2004-03-05

الذكرى الثمانون لهدم الخلافة

الذكرى الثمانون لهدم الخلافة

عنوان الخطبة: الذكرى الثمانون لهدم الخلافة.

الخطيب: زهير بن حسن حميدات.

المسجد: العمري الكبير.

الدولة: فلسطين، الخليل، صوريف.

تاريخ الخطبة: 14/محرم/1425هـ (‏5‏/3/‏2004م).

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على نعمة الإسلام، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمد لله الذي وهب لنا من لدنه رحمة، وجعلنا من حملة رسالته وهديه للعالمين أجمعين، الحمد لله الذي ثبّتنا على طاعته وأعاننا على نبذ عصاته ومعصيته.

والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، حمل الأمانة وبلّغ الرسالة ونصح للأمة، وعلى آله وصحابته الأبرار الأطهار الأخيار، الذين بذلوا المهج والأرواح لإظهار هذا الدين وأهله، وإعزاز هذا الدين وأهله، وماتوا وهم على ذلك، لربهم طائعون، ولدينه ورسالته مبلغون، ولشرعه مطبقون. وبعد:

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته، وأحذركم وإياي من عصيانه ومخالفة أمره، قال الله تعالى: {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ}.

أيها المسلمون، إن الله قد أكرمكم كأمة واحدة بهذا الدين، الذي آمن به أجدادكم المسلمون، وطبقوه كاملاً في دولة واحدة، عزّت بها الأمة، فكانت كما أخبر الله تعالى: {خير أمة أخرجت للناس}، ولم تكن الأمة الإسلامية لتعيش حياة كما تعيش حياتها اليوم، فعلى الرغم من الضعف الذي عاشت به الأمة في بعض مراحل حياتها، وعلى الرغم من سوء تطبيق الإسلام الذي حصل في فترات من الخلافة الإسلامية، إلا أن الأمة كانت عزيزة، ولم يكن يتجرأ أحد عليها، خاصة وأنها كانت أمة جهاد فتحت البلاد بالإسلام، وحكمتها بمنهج الله تعالى؛ حتى غدا الإسلام موجوداً في شتى أنحاء الأرض.

ولكن الأمة الإسلامية تعيش اليوم حياة غير عادية من السوء، فقد تمزقت إلى دويلات ضعيفة، يتحكم بها أعداء الإسلام من كل جانب، وأصبح المسلمون محط إذلال الكفار، فهم مضطهدون في كل مكان، حتى أصبح ما يُفعل بالمسلمين في الأرض موضوع الدراسات والإحصائيات؛ كم عدد القتلى؟ وكم عدد المشردين؟ وكم عدد المنتهكة أعراضهن؟ وكم.. وكم.. وكم..؟ مسكينة هذه الأمة، فكم عانت وكم تعذبت وكم لاقت، كم من مظلوم فيها لم يجد من يرد إليه مظلمته، وكم من قتيل فيها سُفك دمه المعصوم ولم يجد من يحميه، وكم من مسلمة طاهرة بكت عرضها المنتهك ولم تجد من ينتقم لها. كان سلطان الإسلام ينصف الكفار ويذود عنهم ويحمي شرفهم ويصون أعراضهم، واليوم لا منصف لمظالم المسلمين ولا حامي لأعراضهم.

والله _أيها الإخوة_ لولا أننا مؤمنون بالله، واثقون بنصره، لمات الواحد منا جزعاً على ما يحدث لإخوانه المسلمين في كل مكان، فقد أصبحت حياة المسلم بؤساً وشقاء وهو يرى أمته ضعيفة مهانة منكوبة، تنهش في كل يوم، وقد فقدت سلطانها وهيبتها وعزتها.

نعم يا عباد الله، لم تعد الأمة كما كانت تحت راية الإسلام، عندما كانت تحكمها الخلافة التي وحدت المسلمين، فلم تفرقهم حدود خطها الكافر المستعمر، ولم تشتتهم قوانين الإقامة الظالمة، بل كان المسلم يسير من أقصى الأرض إلى أدناها، لا يسأله أحد من أنت، ولا يصفه أحد بالأجنبي، يتنقل المسلم في بلاد الإسلام: يتاجر.. يعمل.. يتعلم.. يتزوج.. يقيم، لا يحول بينه وبين ذلك أحد.

ولكن _أيها المسلمون_ أين هي الخلافة الآن؟! لقد كانت، ولكنها أُسقطت قبل ثمانين عاما، وتحديدا في الثالث من آذار، عام أربعة وعشرين وتسعمائة وألف للميلاد، والتي مر ذكرى إسقاطها علينا قبل يومين، في مثل الثالث من آذار فجع العالم الإسلامي بإلغاء دولة الخلافة, ومحو سلطانها من الوجود على يد اليهودي مصطفى كمال أتاتورك عليه لعنة الله, مؤسس الدولة التركية العلمانية الحديثة، على أنقاض دولة الخلافة العثمانية الإسلامية، هدمها اليهود الكفرة، فهل من عامل لإعادتها؟

أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، وإن العمل على إقامة حكم الله في الأرض فرض عين على كل مسلم، وذلك ثابت بأدلة الشرع من قرآن وسنّة وإجماع صحابة، وثابت أيضا أنه إن خلا منصب الخليفة لأي سبب وجب على المسلمين العمل على وضع إمام لهم، يحكمهم بالكتاب والسنة، ويحرم عليهم القعود دون ذلك، ومن استمر قعوده وتخاذله دون العمل لتنفيذ حكم الله هذا كان من القاعدين الممتنعين عن القيام بفرض هو أبو الفروض، حكم وجوبه آكد، وإثم التقصير فيه لم يختلف في تحققه عالمان ذوا عقل وفضل.
       إن العمل على إعادة دولة الخلافة الإسلامية الراشدة فرض على المسلمين كافة في جميع أقطار العالم. والقيام به كالقيام بأي فرض من الفروض التي فرضها الله على المسلمين، هو أمر محتم لا تخيير فيه ولا هوادة في شأنه، والتقصير في القيام به معصية من أكبر المعاصي، يعذب الله عليها أشد العذاب.

والأدلة على وجوب إقامة خليفة على المسلمين أكثر من أن تحصى، منها قول الله تعالى: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ} [الأنعام:153]، وقوله تعالى: {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام:155]، وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}.

ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم((من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)).

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما الإمام جُنة يُقاتَل من ورائه ويُتقى به)). وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)).

وأما إجماع الصحابة فإنهم رضوان الله عليهم أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وأجمعوا على إقامة خليفة لأبي بكر، ثم لعمر، ثم لعثمان، بعد وفاة كل منهم. كلهم أجمعوا طوال أيام حياتهم على وجوب تنصيب خليفة، ومع اختلافهم على الشخص الذي يُنتخب خليفة فإنهم لم يختلفوا مطلقاً على إقامة خليفة، لا عند وفاة رسول الله ، ولا عند وفاة أي خليفة من الخلفاء الراشدين. فكان إجماع الصحابة دليلاً صريحاً وقوياً على وجوب تنصيب خليفة.

أمة الإسلام، يا أمة محمد ، ولقد بشرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعودة الخلافة الراشدة، فقال: ((تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت)).

وقَال عليه الصلاة والسلام: ((لَيُفْتَحَنَّ لَكُمُ الشَّامُ وَالرُّومُ وَفَارِسُ، أَوِ الرُّومُ وَفَارِسُ، حَتَّى يَكُونَ لأَحَدِكُمْ مِنَ الإِبِلِ كَذَا وَكَذَا، وَمِنَ الْبَقَرِ كَذَا وَكَذَا، وَمِنَ الْغَنَمِ، حَتَّى يُعْطَى أَحَدُهُمْ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَسْخَطَهَا، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي أَوْ هَامَتِي، فَقَالَ: يَا ابْنَ حَوَالَةَ، إِذَا رَأَيْتَ الْخِلافَةَ قَدْ نَزَلَتِ الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ فَقَدْ دَنَتِ الزَّلازِلُ وَالْبَلايَا وَالأُمُورُ الْعِظَامُ، وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ إِلَى النَّاسِ مِنْ يَدَيَّ هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ)).

أيها المسلمون، يا أحباب محمد صلى الله عليه وسلم، إن الإسلام هو ما صنعكم، وجعلكم في سابق عهدكم أهل عزّ وكرامة، عقيدته هي التي هذبتكم، وجعلتكم تختلفون عن باقي الخلق والمخلوقات.

والدولة التي كان المسلمون يستظلون بظلها، هي التي كانت تحفظ بيضتهم، وتذود عنهم، وبها ومعها صنعوا عزّتهم ومكانتهم بين الأمم، وكانت لهم كرامة.

فوالله إنه لا عزّة ولا كرامة للمسلمين بين الأمم إن لم يعودوا إلى ربهم وعقيدتهم، ويعيدوا بناء دولة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، تلك العقيدة وتلك الدولة التي صنعت للمسلمين الأوائل تاريخا غير تاريخهم، وغيرت حالهم، فمن عبودية ومهانة وإذلال وانقياد وانصياع للكفر وأهله، إلى سيادة وريادة وبأس وقوة.

فتغير حال بلال وعمّار وصهيب، فأصبحوا سادة العالم وقادته، يحملون عقيدة الإسلام التي جلت قلوبهم، وأنارت صدورهم وقلوبهم ، يذودون عن حمى الله، وعن أمتهم، وينشرون رسالة الخير والهدى إلى العالم أجمع، ليخرجوا العباد من جهلهم وطغيانهم إلى عبادة ربّ واحد لا إله إلا هو.

أولئك الذين سبقونا، أرادوا لأنفسهم ولدينهم ولأمتهم العزة والكرامة، وحقّ لهم أن يسعوا لها، ويوصلوها إلى ذرى المجد فيها، لأنهم عملوا لذلك حق العمل، وأعدوا له ما يلزم من عتاد، وملكوا من القوة ما جعلهم أقوياء يرهبون عدو الله وعدوهم؛ لأنهم فهموا وعملوا بقول ربّ العزة جل في علاه: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم….﴾ فكان لهم ما أراد لهم ربهم من خيرية بين الأمم، إلى أن هُدمت دولة الخلافة، ففقدت أمة محمد صلوات ربي وسلامه عليه، فقدت الراعي والحامي، فهانت بعد عزّ، وذلّت بعد كرامة، ولماذا لا يكون ذلك طالما ابتغى المسلمون العزة بغير الله، وبغير دين الله؟!

كيف لا يكون هذا الهوان والله عزّ وجلّ يقول: ﴿من كان يريد العزّة فلله العزّة جميعا﴾ وكيف لا يكون هذا الهوان ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: ((الإمام جُنّة، يُقاتل من ورائه ويُتّقى به)). وكيف لا يكون هذا الهوان وعمر رضي الله عنه يقول: (كنّا أذلة فأعزّنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزّة بغيره أذلنا الله).

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، أما آن للمسلمين بعد طول غياب عن تحكيم كتاب الله في شؤون حياتهم من خلال دولة الإسلام التي يرعاها خليفة المسلمين وسلطانهم، أما آن لهم أن يعودوا إلى معين عزتهم ومصدر قوتهم ووحدتهم بعد أن رأوا بأم أعينهم ما جرّت عليهم معصيتهم من ويلات؛ ببعدهم عن دينهم وتخليهم عن دستورهم الخالد وهداياته الباهرة، وصدق الله العظيم: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ، قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً، قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ ايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ}.

والمتبصر بأحوال المسلمين على امتداد التاريخ الإسلامي، يجد هذه الحقيقة القرآنية ماثلة للعيان، حين ابتعدت الأمة عن ذكر الله وهدايات كتابه العزيز أصابها الضعف، واعتراها الهوان، وطمعت بها أمم الأرض للسيطرة عليها، واحتلال أرضها، ونهب خيراتها، وطمس حضارتها بإلقائها في النهر كما فعل المغول، أو نهبها ومحاربة عقول علمائها كما فعل الاحتلال الإنجليزي الأمريكي في العراق، تحت ستار تحريره، بل تجريده من كل شيء.

فاعتبروا يا أولي الأبصار، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

الخطبة الثانية :

الحمد لله الهادي إلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن اقتدى واهتدى بهداه إلى يوم الدين. وبعد:

أيها المسلمون، أما آن لكم أن تخشع قلوبكم لهذا الذكر الحكيم، والهدي المبين، والحق اليقين، الذي عمل به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلفكم الصالح، فدانت لهم الدنيا، ونشروا رايات الحق خفاقة في ربوع العالم، يهدون إلى الخير، وبه يعملون، وينبذون الشر، وعنه يعدلون، أيام كان المسلمون بحالة مرهوبة، والعود صلب المكسر، أيام كان الدين ملأ نفوسهم، وأتوا على كسرى العظيم وقيصر، فهلا نهج المسلمون اليوم نهج الألى، سبقوا والتفوا حول قرآنهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، القائل: ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي)).

إذاً لا مخرج للأمة مما تعانيه إلا بالرجوع إلى دينها، والحكم بما أنزل الله، فهذا هو السبيل الوحيد لنهضة الأمة، والذود عن كرامتها، وحماية أوطانها. وكما حررت الأمة بلادها من اجتياح المغول في عين جالوت، وكما ردّت الحملات الصليبية في حطين يوم كان الشعار: واإسلاماه، وكان الحاكم لا يبتسم وبيت المقدس أسير الاحتلال.

أفلم يأْنِ لكم _أيها المسلمون_ بعد هذا وذاك، أن تتدبروا أمركم، فتعلموا أنَّ مخرجكم من هذه الظلمات المتراكمة بعضها فوق بعض هو إعادة الخلافة؟

ألا تُصَدِّقون الله سبحانه وتعالى الذي بيّن لكم كيف تعزون وتُنصرون؟! ]فإن العزة لله جميعاً[، ]إن تنصروا الله ينصركم[. فانصروا الله، وطبقوا شرعه، بإقامة الخلافة الراشدة، تنتصروا وتعزوا.

الخلافة هي المنقذ لكم من ذُلِّكم وشقائكم، وهي الكافية الوافية لإعادة عزكم، هي النظام الذي أوجبه الله رب العالمين، وجعل النصر معقوداً بنواصيه.

بالخلافة تعيدون سيرة المعتصم، فتستجيبون لاستغاثة الأطفال الذين أذلهم الكفار في عدوانهم على ديار المسلمين، فأرغموهم على رفع أيديهم في منظر يقطع القلوب، فاختلطت براءة الطفولة على وجوههم بالرعب الذي وقع في قلوبهم.

بالخلافة تَنْفِرون لقتال عدوّكم، خليفتُكم أمامَكم في القتال، لا أمامكم في الفرار، تتقون به وتقاتلون من ورائه، فيقودكم من نصر إلى نصر، لا من هزيمة إلى هزيمة.

الخلافة _أيها المسلمون_ أقيموها تعزّوا، أعيدوها تفلحوا، وإلا سقطتم في ظلماتٍ بعضها فوق بعض، تندمون ولات ساعة مندم، ويأتي الله بقوم خير منكم، يتحقق فيهم وعد الله سبحانه]وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض[، وتتحقق على أيديهم بشرى رسول الله r: ((ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة)).

فتدبروا أمركم أيها المسلمون، وانصروا ربكم بإقامة الخلافة الراشدة يَنْصُرْكم، ويَشْفِ صدوركم بهزيمة عدوكم ]ويومئذٍ يفرح المؤمنون، بنصر الله[.

فوالله الذي لا إله إلا هو ،إنّ أوجب الواجبات عليكم الآن هو الدعوة والعمل إلى إقامة شرع الله في الأرض، وهذا لا يكون إلا بإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.

ووالله الذي لا إله إلا هو، لا عزة ولا كرامة لكم بدون دولة الإسلام الغائبة المغيّبة، دولة الخلافة الراشدة، تستظلون بها، وتحتمون بإمامها، يدفع عنا وعن الدين، يحمي بيضتنا ويقوي شوكتنا، والمسلمون كلهم تحت إمرته وطاعته لنشر هذا الدين، لتنعم البشرية بدين الله تبارك وتعالى، وتخرج من نير العبودية والبهيمية وظلمات الأحكام الجائرة والقوانين الوضعية والمبادئ الضالة المضلة إلى نور الإسلام العظيم. يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾.

اللهم أقم دولة الإسلام، اللهم...

أيها المؤمنون، إن الله أمر أمراً، ابتدأ به بنفسه، وثنّاه بملائكة قدسه، فقال جل وعلا _ولم يزل قائلاً عليماً_: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً}، لبيك، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

عباد الله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}, فاذكروا الله يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

2004-02-27

جدار الفصل العنصري

جدار الفصل العنصري

عنوان الخطبة : جدار الفصل العنصري.

الخطيب : زهير بن حسن حميدات.

المسجد : عبد الرحمن بن عوف.

الدولة : فلسطين - الخليل - صوريف.

تاريخ الخطبة : 7/محرم/1425هـ (27/2/2004م).

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سيِّئاتِ أَعمالِنا، مِنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وحدَهُ لا شريكَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وصَفِيُّهُ مِنْ خلقِهِ وخليلُه، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ. فمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا. أما بعد:

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إن حال هذه الديار شاهد على تقصير المسلمين حكاماً ومحكومين في حمل الأمانة التي كلفهم الله بها، وجعلهم الأوصياء عليها وعلى مقدساتها وديارها. فهذا شعبكم المرابط الذي حمل على عاتقه مسؤولية الدفاع عن هذه الأرض المباركة، وأكرمه الله بشرف السدانة لمسجدها الأقصى، يذود عنه وعن هذه الأرض المباركة بالتضحيات الجسام من أبنائه ومقدراته في مواجهة آلة الاحتلال العسكرية، التي استهدفت وما زالت تستهدف الأرض والإنسان، وراحت تقطع أوصال الوطن ببناء جدار الفصل العنصري الذي يحول بين المدينة وقراها، وبين أبناء البلدة الواحدة، كما يفصل بين مؤسسات التعليم وطلابها، كما هو حاصل في جامعة القدس التي فصل هذا الجدار بين أجزائها ومرافقها، زد على ذلك ما يمارسه جيش الاحتلال من اجتياحات للمدن والقرى والمخيمات، وما يقوم به من قتل واغتيال للأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء، وما يفرضه من عقوبات جماعية بحظر التجول وإغلاق المؤسسات.

إن ما يجري في هذه الديار المباركة، أرض الإسراء والمعراج، أرض القبلة الأولى للمسلمين، ديار المسجد الأقصى المبارك، ثالث مسجد تُشد إليه الرحال، بوابة الأرض إلى السماء، إن ما يجري فيها من حصار وإغلاق، وقتل وتشريد، وبناءٍ لجدار الفصل العنصري، يمثل النكبة الثالثة لفلسطين.

إذا كان عام 1948م عام النكبة الأولى، العام الذي شُرِّدَ فيه الفلسطينيون من أرضهم وديارهم، أرضِ آبائهم وأسلافهم، وإذا كان عام 1967م عام النكبة الثانية، النكبة الثانية التي اكتمل فيها احتلال فلسطين ووقوع القدس ومسجدها الأقصى المبارك أسيرة الاحتلال، فإن عام 2003م هو عام النكبة الثالثة، هذه النكبة التي تتمثل في بناء الجدار العنصري الذي يمزق ما تبقى من أرض الضفة الغربية، هذه النكبة -أيها الإخوة- أشد وطأة من سابقاتها.

أيها المسلمون، وللأسف ما زالت دول العروبة ومعها دول منظمة المؤتمر الإسلامي تحلم بالشرعية الدولية وتحلم بالحلول السلمية، مع أن العدو لا يعطي للحلول السلمية بالاً، ولا يقيم لها وزناً ما دامت أحوال أمتنا تشبه أحوالها يوم دخل المغول بغداد، ويوم جاء الصليبيون إلى هذه الديار، وصيّر الله لها صلاح الدين والدنيا فحررها، وأعاد لها بهجة الإيمان وعزة الإسلام.

