﴿ وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾
حِينَمَا يَكُونُ النِّسْيَانُ عُقُوبَةً!
وَقْفَةٌ مَعَ أَعْدَلِ
قَوَانِينَ الْآخِرَةِ وَأَرْعَبِهَا
كتبه: الشيخ زهير بن حسن
حميدات
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَضِلُّ وَلَا يَنْسَى،
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ بِالْهُدَى، نَبِيِّنَا
مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ. أَمَّا بَعْدُ:
فَفِي مَشْهَدٍ مَهِيبٍ مِنْ مَشَاهِدِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ،
يَقِفُ عَبْدٌ مَذْهُولًا، مَرْعُوبًا، قَدْ حُشِرَ أَعْمَى بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي
الدُّنْيَا بَصِيرًا! يَتَلَفَّتُ فَلَا يَرَى إِلَّا الظَّلَامَ، فَيَصْرُخُ
مُتَسَائِلًا: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾؟
فَيَأْتِيهِ الْجَوَابُ الْإِلَهِيُّ
الْمُزَلْزِلُ، الَّذِي يَحْمِلُ خُلَاصَةَ الْعَدْلِ وَالرُّعْبِ فِي آنٍ
وَاحِدٍ:
﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا
وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: 126].
إِنَّهَا مُعَادَلَةٌ
مُخِيفَةٌ: (نِسْيَانٌ بِنِسْيَانٍ). وَلَكِنْ، مَا حَقِيقَةُ هَذَا
النِّسْيَانِ؟ وَكَيْفَ نَنْجُو مِنْهُ؟
أَوَّلًا: "أَتَتْكَ
آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا" (جَرِيمَةُ الدُّنْيَا)
لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالنِّسْيَانِ هُنَا
أَنَّهُ فَقَدَ الذَّاكِرَةَ، أَوْ سَهَا عَنْ حِفْظِ الْآيَاتِ؛ فَاللَّهُ لَا
يُعَذِّبُ عَلَى السَّهْوِ.
إِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِالنِّسْيَانِ هُنَا:
التَّرْكُ وَالْإِهْمَالُ وَالْإِعْرَاضُ.
·
نَسِيتَهَا حِينَ سَمِعْتَ النِّدَاءَ
"حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ" فَقَدَّمْتَ نَوْمَكَ وَرَاحَتَكَ عَلَى
نِدَاءِ رَبِّكَ، فَكَأَنَّكَ لَا تَسْمَعُ!
·
نَسِيتَهَا حِينَ قَرَأْتَ آيَاتِ تَحْرِيمِ
الرِّبَا وَالظُّلْمِ وَأَكْلِ الْحَرَامِ، فَتَجَاوَزْتَهَا وَأَكَلْتَ مَا
لَيْسَ لَكَ، فَكَأَنَّكَ لَا تَعْلَمُ!
·
نَسِيتَهَا حِينَ هَجَرْتَ الْقُرْآنَ تِلَاوَةً
وَعَمَلًا، فَصَارَ كِتَابُ اللَّهِ فِي بَيْتِكَ مَهْجُورًا يَعْلُوهُ
الْغُبَارُ، أَوْ زِينَةً عَلَى الرُّفُوفِ لَا حَاكِمًا فِي الْقُلُوبِ.
هَذَا هُوَ "الْعَمَى" الْحَقِيقِيُّ
فِي الدُّنْيَا: تَعَامَيْتَ عَنِ الْحَقِّ وَأَنْتَ تُبْصِرُهُ.
ثَانِيًا: "وَكَذَلِكَ
الْيَوْمَ تُنْسَى" (عُقُوبَةُ الْآخِرَةِ)
وَهُنَا الطَّامَّةُ الْكُبْرَى! هَلْ يَنْسَى
اللَّهُ عَبْدَهُ؟ حَاشَا لِلَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ
نَسِيًّا﴾.
وَلَكِنْ مَعْنَى "تُنْسَى" هُنَا:
أَيْ تُتْرَكُ فِي الْعَذَابِ، وَتُهْمَلُ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَيْكَ بِرَحْمَةٍ.
·
كَمَا تَرَكْتَ أَوَامِرَ اللَّهِ فِي
الدُّنْيَا.. يَتْرُكُكَ اللَّهُ الْيَوْمَ فِي كُرْبَةِ الْمَوْقِفِ.
·
كَمَا أَعْرَضْتَ عَنِ النُّورِ (الْقُرْآنِ)
فِي الدُّنْيَا.. حَرَمَكَ اللَّهُ النُّورَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَحُشِرْتَ
أَعْمَى.
·
كَمَا لَمْ تَذْكُرِ اللَّهَ فِي رَخَائِكَ..
لَمْ يَذْكُرْكَ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ فِي شِدَّتِكَ.
الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ: عَمَلْتَ
عَمَلَ الْأَعْمَى فِي الدُّنْيَا، فَاسْتَحْقَقْتَ حَشْرَ الْعُمْيَانِ فِي
الْآخِرَةِ.
رِسَالَةٌ إِلَى الْقُلُوبِ الْغَافِلَةِ
أَيُّهَا الْغَافِلُ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، يَا
مَنْ شَغَلَتْهُ الدُّنْيَا عَنْ دِينِهِ، يَا مَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ الْيَوْمُ
وَالْأُسْبُوعُ وَلَا يَفْتَحُ مُصْحَفَهُ:
تَخَيَّلْ لَحْظَةً يَتَخَلَّى عَنْكَ فِيهَا
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ!
تَخَيَّلْ أَنْ تُنَادِيَ: "يَا رَبِّ
ارْحَمْنِي"، فَيَكُونُ الْحَالُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ
نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾!
إِنَّنَا لَا نَزَالُ فِي "دَارِ
الْمُهْلَةِ"، وَآيَاتُ اللَّهِ لَا تَزَالُ تُتْلَى، وَبَابُ التَّوْبَةِ
لَا يَزَالُ مَفْتُوحًا.
فَرَاجِعْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ
تَتَمَنَّى فِيهِ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ فَلَا تَجِدُهَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ حَفِظَ آيَاتِكَ فَعَمِلَ بِهَا،
وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ نَسِيَهَا فَنُسِيَ مِنْ رَحْمَتِكَ.
المصدر: مدونة الشيخ زهير
حميدات
https://zuhayr-humaydat.blogspot.com/2026/01/blog-post_19.html
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق