سَبُّ الرَّبِّ والدِّينِ كُفْرٌ أَكْبَر
عنوان الخطبة: سب
الرب والدين كفر أكبر.
الخطيب: الشيخ
زهير بن حسن حميدات.
المسجد: بلال
بن رباح.
الدولة والبلد: فلسطين، الخليل، صوريف.
تاريخ الخطبة: 20/رجب/1428هـ
(3/8/2007م).
الْخُطْبَةُ الْأُولَى:
خُطُورَةُ الْمَسَبَّةِ وَدَلَائِلُ كُفْرِ السَّابِّ:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ
وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ
سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ
يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ
لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَبَعْدُ:
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،
لَقَدِ انْتَشَرَتْ فِي
مُجْتَمَعِنَا الْمُعَاصِرِ ظَاهِرَةٌ شَنِيعَةٌ،
وَعَادَةٌ قَبِيحَةٌ، تَشْمَئِزُّ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَتَقْشَعِرُّ مِنْهَا
الْأَبْدَانُ وَتَتَزَلْزَلُ لَهَا الْأَرْضُ وَتَتَفَطَّرُ مِنْهَا
السَّمَاوَاتُ؛ أَلَا وَهِيَ جَرِيمَةُ "مَسَبَّةِ اللَّهِ
تَعَالَى" وَ "مَسَبَّةِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ". وَلَا رَيْبَ أَنَّ سَبَّ اللَّهِ وَسَبَّ دِينَهُ يُعَدُّ أَقْبَحَ وَأَشْنَعَ أَنْوَاعِ الْمُكَفِّرَاتِ
الْقَوْلِيَّةِ، فَإِنَّ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ سَبَّ دِينَ اللَّهِ؛ هُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ عَنْ دِينِهِ، خَارِجٌ مِنْ مِلَّةِ
الْإِسْلَامِ، حَلَالُ الدَّمِ.
أَيُّهَا النَّاسُ،
إِنَّ سَبَّ الرَّبِّ وَالدِّينِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْبَلَايَا
الَّتِي أَطَلَّتْ بِرَأْسِهَا فِي بُلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَصَارَتْ فِي
كَثِيرٍ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ إِحْدَى الْمَظَاهِرِ الْمَعْرُوفَةِ
الْمَأْلُوفَةِ بَيْنَ النَّاسِ، يَنْشَأُ عَلَيْهَا الصَّغِيرُ وَيَهْرَمُ
الْكَبِيرُ، بَلْ وَيَتَفَنَّنُ السَّابُّونَ فِي اخْتِرَاعِ أَلْوَانٍ مِنْ
ذَلِكَ، مِمَّا لَا تَخْطُرُ عَلَى بَالِ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ.
فَتَجِدُ الْمَرْءَ مِنْهُمْ لِأَدْنَى شَيْءٍ مِمَّا قَدْ
يُعَكِّرُ عَلَيْهِ صَفْوَهُ وَيُثِيرُ حَفِيظَتَهُ وَيُهَيِّجُ غَضَبَهُ يَهْدُرُ
بِأَنْوَاعٍ مِنَ السَّبِّ الْقَبِيحِ، الَّذِي لَا يَرْضَاهُ الْإِنْسَانُ
لِلْبَهَائِمِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ؛
الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، الْفَرْدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ،
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ
الظَّالِمُونَ وَالْكَافِرُونَ الْمُرْتَدُّونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَهَذَا -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- إِنْ دَلَّ عَلَى شَيْءٍ؛
فَإِنَّمَا يُعَرِّفُكَ بِالدَّرَكَاتِ الَّتِي وَصَلَ إِلَيْهَا حَالُ
الْمُسْلِمِينَ مِنَ الضَّعْفِ وَالْهَوَانِ، حَتَّى أَصْبَحَ بَيْنَهُمْ مِنْ
أَبْنَائِهِمْ وَعَشِيرَتِهِمْ مَنْ يَتَجَرَّأُ بِالْمُجَاهَرَةِ بِسَبِّ
الرَّبِّ وَالدِّينِ، وَالتَّبَجُّحِ بِذَلِكَ، وَالتَّفَنُّنِ فِيهِ،
وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَجْدِيدِ أَشْكَالِهِ كُلَّ يَوْمٍ. وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ
لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُوقِفَهُ عِنْدَ حَدِّهِ وَيَمْنَعَهُ مِنْ كُفْرِهِ.
