الذكرى الثمانون لهدم الخلافة
عنوان الخطبة: الذكرى الثمانون لهدم الخلافة.
الخطيب: زهير بن حسن حميدات.
المسجد: العمري الكبير.
الدولة: فلسطين، الخليل، صوريف.
تاريخ الخطبة: 14/محرم/1425هـ (5/3/2004م).
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على نعمة الإسلام، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمد لله الذي وهب لنا من لدنه رحمة، وجعلنا من حملة رسالته وهديه للعالمين أجمعين، الحمد لله الذي ثبّتنا على طاعته وأعاننا على نبذ عصاته ومعصيته.
والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، حمل الأمانة وبلّغ الرسالة ونصح للأمة، وعلى آله وصحابته الأبرار الأطهار الأخيار، الذين بذلوا المهج والأرواح لإظهار هذا الدين وأهله، وإعزاز هذا الدين وأهله، وماتوا وهم على ذلك، لربهم طائعون، ولدينه ورسالته مبلغون، ولشرعه مطبقون. وبعد:
عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته، وأحذركم وإياي من عصيانه ومخالفة أمره، قال الله تعالى: {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ}.
أيها المسلمون، إن الله قد أكرمكم كأمة واحدة بهذا الدين، الذي آمن به أجدادكم المسلمون، وطبقوه كاملاً في دولة واحدة، عزّت بها الأمة، فكانت كما أخبر الله تعالى: {خير أمة أخرجت للناس}، ولم تكن الأمة الإسلامية لتعيش حياة كما تعيش حياتها اليوم، فعلى الرغم من الضعف الذي عاشت به الأمة في بعض مراحل حياتها، وعلى الرغم من سوء تطبيق الإسلام الذي حصل في فترات من الخلافة الإسلامية، إلا أن الأمة كانت عزيزة، ولم يكن يتجرأ أحد عليها، خاصة وأنها كانت أمة جهاد فتحت البلاد بالإسلام، وحكمتها بمنهج الله تعالى؛ حتى غدا الإسلام موجوداً في شتى أنحاء الأرض.
ولكن الأمة الإسلامية تعيش اليوم حياة غير عادية من السوء، فقد تمزقت إلى دويلات ضعيفة، يتحكم بها أعداء الإسلام من كل جانب، وأصبح المسلمون محط إذلال الكفار، فهم مضطهدون في كل مكان، حتى أصبح ما يُفعل بالمسلمين في الأرض موضوع الدراسات والإحصائيات؛ كم عدد القتلى؟ وكم عدد المشردين؟ وكم عدد المنتهكة أعراضهن؟ وكم.. وكم.. وكم..؟ مسكينة هذه الأمة، فكم عانت وكم تعذبت وكم لاقت، كم من مظلوم فيها لم يجد من يرد إليه مظلمته، وكم من قتيل فيها سُفك دمه المعصوم ولم يجد من يحميه، وكم من مسلمة طاهرة بكت عرضها المنتهك ولم تجد من ينتقم لها. كان سلطان الإسلام ينصف الكفار ويذود عنهم ويحمي شرفهم ويصون أعراضهم، واليوم لا منصف لمظالم المسلمين ولا حامي لأعراضهم.
والله _أيها الإخوة_ لولا أننا مؤمنون بالله، واثقون بنصره، لمات الواحد منا جزعاً على ما يحدث لإخوانه المسلمين في كل مكان، فقد أصبحت حياة المسلم بؤساً وشقاء وهو يرى أمته ضعيفة مهانة منكوبة، تنهش في كل يوم، وقد فقدت سلطانها وهيبتها وعزتها.
نعم يا عباد الله، لم تعد الأمة كما كانت تحت راية الإسلام، عندما كانت تحكمها الخلافة التي وحدت المسلمين، فلم تفرقهم حدود خطها الكافر المستعمر، ولم تشتتهم قوانين الإقامة الظالمة، بل كان المسلم يسير من أقصى الأرض إلى أدناها، لا يسأله أحد من أنت، ولا يصفه أحد بالأجنبي، يتنقل المسلم في بلاد الإسلام: يتاجر.. يعمل.. يتعلم.. يتزوج.. يقيم، لا يحول بينه وبين ذلك أحد.
ولكن _أيها المسلمون_ أين هي الخلافة الآن؟! لقد كانت، ولكنها أُسقطت قبل ثمانين عاما، وتحديدا في الثالث من آذار، عام أربعة وعشرين وتسعمائة وألف للميلاد، والتي مر ذكرى إسقاطها علينا قبل يومين، في مثل الثالث من آذار فجع العالم الإسلامي بإلغاء دولة الخلافة, ومحو سلطانها من الوجود على يد اليهودي مصطفى كمال أتاتورك عليه لعنة الله, مؤسس الدولة التركية العلمانية الحديثة، على أنقاض دولة الخلافة العثمانية الإسلامية، هدمها اليهود الكفرة، فهل من عامل لإعادتها؟
أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، وإن العمل على إقامة حكم الله في الأرض فرض عين على كل مسلم، وذلك ثابت بأدلة الشرع من قرآن وسنّة وإجماع صحابة، وثابت أيضا أنه إن خلا منصب الخليفة لأي سبب وجب على المسلمين العمل على وضع إمام لهم، يحكمهم بالكتاب والسنة، ويحرم عليهم القعود دون ذلك، ومن استمر قعوده وتخاذله دون العمل لتنفيذ حكم الله هذا كان من القاعدين الممتنعين عن القيام بفرض هو أبو الفروض، حكم وجوبه آكد، وإثم التقصير فيه لم يختلف في تحققه عالمان ذوا عقل وفضل.
إن العمل على إعادة دولة الخلافة الإسلامية الراشدة فرض على المسلمين كافة في جميع أقطار العالم. والقيام به كالقيام بأي فرض من الفروض التي فرضها الله على المسلمين، هو أمر محتم لا تخيير فيه ولا هوادة في شأنه، والتقصير في القيام به معصية من أكبر المعاصي، يعذب الله عليها أشد العذاب.
والأدلة على وجوب إقامة خليفة على المسلمين أكثر من أن تحصى، منها قول الله تعالى: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ} [الأنعام:153]، وقوله تعالى: {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام:155]، وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}.
ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)).
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما الإمام جُنة يُقاتَل من ورائه ويُتقى به)). وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)).
وأما إجماع الصحابة فإنهم رضوان الله عليهم أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وأجمعوا على إقامة خليفة لأبي بكر، ثم لعمر، ثم لعثمان، بعد وفاة كل منهم. كلهم أجمعوا طوال أيام حياتهم على وجوب تنصيب خليفة، ومع اختلافهم على الشخص الذي يُنتخب خليفة فإنهم لم يختلفوا مطلقاً على إقامة خليفة، لا عند وفاة رسول الله ، ولا عند وفاة أي خليفة من الخلفاء الراشدين. فكان إجماع الصحابة دليلاً صريحاً وقوياً على وجوب تنصيب خليفة.
أمة الإسلام، يا أمة محمد ، ولقد بشرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعودة الخلافة الراشدة، فقال: ((تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت)).
وقَال عليه الصلاة والسلام: ((لَيُفْتَحَنَّ لَكُمُ الشَّامُ وَالرُّومُ وَفَارِسُ، أَوِ الرُّومُ وَفَارِسُ، حَتَّى يَكُونَ لأَحَدِكُمْ مِنَ الإِبِلِ كَذَا وَكَذَا، وَمِنَ الْبَقَرِ كَذَا وَكَذَا، وَمِنَ الْغَنَمِ، حَتَّى يُعْطَى أَحَدُهُمْ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَسْخَطَهَا، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي أَوْ هَامَتِي، فَقَالَ: يَا ابْنَ حَوَالَةَ، إِذَا رَأَيْتَ الْخِلافَةَ قَدْ نَزَلَتِ الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ فَقَدْ دَنَتِ الزَّلازِلُ وَالْبَلايَا وَالأُمُورُ الْعِظَامُ، وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ إِلَى النَّاسِ مِنْ يَدَيَّ هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ)).
أيها المسلمون، يا أحباب محمد صلى الله عليه وسلم، إن الإسلام هو ما صنعكم، وجعلكم في سابق عهدكم أهل عزّ وكرامة، عقيدته هي التي هذبتكم، وجعلتكم تختلفون عن باقي الخلق والمخلوقات.
والدولة التي كان المسلمون يستظلون بظلها، هي التي كانت تحفظ بيضتهم، وتذود عنهم، وبها ومعها صنعوا عزّتهم ومكانتهم بين الأمم، وكانت لهم كرامة.
فوالله إنه لا عزّة ولا كرامة للمسلمين بين الأمم إن لم يعودوا إلى ربهم وعقيدتهم، ويعيدوا بناء دولة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، تلك العقيدة وتلك الدولة التي صنعت للمسلمين الأوائل تاريخا غير تاريخهم، وغيرت حالهم، فمن عبودية ومهانة وإذلال وانقياد وانصياع للكفر وأهله، إلى سيادة وريادة وبأس وقوة.
فتغير حال بلال وعمّار وصهيب، فأصبحوا سادة العالم وقادته، يحملون عقيدة الإسلام التي جلت قلوبهم، وأنارت صدورهم وقلوبهم ، يذودون عن حمى الله، وعن أمتهم، وينشرون رسالة الخير والهدى إلى العالم أجمع، ليخرجوا العباد من جهلهم وطغيانهم إلى عبادة ربّ واحد لا إله إلا هو.
أولئك الذين سبقونا، أرادوا لأنفسهم ولدينهم ولأمتهم العزة والكرامة، وحقّ لهم أن يسعوا لها، ويوصلوها إلى ذرى المجد فيها، لأنهم عملوا لذلك حق العمل، وأعدوا له ما يلزم من عتاد، وملكوا من القوة ما جعلهم أقوياء يرهبون عدو الله وعدوهم؛ لأنهم فهموا وعملوا بقول ربّ العزة جل في علاه: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم….﴾ فكان لهم ما أراد لهم ربهم من خيرية بين الأمم، إلى أن هُدمت دولة الخلافة، ففقدت أمة محمد صلوات ربي وسلامه عليه، فقدت الراعي والحامي، فهانت بعد عزّ، وذلّت بعد كرامة، ولماذا لا يكون ذلك طالما ابتغى المسلمون العزة بغير الله، وبغير دين الله؟!
كيف لا يكون هذا الهوان والله عزّ وجلّ يقول: ﴿من كان يريد العزّة فلله العزّة جميعا﴾ وكيف لا يكون هذا الهوان ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: ((الإمام جُنّة، يُقاتل من ورائه ويُتّقى به)). وكيف لا يكون هذا الهوان وعمر رضي الله عنه يقول: (كنّا أذلة فأعزّنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزّة بغيره أذلنا الله).
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، أما آن للمسلمين بعد طول غياب عن تحكيم كتاب الله في شؤون حياتهم من خلال دولة الإسلام التي يرعاها خليفة المسلمين وسلطانهم، أما آن لهم أن يعودوا إلى معين عزتهم ومصدر قوتهم ووحدتهم بعد أن رأوا بأم أعينهم ما جرّت عليهم معصيتهم من ويلات؛ ببعدهم عن دينهم وتخليهم عن دستورهم الخالد وهداياته الباهرة، وصدق الله العظيم: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ، قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً، قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ ايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ}.
والمتبصر بأحوال المسلمين على امتداد التاريخ الإسلامي، يجد هذه الحقيقة القرآنية ماثلة للعيان، حين ابتعدت الأمة عن ذكر الله وهدايات كتابه العزيز أصابها الضعف، واعتراها الهوان، وطمعت بها أمم الأرض للسيطرة عليها، واحتلال أرضها، ونهب خيراتها، وطمس حضارتها بإلقائها في النهر كما فعل المغول، أو نهبها ومحاربة عقول علمائها كما فعل الاحتلال الإنجليزي الأمريكي في العراق، تحت ستار تحريره، بل تجريده من كل شيء.
فاعتبروا يا أولي الأبصار، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية :
الحمد لله الهادي إلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن اقتدى واهتدى بهداه إلى يوم الدين. وبعد:
أيها المسلمون، أما آن لكم أن تخشع قلوبكم لهذا الذكر الحكيم، والهدي المبين، والحق اليقين، الذي عمل به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلفكم الصالح، فدانت لهم الدنيا، ونشروا رايات الحق خفاقة في ربوع العالم، يهدون إلى الخير، وبه يعملون، وينبذون الشر، وعنه يعدلون، أيام كان المسلمون بحالة مرهوبة، والعود صلب المكسر، أيام كان الدين ملأ نفوسهم، وأتوا على كسرى العظيم وقيصر، فهلا نهج المسلمون اليوم نهج الألى، سبقوا والتفوا حول قرآنهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، القائل: ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي)).