أيها الإخوة الأحباب، إن ما يبنيه اليهود اليوم من جدار على طول مائة وخمسة وسبعين كيلوا مترًا، وبارتفاع ثمانية أمتار، من جدار يفصل بينهم وبين الفلسطينيين، ما هو إلا تأكيد للحقيقة القرآنية التي وصفت اليهود بأنهم لا يقاتلون إلا من وراء جدر، في قول الله تعالى: {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ}.

وبرغم زعم اليهود أن هذا الجدار لحمايتهم فإن التقارير المختلفة تؤكد ظلم وعنصرية اليهود وراء بناء هذا الجدار، فتقارير مركز الإحصاء الفلسطيني تؤكد بأنه سيلتهم 75% من موارد المياه بالضفة الغربية، ونحو 23% من أخصب أراضيها، فيما أكد عدد من المختصين في مجال الاستيطان على أن الجدار العازل يعتبر من أخطر المخططات الاستيطانية الضخمة، التي تنفذها سلطات الاحتلال على الأرض منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية عام 1967م.

معشر المسلمين، إن المواطنين لم يدركوا خطورة هذا الجدار إلا بعد أن بدأت سلطات الاحتلال تطبيقه على أرض الواقع، من عزل للمناطق، وقلع للأشجار، وهدم للمنازل، والتهام للأراضي. إن هذا الجدار اللعين الذي يكلف ما يزيد على مليار دولار، وهو عبارة عن سلسلة من الخنادق والقنوات العميقة، والجدران الإسمنتية المرتفعة، والأسلاك الشائكة المكهربة، وأجهزة مراقبة مزودة بأسلحة رشاشة تنطلق منها النار تلقائياً كلما اقترب منها شخص.

أيها المسلمون، إن هذا الجدار اللعين قد طال مدينة القدس من ثلاث جهات، من الشمال والجنوب والشرق، بحيث يعزلها تماماً عن سائر المناطق الفلسطينية، بطول يزيد عن 17كم، ويبلغ مجموع الأراضي التي تم وضع اليد عليها في منطقة القدس حوالي 800 دونم، ويمنع هذا الجدار العنصري -حال إقامته- يمنع من التقدم والنمو العمراني في هذه المناطق، كما يمنع مئات الآلاف من المواطنين من التحرك بحرية إلى مدينة القدس.

أيها المسلمون، وحول هذا الجدار العنصري إليكم هذه الحقائق:

1)          تقوم إسرائيل ببناء الجدار من شمال غرب إلى جنوب غرب الضفة الغربية، وفي عمق الضفة، بمسافة تتراوح من 150م إلى 16كم.

2)          إذا استمر العمل في الجدار كما كان مقررا من قبل الحكومة الصهيونية، من المتوقع أن يبلغ طوله 360كم، وفي حال بناء الجدار الشرقي المقترح من قبل شارون، فمن المتوقع أن يبلغ طول الجدار كاملا 700كم.

3)          يبلغ ارتفاع الجدار الإسمنتي 8 أمتار، مع عشرات أبراج المراقبة الإسمنتية، ومنطقة عازلة على اتساع 30–100م؛ لتفسح المجال لوضع أسيجة كهربائية وخنادق وآلات تصوير وأجهزة عالية الحساسية وحركة الدوريات للمحافظة على الأمن، أما الجدران المركبة فيحيطها من كلا الجانبين طرق عسكرية ترابية، تليها خنادق بعمق 4م، تعلوها لفات من الأسلاك الشائكة، إضافة إلى الحواجز الذكية التي تعتمد على الكاميرات عالية الحساسية.

4)          تم اعتبار منطقة الجدار العازلة من قبل القوات العسكرية على أنها منطقة حرام، ممهدين الطريق بذلك لأعمال هدم على نطاق واسع على جانبي الجدار.

5)          يقع الجدار في الكثير من الأماكن على بعد أمتار قليلة فقط من البيوت والمحلات التجارية والمدارس.

6)          إذا تم الانتهاء من بناء الجدار بدون تعديلات، فإن ذلك سوف يؤدي إلى عزل من 95 ألف إلى 200 ألف نسمة، أي 10% تقريبا من سكان الضفة، عدا عن ذلك سوف يتم عزل 200 ألف فلسطيني في القدس الشرقية المحتلة عن بقية الضفة.

7)          إذا تم تنفيذ اقتراح الحكومة والمستوطنين لإجراء تعديلات في بناء الجدار، فإن هذا سوف يؤدي إلى عزل 110 آلاف فلسطيني آخر، ليصل عدد من يعزلهم الجدار إلى 400-500 ألف فلسطيني، سيكونون معزولين خلف الجدار، مما يعرضهم تدريجيا إلى الرحيل من بيوتهم وأراضيهم.

8)          سيتم عزل ومصادرة 10% من أراضي الضفة على الأقل خلف الجدار، أي ما يقارب ضعف مساحة قطاع غزة، وذلك حسب الخطة الأولى والمعتمدة من الحكومة الإسرائيلية.

9)          يتم بناء الجدار، في بعض المواقع على بعد 6 كم من الخط الأخضر في عمق الضفة كما في جيوس.

10)       يضم مسار الجدار المتعرج في المرحلة الأولى من بنائه 10 مستوطنات إسرائيلية. كما يمر الجدار عبر 30 قرية تعتبر أراضيها من أكثر الأراضي خصوبة في شمال الضفة.

11)       بدءا من حزيران 2002م، تم تدمير 500ر11 دونم من الأرض الزراعية تدميرا كاملا فقط لصالح المنطقة التي سيتم بناء الجدار عليها. وتم كذلك اقتلاع 83 ألف شجرة زيتون من الرومي والمعمر وأشجار الحمضيات.

12)       سوف يتم عزل أكثر من 31 بئرا جوفيا في المرحلة الأولى، حيث تقع هذه الآبار في المناطق المصادرة والمعزولة خلف الجدار. كما يعمل الجدار على  فصل مصادر المياه والشبكات عن الأراضي الزراعية.

13)       قامت القوات الصهيونية عند البدء بأعمال التجريف للجدار بتدمير حوالي 35 ألف متر من أنابيب شبكة الري الرئيسة للزراعة. وسوف يؤدي بناء الجدار إلى فقدان بعض القرى لمصدر المياه الوحيد لها.

أيها المسلمون، أيها المرابطون على أرض الإسراء والمعراج، نذكركم مرة أخرى بأن جدار الفصل العنصري الذي تقيمه دولة المغضوب عليهم في الضفة الغربية يتكون مما يلي:

1.                              أسلاك شائكة.

2.         خندق يصل عمقه أربعة أمتار، وعرضه أربعة أمتار، وهو يهدف لمنع مرور المركبات والمشاة.

3.                              طريق ترابية مغطى بالرمال لكشف الأثر.

4.                              سياج كهربائي مع جدار إسمنتي يصل ارتفاعه ثمانية أمتار.

5.                              طريق معبد مزدوج لتسيير دوريات المراقبة.

6.                              أبراج مراقبة مزودة بكاميرات وأجهزة استشعار عالية الحساسية.

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، السؤال المطروح بعد هذا: هل هذا الجدار سيوفر الأمن والسلام لشعب دولة الاحتلال النازية؟ حتما لا، لأن أساليب القهر والقمع والعنف والاغتيال والاعتقال ونسف المنازل لا تؤدي إلى الأمن والسلام والاستقرار.

إن شعبنا المرابط يدرك تماماً أنه مستهدف، وأن بلاده مستهدفة، ولن يستسلم لهذه الإجراءات العنصرية الظالمة، ويتوجب على الأنظمة والشعوب في العالم الإسلامي أن تفيق من سباتها وأن تتحمل مسؤولياتها تجاه الأخطار المحدقة بفلسطين وشعب فلسطين، فالمسلمون أمة واحدة ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)).

أيها المسلمون، وطنوا أنفسكم على الرباط في هذه الديار احتساباً لثواب الله وطمعاً في مرضاته، وكونوا أهلاً لشرف حمل الأمانة التي كلفكم الله بها، واستأمنكم عليها، عسى أن يصدق فيكم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أهل الشام وأزواجهم وذرياتهم وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون في سبيل الله، فمن احتل منهم مدينة من المدائن فهو في رباط، ومن احتل منها ثغراً من الثغور فهو في جهاد))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، قيل: أين هم يا رسول الله؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس)).

اللهم نسألك نصرك الذي وعدت، اللهم مُدنا بمددك يا رب العالمين، ورد المسلمين إلى جادة الصواب، اللهم وحد قلوبهم، ووحد رايتهم، ووحد حاكميهم حتى يخوضوا في سبيل دعوتك الجهاد والمعارك التي تعيد للأمة عزتها، وللمسلمين كرامتهم، إنك يا مولانا على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

ويا فوز المستغفرين استغفروا الله، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

الخطبة الثانية :

الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلاّ على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واستن بسنته، وسلِّم تسليماً كثيراً. وبعد:

أيها المسلمون، يا أحباب محمد صلى الله عليه وسلم، من عظيم فضل الله علينا أن جعل آخر شهر في العام شهر عبادة وطاعة، وأول شهر في العام شهر عبادة وطاعة؛ ليفتتح المرء عامه بإقبال ويختتمه بإقبال، قال ابن رجب: (من صام من ذي الحجة وصام من المحرم فقد ختم السنة بالطاعة وافتتحها بالطاعة فيرجى أن تكتب له سنته كلها طاعة؛ فإن من كان أول عمله طاعة وآخره طاعة فهو في حكم من استغرق بالطاعة ما بين العملين). [لطائف:85].

وحين جاء الإسلام، وهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ورأى اليهود يصومون هذا اليوم فرحاً بنجاة موسى عليه السلام قال: ((أنا أحق بموسى منكم)) فصامه وأمر بصيامه [متفق عليه]، وكان ذلك في أول السنة الثانية، فكان صيامه واجباً، فلما فرض رمضان فوض الأمر في صومه إلى التطوع، وإذا علمنا أن صوم رمضان في السنة الثانية للهجرة تبين لنا أن الأمر بصوم عاشوراء وجوباً لم يقع إلا في عام واحد، تقول عائشة رضي الله عنها: (فلما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة صامه _أي عاشوراء_ وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه) [البخاري].

وصوم عاشوراء وإن لم يعد واجباً فهو مما ينبغي الحرص عليه غاية الحرص، وذلك لما يأتي:

1.         صيامه يكفر السنة الماضية، ففي صحيح مسلم أن رجلا سأل رسول الله  عن صيام عاشوراء فقال: ((أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)).

2.         تحري الرسول صلى الله عليه وسلم صيام هذا اليوم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صوم يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء) [البخاري]. وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس ليوم فضل على يوم في الصيام إلا شهر رمضان ويوم عاشوراء)) [رواه الطبراني في الكبير].

3.         وقوع هذا اليوم في شهر الله المحرم الذي يسن صيامه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الصيام بعد صيام رمضان شهر الله المحرم)) [الترمذي].

4.         كان الصحابة رضي الله عنهم يُصوِّمون فيه صبيانهم تعويداً لهم على الفضل. فعن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: ((من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم))، قالت: فكنا نصومه بعد ونُصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار. [البخاري:1960].

والسنة في صيام هذا اليوم أن يصوم يوماً قبله أو بعده، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)) [مسلم].

أيها المؤمنون، إن الله أمر أمراً ابتدأ به بنفسه وثنّاه بملائكة قدسه، فقال جل وعلا _ولم يزل قائلاً عليماً_: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [الأحزاب:56]. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.

عباد الله، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90], فاذكروا الله يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

صرخة الحق وفجيعة الدم { نداء عاجل إلى أهلنا في بيت أمر }

بسم الله الرحمن الرحيم صَرْخَةُ الْحَقِّ وَفَجِيعَةُ الدَّم نِدَاءٌ عَاجِلٌ إِلَى أَهْلِنَا فِي بَلْدَةِ بَيْت أُمَّر كَتَبَهُ الشَّيْ...