فِتْنَةُ الْمَحْيَا وَالْمَمَات
خطبة الجمعة
للشيخ : زهير بن حسن حميدات
الخُطْبَةُ الأُولَى: فِتْنَةُ
الْمَحْيَا:
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ
وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْغَفُورُ. الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ مَمَرٍّ
وَاخْتِبَارٍ، وَالْآخِرَةَ دَارَ مُسْتَقَرٍّ وَقَرَارٍ، وَحَذَّرَنَا مِنْ
فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
أَحْمَدُهُ -سُبْحَانَهُ- حَمْدَ مَنْ لَاذَ
بِحِمَاهُ فَنَجَا، وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ فَظَفِرَ بِمَا رَجَا، وَخَافَ مَقَامَهُ
فَأَمِنَ يَوْمَ الْفَزَعِ وَالْوَلَجَا.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَعْتَصِمُ بِهَا مِنْ مَضَلَّاتِ
الْفِتَنِ، وَنَسْتَدْفِعُ بِهَا شُرُورَ الْمِحَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنَ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْمُتَّقِينَ، وَقُدْوَةُ
الثَّابِتِينَ، الَّذِي كَانَ يُكْثِرُ فِي دُعَائِهِ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي
أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ»، يُعَلِّمُ أُمَّتَهُ
أَنَّ الْخَطَرَ مُحِيطٌ بِالْعَبْدِ مِنْ مَهْدِهِ إِلَى لَحْدِهِ. صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ ثَبَتُوا حِينَ زَلَّتِ
الْأَقْدَامُ، وَاسْتَقَامُوا حِينَ تَاهَتِ الْأَفْهَامُ، وَعَلَى مَنْ
تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ عَلَى الدَّوَامِ.
أَمَّا بَعْدُ،
فَيَا عِبَادَ اللهِ..
اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاعْلَمُوا
أَنَّكُمْ فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الدَّوَاعِي، وَقَلَّ فِيهِ الدَّاعِي،
وَاشْتَبَهَتْ فِيهِ الْأُمُورُ، وَتَزَخْرَفَتْ فِيهِ الْقُشُورُ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ..
إِنَّ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ
الدُّنْيَا لَيْسَتْ نُزْهَةً عَابِرَةً، وَلَا رِحْلَةً تَرْفِيهِيَّةً، بَلْ
هِيَ "مَيْدَانُ اخْتِبَارٍ" شَاقٍّ، وَقَاعَةُ امْتِحَانٍ كَبِيرَةٍ،
لَا يَخْرُجُ مِنْهَا الْعَبْدُ إِلَّا بِإِحْدَى النَّتِيجَتَيْنِ: إِمَّا فَوْزٌ
مُبِينٌ، وَإِمَّا خُسْرَانٌ مُهِينٌ.
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ
النَّبِيُّ ﷺ: "فِتْنَةَ الْمَحْيَا".
فَمَا هِيَ فِتْنَةُ الْمَحْيَا يَا عِبَادَ
اللهِ؟
إِنَّهَا كُلُّ مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ فِي
حَيَاتِهِ الدُّنْيَا؛ فَيَصُدُّهُ عَنْ طَرِيقِ اللهِ، أَوْ يَفْتِنُهُ عَنْ
دِينِهِ، أَوْ يُشْغِلُهُ عَنْ آخِرَتِهِ. إِنَّهَا الشَّهَوَاتُ الَّتِي تَجْذِبُ
النُّفُوسَ، وَالشُّبُهَاتُ الَّتِي تَحَارُ فِيهَا الْعُقُولُ.
وَاعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ فِتْنَةَ
الْمَحْيَا تَتَلَوَّنُ بِأَلْوَانٍ شَتَّى، وَتَأْتِي عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ،
نَذْكُرُ مِنْهَا الْأَخْطَرَ وَالْأَشَدَّ:
أَوَّلًا: فِتْنَةُ السَّرَّاءِ وَالدُّنْيَا
(الْمَالُ وَالْجَاهُ):
وَهِيَ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي
تُهْلِكُ الْأُمَمَ. إِنَّ اللهَ يَبْتَلِي بِالْخَيْرِ كَمَا يَبْتَلِي
بِالشَّرِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا
تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35].
إِنَّ فِتْنَةَ الْغِنَى وَالرَّفَاهِيَةِ
أَشَدُّ خَطَرًا مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ يَتَضَرَّعُ، أَمَّا
الْغَنِيُّ فَقَدْ يَطْغَى. قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَوَاللَّهِ مَا
الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ
الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ،
فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» (مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ).