إذاً لا مخرج للأمة مما تعانيه إلا بالرجوع إلى دينها، والحكم بما أنزل الله، فهذا هو السبيل الوحيد لنهضة الأمة، والذود عن كرامتها، وحماية أوطانها. وكما حررت الأمة بلادها من اجتياح المغول في عين جالوت، وكما ردّت الحملات الصليبية في حطين يوم كان الشعار: واإسلاماه، وكان الحاكم لا يبتسم وبيت المقدس أسير الاحتلال.
أفلم يأْنِ لكم _أيها المسلمون_ بعد هذا وذاك، أن تتدبروا أمركم، فتعلموا أنَّ مخرجكم من هذه الظلمات المتراكمة بعضها فوق بعض هو إعادة الخلافة؟
ألا تُصَدِّقون الله سبحانه وتعالى الذي بيّن لكم كيف تعزون وتُنصرون؟! ]فإن العزة لله جميعاً[، ]إن تنصروا الله ينصركم[. فانصروا الله، وطبقوا شرعه، بإقامة الخلافة الراشدة، تنتصروا وتعزوا.
الخلافة هي المنقذ لكم من ذُلِّكم وشقائكم، وهي الكافية الوافية لإعادة عزكم، هي النظام الذي أوجبه الله رب العالمين، وجعل النصر معقوداً بنواصيه.
بالخلافة تعيدون سيرة المعتصم، فتستجيبون لاستغاثة الأطفال الذين أذلهم الكفار في عدوانهم على ديار المسلمين، فأرغموهم على رفع أيديهم في منظر يقطع القلوب، فاختلطت براءة الطفولة على وجوههم بالرعب الذي وقع في قلوبهم.
بالخلافة تَنْفِرون لقتال عدوّكم، خليفتُكم أمامَكم في القتال، لا أمامكم في الفرار، تتقون به وتقاتلون من ورائه، فيقودكم من نصر إلى نصر، لا من هزيمة إلى هزيمة.
الخلافة _أيها المسلمون_ أقيموها تعزّوا، أعيدوها تفلحوا، وإلا سقطتم في ظلماتٍ بعضها فوق بعض، تندمون ولات ساعة مندم، ويأتي الله بقوم خير منكم، يتحقق فيهم وعد الله سبحانه: ]وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض[، وتتحقق على أيديهم بشرى رسول الله r: ((ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة)).
فتدبروا أمركم أيها المسلمون، وانصروا ربكم بإقامة الخلافة الراشدة يَنْصُرْكم، ويَشْفِ صدوركم بهزيمة عدوكم ]ويومئذٍ يفرح المؤمنون، بنصر الله[.
فوالله الذي لا إله إلا هو ،إنّ أوجب الواجبات عليكم الآن هو الدعوة والعمل إلى إقامة شرع الله في الأرض، وهذا لا يكون إلا بإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.
ووالله الذي لا إله إلا هو، لا عزة ولا كرامة لكم بدون دولة الإسلام الغائبة المغيّبة، دولة الخلافة الراشدة، تستظلون بها، وتحتمون بإمامها، يدفع عنا وعن الدين، يحمي بيضتنا ويقوي شوكتنا، والمسلمون كلهم تحت إمرته وطاعته لنشر هذا الدين، لتنعم البشرية بدين الله تبارك وتعالى، وتخرج من نير العبودية والبهيمية وظلمات الأحكام الجائرة والقوانين الوضعية والمبادئ الضالة المضلة إلى نور الإسلام العظيم. يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾.
اللهم أقم دولة الإسلام، اللهم...
أيها المؤمنون، إن الله أمر أمراً، ابتدأ به بنفسه، وثنّاه بملائكة قدسه، فقال جل وعلا _ولم يزل قائلاً عليماً_: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً}، لبيك، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
عباد الله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}, فاذكروا الله يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.