وَلِشِدَّةِ تَفْرِيطِ الْقَوْمِ فِي هَذَا الْجَانِبِ الْخَطِيرِ،
فَإِنَّ الشَّاتِمَ يَجِدُ كُلَّ الْجُرْأَةِ فِي أَنْ يَشْتُمَ الْخَالِقَ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَتَى شَاءَ، وَبِعِبَارَاتٍ تَقْشَعِرُّ مِنْهَا
الْجُلُودُ وَالْأَبْدَانُ وَتَهُدُّ لَهَا الْجِبَالُ هَدًّا، مِنْ دُونِ أَنْ
يَتَرَدَّدَ لَحْظَةً وَاحِدَةً، بَيْنَمَا تَرَاهُ يَجْبُنُ وَيَحْسُبُ أَلْفَ
حِسَابٍ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُوَجِّهَ مَسَبَّةً وَاحِدَةً لِأُنَاسٍ هُمْ
أَمْثَالُهُ وَعَلَى شَاكِلَتِهِ!!
أَيُّهَا النَّاسُ،
إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ
نَهَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ سَبِّ الْكَافِرِينَ -مَعَ كُفْرِهِمْ
وَجُرْأَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ- لِسَدِّ بَابِ مَفْسَدَةٍ عُظْمَى؛
وَهِيَ تَجَرُّؤُهُمْ عَلَى سَبِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَسُبُّوا
الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ
عِلْمٍ﴾ [الْأَنْعَام: 108].
وَلَعَمْرِ الْحَقِّ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِ أُولَئِكَ الْكَفَرَةِ
الْغِلَاظِ الْعُتَاةِ؛ أَنْ تَصِلَ جُرْأَتُهُمْ إِلَى هَذَا الْحَدِّ الْفَظِيعِ
مِنَ السَّبِّ الْقَبِيحِ، فَهُمْ مَعَ ذَلِكَ الْكُفْرِ وَالْمُحَادَّةِ لِلَّهِ
وَرَسُولِهِ وَالْمُشَاقَّةِ لِلْحَقِّ وَالْهُدَى؛ إِلَّا أَنَّ فِي قُلُوبِهِمْ
شَيْئًا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَتَوْقِيرِهِ، وَلِهَذَا كَانُوا عِنْدَمَا
تَدْلَهِمُّ الْخُطُوبُ وَتَخْتَلِطُ عَلَيْهِمُ الْأُمُورُ وَتَشْتَدُّ
الْأَزَمَاتُ -فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ- يلجؤون إِلَى اللَّهِ، فَيَدْعُونَهُ
تَضَرُّعًا وَخِيفَةً، كَمَا حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ ذَلِكَ فِي
آيَاتٍ عِدَّةٍ مِنْ كِتَابِهِ.
أَمَّا هَؤُلَاءِ الْمُجْرِمُونَ؛ فَلَا يَزْدَادُونَ إِلَّا
كُفْرًا وَجُرْأَةً وَتَنَكُّرًا لِلْحَقِّ وَنُكْرَانًا لِنِعَمِ اللَّهِ،
وَمُقَابَلَتَهَا بِالسَّبِّ وَالشَّتْمِ، كَمَا نَرَى وَنَسْمَعُ عِنْدَ
التَّنَازُعِ وَالتَّخَاصُمِ وَالْمُشَادَّاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بَيْنَهُمْ،
فَأَيْنَ أُولَئِكَ الْكَفَرَةُ -مَعَ عِظَمِ كُفْرِهِمْ وَقُبْحِ ضَلَالِهِمْ-
مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَارِقِينَ الْمُرْتَدِّينَ.
وَلَعَلَّ أَغْرَبَ مَا فِي الْأَمْرِ أَنَّ هَذَا الَّذِي
تُطَاوِعُهُ نَفْسُهُ عَلَى شَتْمِ اللَّهِ وَالدِّينِ -وَلِأَتْفَهِ
الْأَسْبَابِ- قَدْ تَجِدُهُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَرُبَّمَا حَجَّ الْبَيْتَ
الْحَرَامَ، زَاعِمًا أَنَّهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ، حَيْثُ لَا
يَرَى تَعَارُضًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ شَتَّامًا لِلَّهِ وَالدِّينِ، وَبَيْنَ
أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُصَلِّينَ، فَهَذَا شَيْءٌ وَهَذَا شَيْءٌ، وَكَأَنَّ
أَحَدَهُمَا لَا يُنَافِي الْآخَرَ!!
أَيُّهَا النَّاسُ،
إِنَّ مَنْ سَبَّ
اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ سَبَّ دِينَهُ أَوْ اسْتَهْزَأَ بِآيَةٍ مِنْ
آيَاتِهِ؛ إِنَّهُ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ، لَهُ جَمِيعُ
أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ،
لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا
مُّهِينًا﴾ [الْأَحْزَاب: 57]. وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا
أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا
أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التَّوْبَة: 12]. وفي
قولِهِ سُبحانَه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ
وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ،
لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ
مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التَّوْبَة: 65-66].