انْظُرُوا إِلَى قَارُونَ! فَتَنَتْهُ
أَمْوَالُهُ، وَغَرَّهُ عِلْمُهُ، فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ
مُخْتَالًا فَخُورًا، فَمَاذَا كَانَتِ النِّهَايَةُ؟ ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ
وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾. ذَهَبَ الْمَالُ، وَذَهَبَ الْجَاهُ، وَبَقِيَتِ الْحَسْرَةُ
وَالْوَبَالُ.
كَمْ مِنْ رَجُلٍ كَانَ مُحَافِظًا عَلَى
صَلَاتِهِ، وَاصِلًا لِرَحِمِهِ، فَلَمَّا فُتِحَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا،
وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُ، شُغِلَ بِإِدَارَتِهَا، وَتَلَهَّى بِتَنْمِيَتِهَا،
حَتَّى ضَيَّعَ فَرَائِضَ اللهِ، وَأَكَلَ الرِّبَا، وَظَلَمَ الْعِبَادَ؟ هَذِهِ
هِيَ فِتْنَةُ الْمَحْيَا.
ثَانِيًا: فِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ (النِّسَاءُ
وَالنَّظَرُ الْحَرَامُ):
وَهِيَ الْفِتْنَةُ الْعَمْيَاءُ الَّتِي
أَسْقَطَتْ كَثِيرًا مِنَ الْعُبَّادِ وَالزُّهَّادِ. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي
فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ).
إِنَّهَا فِتْنَةُ "يُوسُفَ" عَلَيْهِ
السَّلَامُ، وَلَكِنَّ يُوسُفَ كَانَ مِنَ الْمُخْلَصِينَ، فَعَصَمَهُ اللهُ.
تَخَيَّلُوا الْمَشْهَدَ: شَابٌّ غَرِيبٌ،
وَامْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، وَغُلِّقَتِ الْأَبْوَابُ، وَهَيَّأَتْ
نَفْسَهَا، وَقَالَتْ: هَيْتَ لَكَ!
كُلُّ أَسْبَابِ السُّقُوطِ تَوَفَّرَتْ،
وَلَكِنَّ "الْإِيمَانَ" حَضَرَ، فَقَالَ: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ ۖ
إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾.
فِي زَمَانِنَا هَذَا يَا عِبَادَ اللهِ،
دَخَلَتْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ إِلَى كُلِّ بَيْتٍ، بَلْ إِلَى كُلِّ جَيْبٍ عَبْرَ
"الْهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ". صُوَرٌ عَارِيَةٌ، وَأَفْلَامٌ فَاضِحَةٌ،
وَتَبَرُّجٌ فِي الشَّوَارِعِ.
إِنَّ الشَّابَّ يَنْشَأُ فِي طَاعَةِ اللهِ،
ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْفِتَنُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَلْبٌ
يَقِظٌ، وَصِلَةٌ بِاللهِ، جَرَفَهُ طُوفَانُ الشَّهْوَاتِ، فَمَاتَ قَلْبُهُ
وَهُوَ حَيٌّ.
ثَالِثًا: فِتْنَةُ الشُّبُهَاتِ وَتَغَيُّرِ
الْمَبَادِئِ:
وَهَذِهِ أَخْطَرُ الْفِتَنِ عَلَى الْعَقِيدَةِ
فِي فِتْنَةِ الْمَحْيَا. أَنْ يُمْسِيَ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُصْبِحَ كَافِرًا،
يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا.
إِنَّهَا فِتْنَةُ "انْتِكَاسَةِ
الْقُلُوبِ".
تَرَى الرَّجُلَ كَانَ يَدْعُو إِلَى اللهِ،
وَيُدَافِعُ عَنِ السُّنَّةِ، ثُمَّ تَأْتِيهِ فِتْنَةُ مَنْصِبٍ، أَوْ خَوْفٍ،
أَوْ ضَغْطٍ مُجْتَمَعِيٍّ، فَيَتَلَوَّنُ كَالْحِرْبَاءِ، وَيُبَدِّلُ جِلْدَهُ،
وَيَبْدَأُ فِي الطَّعْنِ فِي الثَّوَابِتِ الَّتِي كَانَ يُقَاتِلُ دُونَهَا
بِالْأَمْسِ!
هَذَا هُوَ "الزَّيْغُ" الَّذِي كَانَ
يَخَافُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ
هَدَيْتَنَا﴾.
تَأَمَّلُوا قِصَّةَ "بَلْعَامَ بْنِ
بَاعُورَاءَ"، ذَلِكَ الْعَالِمِ الْعَابِدِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ
"اسْمُ اللهِ الْأَعْظَمُ"، وَآتَاهُ اللهُ آيَاتِهِ. لَكِنَّهُ فُتِنَ
بِالدُّنْيَا، وَانْحَازَ لِأَعْدَاءِ اللهِ، فَانْسَلَخَ مِنْ آيَاتِ اللهِ كَمَا
تَنْسَلِخُ الْحَيَّةُ مِنْ جِلْدِهَا. قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ
نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ
الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا
وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ
الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: 175-176].
أَعَاذَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ مَصَارِعِ
الْفُتُونِ.
رَابِعًا: فِتْنَةُ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ:
قَدْ يَكُونُ الْوَلَدُ فِتْنَةً لِأَبِيهِ فِي
حَيَاتِهِ، يَحْمِلُهُ عَلَى كَسْبِ الْحَرَامِ لِيُوَفِّرَ لَهُ رَغَدَ
الْعَيْشِ، أَوْ يَحْمِلُهُ عَلَى الْبُخْلِ وَعَدَمِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ
اللهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ
وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.
وَفِي الْحَدِيثِ: «الْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ
مَجْبَنَةٌ» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه). أَيْ يَجْعَلُ أَبَاهُ بَخِيلًا
بِالْمَالِ خَوْفًا عَلَى مُسْتَقْبَلِهِ، وَجَبَانًا عَنِ الْجِهَادِ وَقَوْلِ
الْحَقِّ خَوْفًا أَنْ يَتَيَتَّمَ الْوَلَدُ.
كَيْفَ النَّجَاةُ يَا عِبَادَ اللهِ فِي خِضَمِّ
هَذَا الْبَحْرِ الْمُتَلَاطِمِ؟
1. اللُّجُوءُ إِلَى اللهِ وَالدُّعَاءُ:
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ
الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ». إِذَا كَانَ هَذَا حَالَ الْمَعْصُومِ ﷺ،
فَكَيْفَ بِنَا؟ عَلَيْكُمْ بِإِدْمَانِ هَذَا الدُّعَاءِ، خَاصَّةً فِي
السُّجُودِ.
2. مُلَازَمَةُ الصَّالِحِينَ (الْبِيئَةُ
الْآمِنَةُ):
لَا تَثِقْ بِنَفْسِكَ وَتَقُلْ: أَنَا قَوِيُّ
الْإِيمَانِ، سَأُخَالِطُ أَهْلَ الْفِسْقِ وَلَنْ أَتَأَثَّرَ.
الذِّئْبُ يَأْكُلُ مِنَ الْغَنَمِ
الْقَاصِيَةِ. يَقُولُ اللهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. هَؤُلَاءِ هُمْ
حِصْنُكَ بَعْدَ اللهِ. إِذَا نَسِيتَ ذَكَّرُوكَ، وَإِذَا ذَكَرْتَ أَعَانُوكَ.
3. الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ (الْبَصِيرَةُ):
الْفِتْنَةُ إِذَا أَقْبَلَتْ عَرَفَهَا
الْعَالِمُ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَرَفَهَا الْجَاهِلُ (بَعْدَ فَوَاتِ
الْأَوَانِ). الْعِلْمُ هُوَ النُّورُ الَّذِي يُمَيِّزُ لَكَ بَيْنَ الْحَقِّ
وَالْبَاطِلِ حِينَ تَخْتَلِطُ الْأَلْوَانُ.
4. الْبُعْدُ عَنْ مَوَاطِنِ الْفِتَنِ:
قَالَ ﷺ: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ». لَا تُعَرِّضْ
نَفْسَكَ لِلْبَلَاءِ ثُمَّ تَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ. اعْتَزِلِ الْمَوَاقِعَ
الْمَشْبُوهَةَ، وَالْقَنَوَاتِ الْفَاسِدَةَ، وَالْمَجَالِسَ اللَّاغِيَةَ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ..
إِنَّ الْمَعْرَكَةَ مَعَ فِتَنِ الدُّنْيَا
شَرِسَةٌ، وَلَكِنَّ الْجَائِزَةَ عَظِيمَةٌ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا
تَحْزَنُوا﴾.
الثَّبَاتُ فِي الدُّنْيَا عُنْوَانُ النَّجَاةِ
فِي الْآخِرَةِ.
فَفِرُّوا إِلَى اللهِ، وَتَمَسَّكُوا
بِحَبْلِهِ، فَإِنَّهُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ
الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: فِتْنَةُ
الْمَمَاتِ:
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي قَهَرَ الْعِبَادَ
بِالْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ، وَكَتَبَ لَهُمُ الْبَعْثَ وَالْجَزَاءَ. وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ،
فَيَا عِبَادَ اللهِ..
إِنْ كَانَتْ فِتْنَةُ الْمَحْيَا هِيَ
الِاخْتِبَارَ الطَّوِيلَ، فَإِنَّ "فِتْنَةَ الْمَمَاتِ" هِيَ
اللَّحْظَةُ الْحَاسِمَةُ، وَهِيَ خَاتِمَةُ الْمَطَافِ.
وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ تَشْمَلُ أَمْرَيْنِ
عَظِيمَيْنِ:
الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: الْفِتْنَةُ عِنْدَ
الِاحْتِضَارِ:
وَهِيَ سَاعَةُ خُرُوجِ الرُّوحِ. فِي تِلْكَ
اللَّحْظَاتِ الْعَصِيبَةِ، يَحْضُرُ الشَّيْطَانُ بِكُلِّ ثِقَلِهِ وَحِقْدِهِ؛
لِيُحَاوِلَ إِغْوَاءَ ابْنِ آدَمَ فِي آخِرِ نَفَسٍ.
يُرِيدُ أَنْ يَسْلُبَهُ الْإِيمَانَ قَبْلَ
أَنْ يُغَادِرَ الدُّنْيَا، فَيُوَسْوِسُ لَهُ بِسُوءِ الظَّنِّ بِاللهِ، أَوْ
بِالسَّخَطِ عَلَى الْقَضَاءِ، أَوْ بِحُبِّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةِ لِقَاءِ
اللهِ.
وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ يَخَافُونَ مِنْ
"سُوءِ الْخَاتِمَةِ" أَشَدَّ الْخَوْفِ.
يَقُولُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رحمه الله:
"إِنَّ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِيَ وَالْأَهْوَاءَ تَخْذُلُ صَاحِبَهَا عِنْدَ
الْمَوْتِ، مَعَ خِذْلَانِ الشَّيْطَانِ لَهُ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ
الْخِذْلَانَانِ مَعَ ضَعْفِ الْإِيمَانِ، فَيَقَعُ سُوءُ الْخَاتِمَةِ".
وَلَكِنْ أَبْشِرُوا، فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ
الرَّبَّانِيَّةَ تَقُولُ: "مَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ مَاتَ عَلَيْهِ".
إِنَّ اللهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَخْذُلَ
عَبْدًا عَاشَ عُمْرَهُ سَاجِدًا، ذَاكِرًا، مُجَاهِدًا لِنَفْسِهِ، فِي تِلْكَ
اللَّحْظَاتِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي
الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27].
الْأَمْرُ الثَّانِي: فِتْنَةُ الْقَبْرِ (سُؤَالُ
الْمَلَكَيْنِ):
وَهِيَ الِاخْتِبَارُ الْحَقِيقِيُّ الْأَوَّلُ
فِي الْآخِرَةِ. حِينَ يُوضَعُ الْعَبْدُ فِي حُفْرَتِهِ، وَيَتَوَلَّى عَنْهُ
الْأَصْحَابُ وَالْأَحْبَابُ، فَيَأْتِيهِ الْمَلَكَانِ (مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ)،
فَيُقْعِدَانِهِ وَيَسْأَلَانِهِ:
مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟
هَذِهِ هِيَ فِتْنَةُ الْمَمَاتِ الْكُبْرَى.
لَا يَنْفَعُ فِيهَا حِفْظُ الْمَعْلُومَاتِ،
وَلَا طَلَاقَةُ اللِّسَانِ، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ فِيهَا "الْقَلْبُ"
بِمَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا.
فَالْمُؤْمِنُ يَقُولُ بِثَبَاتٍ: رَبِّيَ اللهُ،
وَدِينِيَ الْإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ.
وَأَمَّا الْمُنَافِقُ الْمُرْتَابُ -الَّذِي
عَاشَ فِي الدُّنْيَا مُتَذَبْذِبًا- فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ! لَا أَدْرِي،
سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ!
فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَيَصِيحُ
صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ.
الَّلهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ
قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ.
الَّلهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ
الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ،
وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ.
الَّلهُمَّ اخْتِمْ بِالصَّالِحَاتِ
أَعْمَالَنَا، وَبِالسَّعَادَةِ آجَالَنَا.
الَّلهُمَّ اجْعَلْ آخِرَ كَلَامِنَا مِنَ
الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ
اللهِ.
الَّلهُمَّ ثَبِّتْنَا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.
الَّلهُمَّ آنِسْ وَحْشَتَنَا فِي الْقُبُورِ،
وَامْنُنْ عَلَيْنَا يَوْمَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ.
الَّلهُمَّ لَا تَفْتِنَّا بَعْدَ إِذْ
هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
الَّلهُمَّ انْصُرِ الْإِسْلَامَ
وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي
الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
المصدر: مدونة الشيخ زهير
حميدات
https://zuhayr-humaydat.blogspot.com/2026/01/blog-post_10.html?m=0
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق