيز يحكم أمة تمتد حدودها من الصين شرقاً إلى باريس غرباً، ومن حدود سيبريا شمالاً إلى المحيط الهندي جنوباً، ومع ذلك جمع عمر بن عبد العزيز الزكاة فلم يجد مسكيناً واحداً يأخذ الزكاة, وفاض المال في بيت مال المسلمين، فأصدر عمر بن عبد العزيز أمراً بأداء الديون، وقال: اقضوا عن الغارمين، فقضى ديون الناس، وما زال المال فائضاً، فأصدر أمراً بإعتاق العبيد من بيت مال المسلمين، فأعتق العبيد، وما زال المال فائضاً في خزانة الدولة، فأصدر أمراً بتزويج الشباب، فقال: أيما شاب أراد أن يتزوج فزواجه على حساب بيت مال المسلمين، فتزوج الشباب، وبقي المال على بركته.

أيها المسلمون، تجب الزكاة في أربعة أنواع من المال: في الذهب والفضة وما يقوم مقامهما من الأوراق النقدية, وفي عروض التجارة, وفي الخارج من الأرض من الحبوب والثمار {وَءاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}. وفي بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، فإذا بلغ المال النصاب وحال عليه الحول وجبت فيه الزكاة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد، الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم}. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)).

فيا من أراد أن يخلف الله عليه وأن يبارك له في رزقه وفي دخله, أنفق على الفقراء والمساكين، وتفقد الأرامل واليتامى والمحرومين، وأنفق أموالك في أوجه الخير والبر.

إذا كان بعض الجاهليين -يا عباد الله- لا يرضون أن يعيش في مجتمعهم جائع ولا مسكين، وهم وثنيون لا يعرفون رباً ولا رسولاً ولا ديناً, فما بال أهل الحق يبخلون بفضل الله على عباد الله؟!! أيها الناس، قدموا لأنفسكم شيئاً تلقونه هناك، قدموا للقبر، قدموا للصراط المستقيم، قدموا ليوم الفضائح والكربات، واعلموا أن من قدم خيراً فإنما يقدم لنفسه: {وَمَا تُقَدّمُواْ لأنفسكم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ}. وقال تعالى: {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ}.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم لما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية :

الحمد لله الذي منّ على عباده بما أخرج لهم من الزروع والثمار، وأنعم عليهم بمشروعية صرفها فيما يرضيه عنهم من غير إسراف ولا إقتار. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو العزة والاقتدار. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان، آناء الليل والنهار، وسلم تسليما كثيرا. وبعد:

أخي المسلم، انظر إلى نعم الله عليك بهذا المال، وما نلته بقوة بدن ورأي، ولكنها محض فضل الله وكرمه، وجوده وإحسانه، انظر إلى المال ثم انظر إلى الزكاة، ترى الزكاة ربع عشرها، اثنان ونصف في المائة، أعطاك الله الكثير، ورضي منك باليسير، وهذا اليسير يعود نفعه عليك في دنياك وآخرتك.

أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وأدوا ما أوجب الله عليكم في أموالكم التي رزقكم الله تعالى، فقد أخرجكم الله من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، ولا تملكون لأنفسكم نفعا ولا ضرا، ثم يسر الله لكم الرزق، وأعطاكم ما ليس في حسابكم، فقوموا -أيها المسلمون- بشكره، وأدوا ما أوجب عليكم؛ لتُِبَّرؤوا ذممكم، وتطهروا أموالكم. واحذروا الشح والبخل بما أوجب الله عليكم؛ فإن في ذلك هلاككم، ونزع بركة أموالكم.

أيها المسلم، احرص على الزكاة، احرص على إحصاء المال، ودقِّّق الإحصاء. أحصه في الدنيا قبل أن يحصى عليك يومَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. ألا يا عباد الله فليعلم الأغنياء المالكون لنصاب الزكاة أن الدنيا غرارة متقلبة، فلينفقوا مما آتاهم الله، وليؤدوا فريضة الله، وليعلموا أن الله الذي رزقهم قادر على أن يسلبهم ما خولهم من النعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره)). وقال عليه الصلاة والسلام: ((حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة)). وقال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم فاحفظوه: ما نقص مال من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزة، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)).

أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأدوا زكاة أموالكم؛ فإن الزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله، من جحد وجوبها كفر، ومن منعها بخلا وتهاونا فسق، ومن أداها معتقدا وجوبها راجيا ثوابها فليبشر بالخير الكثير، والخلف العاجل والبركة، قال الله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}. وهي سبب للفوز بالثواب العظيم من الغني الرؤوف الرحيم، قال تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.

أيها المسلمون: أدوا الزكاة قبل أن تفقدوا المال مرتحلين عنه أو مرتحلا عنكم؛ فإنما أنتم في الدنيا غرباء مسافرون، والمال وديعة بين أيديكم، لا تدرون متى تعدمون. أدوا زكاة أموالكم قبل أن يأتي اليوم الذي يحمى عليه في نار جهنم فتكوى به الجباه والجُنُوب والظهور، قبل أن يمثل لصاحبه شجاعا أقرع فيأخذ بشدقيه ويقول: أنا مالك أنا كنزك.

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

عباد الله، {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

صرخة الحق وفجيعة الدم { نداء عاجل إلى أهلنا في بيت أمر }

بسم الله الرحمن الرحيم صَرْخَةُ الْحَقِّ وَفَجِيعَةُ الدَّم نِدَاءٌ عَاجِلٌ إِلَى أَهْلِنَا فِي بَلْدَةِ بَيْت أُمَّر كَتَبَهُ الشَّيْ...