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ
الْآيَةِ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ
تَبُوكَ: "مَا رَأَيْتُ مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ أَرْغَبَ بُطُونًا
وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُنًا وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ"! فَقَالَ
رَجُلٌ: "كَذَبْتَ! وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
عُمَرَ: أَنَا رَأَيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحِقْبِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنْكُبُهُ الْحِجَارَةُ، وَهُوَ يَقُولُ؛ يَا رَسُولَ
اللَّهِ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا
تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾) [ج2/ص351، ابْنُ كَثِيرٍ].
وَأَيْنَ مَقُولَةُ هَؤُلَاءِ الرَّكْبِ مِنْ شَنَاعَةِ
وَوَقَاحَةِ سَبِّ هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ؟! فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
رَغْمَ مَا ادَّعَاهُ أُولَئِكَ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخُوضُونَ وَيَلْعَبُونَ؛
حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ، وَرَدَّ عَلَيْهِمُ اعْتِذَارَهُمْ فَلَمْ
يَنْفَعْهُمْ شَيْئًا. وَالْعُلَمَاءُ إِنَّمَا اخْتَلَفُوا؛ هَلْ تُقْبَلُ
تَوْبَتُهُ؟ أَمْ يَتَعَيَّنُ قَتْلُهُ، تَابَ أَمْ لَمْ يَتُبْ؟
أَمَّا مَنْ كَانَ حَاضِرًا لِمَجَالِسِ السَّبِّ:
·
فَإِنْ كَانَ رَاضِيًا بِمَا يَسْمَعُ،
مُوَافِقًا لَهُمْ، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ السَّابِّ، سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ،
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ
آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ
حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النِّسَاء: 140].
·
وَإِنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ سَبَّهُمْ وَرَدَّ
عَلَيْهِمْ مَقُولَتَهُمْ وَفَارَقَ مَجْلِسَهُمْ فَهَذَا مَأْجُورٌ إِنْ شَاءَ
اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ اسْتَجَابَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ
لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ
أَضْعَفُ الْإِيمَانِ)) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَالطَّامَّةُ الْكُبْرَى -أَيُّهَا النَّاسُ- أَنَّ بَعْضَ
الْبِلَادِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا السَّبُّ، صَارَتْ فِيهَا مُخَالَطَةُ
السَّابِّينَ وَمُسَاكَنَتُهُمْ وَالتَّعَامُلُ مَعَهُمْ بَلَاءً عَامًّا، فَقَدْ
يَسْمَعُهُ الْمَرْءُ فِي بَيْتِهِ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَإِخْوَانِهِ،
وَيَسْمَعُهُ مِنْ سَائِقِ الْأُجْرَةِ، وَفِي الْمَتَاجِرِ وَالشَّوَارِعِ
وَالْمُؤَسَّسَاتِ.
فَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُنْكِرَ حَسَبَ اسْتِطَاعَتِهِ
وَقُدْرَتِهِ، وَأَنْ يَتَجَنَّبَ الِاسْتِئْنَاسَ بِمُخَالَطَتِهِمْ؛ فَإِنَّ
ذَلِكَ يُورِثُ اعْتِيَادَ الْقَلْبِ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتِهَانَتَهُ بِهِ يَوْمًا
بَعْدَ يَوْمٍ، وَعَدَمَ اسْتِشْعَارِ خُطُورَتِهِ وَفَظَاعَتِهِ.
أَمَّا الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ فَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ
آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ،
فَقَالَ: (أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟)، قَالَ: ((نَعَمْ)) [مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ].
وَأُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِرَجُلٍ
سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَتَلَهُ. ثُمَّ قَالَ
عُمَرُ: "مَنْ سَبَّ اللَّهَ أَوْ سَبَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ
فَاقْتُلُوهُ".
أَمَّا مَا وَرَدَ عَنْ
عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَمِنْهُ مَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ
تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (إِنَّ سَبَّ اللَّهِ أَوْ سَبَّ رَسُولِهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفْرٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا)،
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فَإِنْ كَانَ -أَيِ السَّابُّ- مُسْلِمًا وَجَبَ
قَتْلُهُ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ بِذَلِكَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ، وَأَسْوَأُ مِنَ
الْكَافِرِ).
وَقَالَ الْقَاضِي
عِيَاضٌ: (لَا خِلَافَ أَنَّ سَابَّ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ).
وَقَالَ الْإِمَامُ
أَحْمَدُ: (هَذَا مُرْتَدٌّ عَنِ الْإِسْلَامِ تُضْرَبُ عُنُقُهُ).
وَقَالَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ: (قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ
مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَوْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَافِرٌ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِمَا
أَنْزَلَ اللَّهُ).
عِبَادَ اللَّهِ،
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ
الْجَلِيلَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ،
فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَة:
تَبِعَاتُ الرِّدَّةِ وَالْجَزَاءُ الْأُخْرَوِيُّ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ
الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَأَشْهَدُ
أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ
وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.
أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،
بَعْدَ أَنْ بَيَّنَّا بِالْأَدِلَّةِ مِنَ الْكِتَابِ
وَالسُّنَّةِ، وَأَقْوَالِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ شَاتِمَ اللَّهِ
وَالدِّينِ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ، لَا بُدَّ لِلْقَارِئِ مِنْ أَنْ يُدْرِكَ
خُطُورَةَ هَذَا الْحُكْمِ، وَتَبِعَاتِهِ عَلَى صَاحِبِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،
لِيَحْذَرَ وَيُحَذِّرَهُ الْآخَرِينَ. وَمِنْ تَبِعَاتِهِ مَا يَلِي:
أَولاً: الْقَتْلِ: سَابُّ الرَّبِّ وَالدِّينِ مُرْتَدٌّ عَنِ
الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ، حُكْمُهُ الْقَتْلُ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)) [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. سَوَاءٌ كَانَ
الْمُرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، وَمَنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ مِنْ
جِهَةِ الشَّتْمِ وَالسَّبِّ فَفِي اسْتِتَابَتِهِ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ.
ثانياً: فَسْخُ النِّكَاحِ: يَحْرُمُ نِكَاحُهُ مِنْ مُسْلِمَةٍ،
فَلَا يُعْقَدُ لَهُ قِرَانٌ، فَإِنْ كَانَ مُتَزَوِّجًا يُفْسَخُ الْعَقْدُ
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَوَّجَ مِنْ
مُسْلِمَةٍ، وَلَا تَبْقَى لَهُ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ
وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الْمُمْتَحَنَة: 10]. كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَرَّ عَلَى
الزَّوَاجِ مِنْ مُشْرِكَةٍ لِأَنَّ دَمَهُ هَدَرٌ.
ثالثاً: زَوَالُ الْوِلَايَةِ: يَفْقِدُ وِلَايَتَهُ عَلَى
أَوْلَادِهِ وَبَنَاتِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى تَزْوِيجَ بَنَاتِهِ
وَأَبْنَائِهِ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، قَالَ
اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
سَبِيلًا﴾ [النِّسَاء: 141].
رابعاً: لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ: لِأَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَ
أَهْلِ الْإِيمَانِ وَأَهْلِ الْكُفْرِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: ((لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ
الْمُسْلِمَ)) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَفِي انْتِقَالِ مِيرَاثِهِ لِأَبْنَائِهِ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ.
خامساً: حُرْمَةُ الذَّبِيحَةِ: لَا تُؤْكَلُ
ذَبِيحَتُهُ؛ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الذَّبْحِ أَنْ يَكُونَ الذَّابِحُ
مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا.
سادساً: أَحْكَامُ الْمَيِّتِ: إِذَا مَاتَ لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُكَفَّنُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ،
وَلَا يُدْعَى لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَلَا يُقْبَرُ فِي مَقَابِرِ
الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يُوَارَى كَمَا تُوَارَى الْجِيَفُ وَالْكِلَابُ.
وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ
تَفْرِيطُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، حَيْثُ أَنَّهُمْ
-وَلِلْأَسَفِ- لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْمُرْتَدِّ وَغَيْرِهِ، وَلَا يُوجَدُ
عِنْدَهُمْ مَيِّتٌ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، بَلْ لِمُجَرَّدِ أَنَّ
الْمَيِّتَ يَنْتَسِبُ لِأَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، أَوْ اسْمُهُ اسْمًا
إِسْلَامِيًّا، فَهَذَا كَافٍ لِأَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ، وَأَنْ يُجْرُوا
عَلَيْهِ مَرَاسِمَ الدَّفْنِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَيَاتِهِ
عَدُوًّا لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، شَتَّامًا لِلرَّبِّ وَالدِّينِ، لَا
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ!!
هَذَا جَزَاؤُهُ فِي
الدُّنْيَا أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَمَصِيرُهُ إِلَى الْعَذَابِ الشَّدِيدِ، إِلَى
جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، خَالِدًا فِيهَا أَبَدًا،
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ
فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الْبَقَرَة: 217].
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا،
وَلَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، إِنَّكَ رَحِيمٌ، سَمِيعٌ
قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
عِبَادَ اللَّهِ،
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي
الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النَّحْل: 90]، فَاذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ
عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا
تَصْنَعُونَ.