2025-05-28

التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ وَالتَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ

التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ وَالتَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ

كتبه: الشيخ زهير بن حسن حميدات

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الأَمِينِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

إِنَّ التَّكْبِيرَ فِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ وَأَيَّامِ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ لَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الشَّعَائِرِ الَّتِي يَنْبَغِي إِظْهَارُهَا، إِحْيَاءً لِسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَأْكِيدًا لِفَضْلِ هَذِهِ الْأَيَّامِ. وَقَدِ اِتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي عِيدِ الْأَضْحَى يَنْقَسِمُ إِلَى نَوْعَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي وَقْتِ الْبِدَايَةِ وَالِانْتِهَاءِ وَفِي حَالِ التَّقْيِيدِ: التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ، وَ التَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ.

·       المَبْحَثُ الْأَوَّلُ: التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ (الْإِطْلَاقُ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ):

التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ هُوَ الَّذِي لَا يَتَقَيَّدُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، فَلَا يَخْتَصُّ بِأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ وَلَا بِمَكَانٍ مُحَدَّدٍ. وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ دَائِمًا فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ، قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ.

أَحْكَامُ التَّكْبِيرِ المُطْلَقِ:

1.   بِدَايَتُهُ: يَبْتَدِئُ التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ مِنْ دُخُولِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، أَيْ مِنْ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ.

2.   نِهَايَتُهُ: يَمْتَدُّ التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ إِلَى آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَذَلِكَ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ.

3.   مَحَلُّهُ: يُشْرَعُ الْإِكْثَارُ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ مُدَّةِ الْعَشْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَبِّرَ الْمُسْلِمُ فِي الطُّرُقَاتِ، وَالْأَسْوَاقِ، وَفِي مِنًى، وَعِنْدَ مُلَاقَاةِ النَّاسِ، لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ شَعِيرَةَ الْإِسْلَامِ.

4.   دَلِيلُهُ: اِسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ بِفَضْلِ الْعَشْرِ، حَيْثُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا مِنَ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ)). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، فَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا.

·       المَبْحَثُ الثَّانِي: التَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ (التَّقْيِيدُ بِأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ):

التَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ هُوَ الَّذِي يَتَقَيَّدُ بِأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ، خَاصَّةً إِذَا أُدِّيَتْ فِي جَمَاعَةٍ، كَمَا يَشْتَرِطُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.

أَحْكَامُ التَّكْبِيرِ المُقَيَّدِ:

1.   بِدَايَتُهُ (لِغَيْرِ الْحَاجِّ): الْقَوْلُ الرَّاجِحُ الَّذِي عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ، كَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ يَبْدَأُ مِنْ فِجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ (صَلَاةِ الْغَدَاةِ).

2.   بِدَايَتُهُ (لِلْحَاجِّ): التَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ فِي حَقِّ الْحَاجِّ يَبْدَأُ مُتَأَخِّرًا، وَذَلِكَ عَقِبَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ (الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ).

3.   نِهَايَتُهُ: يَنْتَهِي التَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ عَقِبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ). وَبِذَلِكَ يُكَبَّرُ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً مَفْرُوضَةً.

4.   كَيْفِيَّتُهُ: يُبْدَأُ بِهِ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ الْفَرِيضَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ ثَلَاثًا وَقَوْلِ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ"، ثُمَّ يَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ.

·       المَبْحَثُ الثَّالِثُ: صِيَغُ التَّكْبِيرِ وَالْمَأْثُورُ مِنْهَا:

لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصٌّ مُبَاشِرٌ يُحَدِّدُ صِيغَةً مُعَيَّنَةً لِلتَّكْبِيرِ، وَلِذَلِكَ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِفَتِهِ، وَالْأَمْرُ فِيهِ وَاسِعٌ. وَأَصَحُّ مَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هِيَ ثَلَاثُ صِيَغٍ رَئِيسِيَّةٍ:

1.   صِيغَةُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: وَهِيَ الصِّيغَةُ المَشْهُورَةُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الحَمْدُ".

2.   صِيغَةُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: وَهِيَ مَا صَحَّ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا".

3.   صِيغَةُ التَّكْبِيرِ ثَلَاثًا فِي الْبِدَايَةِ وَالْخِتَامِ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الحَمْدُ".

وَيُؤَكِّدُ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَيِّ صِيغَةٍ مِنَ الصِّيَغِ الثَّلَاثِ المَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَاسِعٌ لِعَدَمِ وُجُودِ نَصٍّ صَرِيحٍ.

تَنْبِيهَاتٌ لَازِمَةٌ:

·         الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشْرُوعَةٌ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، وَلَكِنَّ تَقْيِيدَهَا بِصِيغَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَقِبَ التَّكْبِيرِ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِالذَّاتِ لَمْ يَرِدْ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ صَحَابَتِهِ الْكِرَامِ.

·         ذِكْرُ: "صَدَقَ وَعْدَهُ... إِلَخْ": كَذَلِكَ مَا يُقَالُ بِمُنَاسَبَةِ الْعِيدِ مِثْلُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ..." لَمْ يَرِدْ مُقَيَّدًا بِيَوْمِ الْعِيدِ، وَإِنَّمَا التَّكْبِيرُ المَأْثُورُ هُوَ مَا كَانَ بِالصِّيَغِ السَّابِقَةِ الذِّكْرِ.

·         حُكْمُ التَّكْبِيرِ الْجَمَاعِيِّ: التَّكْبِيرُ مَشْرُوعٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ بِشَكْلٍ جَمَاعِيٍّ فِي الْمَسَاجِدِ وَبَعْدَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إِظْهَارِ الشَّعِيرَةِ وَتَرْغِيبِ النَّاسِ فِيهَا، وَلِأَنَّ عَمَلَ الصَّحَابَةِ كَعُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ فِي السُّوقِ كَانَ سَبَبًا لِتَكْبِيرِ النَّاسِ تَبَعًا لَهُمْ.

خَاتِمَةٌ وَدَعْوَةٌ لِلِاغْتِنَامِ:

وَخُلَاصَةُ الْأَمْرِ أَنَّ التَّكْبِيرَ مَشْرُوعٌ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَمَشْرُوعٌ مُقَيَّدًا عَقِبَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ مِنْ فِجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ حَتَّى عَصْرِ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى هَذَا التَّكْبِيرِ، وَأَنْ يَمْلَأَ بِهِ جَنَبَاتِ المَسَاجِدِ وَالطُّرُقَاتِ، فَالْمَغْبُونُ حَقًّا هُوَ مَنْ اِنْصَرَفَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الفَاضِلَةِ، وَيا لِخَسَارَةِ مَنْ فَاتَتْهُ هَذِهِ الْفُرَصُ وَفَرَّطَ فِي هَذَا الْفَضْلِ.

وَاللَّهُ أَعْلَمُ

لَا تَنْسَوْنَا مِنْ صَالِحِ دُعَائِكُمْ

صرخة الحق وفجيعة الدم { نداء عاجل إلى أهلنا في بيت أمر }

بسم الله الرحمن الرحيم صَرْخَةُ الْحَقِّ وَفَجِيعَةُ الدَّم نِدَاءٌ عَاجِلٌ إِلَى أَهْلِنَا فِي بَلْدَةِ بَيْت أُمَّر كَتَبَهُ الشَّيْ...