الْوَصِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ
( حِصْنُ
الْحُقُوقِ وَخَاتِمَةُ الْإِحْسَانِ )
كتبه: الشيخ زهير بن حسن
حميدات
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَتَبَ الْمَوْتَ عَلَى الْعِبَادِ،
وَجَعَلَ الْآخِرَةَ دَارَ الْمَعَادِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى
نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي أَمَرَنَا بِحِفْظِ الْحُقُوقِ وَالِاسْتِعْدَادِ،
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ التَّنَادِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الْمُسْلِمَ الْكَيِّسَ هُوَ مَنْ يَسْتَعِدُّ لِلِقَاءِ
رَبِّهِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَغْفُلُ عَنْهُ
النَّاسُ الْيَوْمَ سُنَّةَ "كِتَابَةِ الْوَصِيَّةِ"، الَّتِي هِيَ بَرَاءَةٌ
لِلذِّمَّةِ، وَحِفْظٌ لِلْوَرَثَةِ مِنَ النِّزَاعِ، وَصِلَةٌ لِمَا انْقَطَعَ
مِنَ الْعَمَلِ.
أَوَّلًا: مَشْرُوعِيَّةُ
الْوَصِيَّةِ وَحُكْمُهَا:
الْوَصِيَّةُ مَشْرُوعَةٌ بِالْكِتَابِ
وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ
لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ».
وَحُكْمُهَا يَدُورُ بَيْنَ
الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ:
1. الْوَصِيَّةُ الْوَاجِبَةُ
(فَرْضٌ):
تَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ
لِلنَّاسِ (لَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ أَوْ لَيْسَتْ مُوَثَّقَةً)، أَوْ عِنْدَهُ
وَدَائِعُ وَأَمَانَاتٌ، أَوْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ لِلَّهِ (كَزَكَاةٍ لَمْ يُخْرِجْهَا،
أَوْ كَفَّارَاتٍ). فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ بِبَيَانِهَا حَتَّى لَا
تَضِيعَ حُقُوقُ الْعِبَادِ، وَحَتَّى تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ أَمَامَ اللَّهِ.
2. الْوَصِيَّةُ
الْمُسْتَحَبَّةُ (سُنَّةٌ):
وَهِيَ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنَ الْمَالِ
(الثُّلُثِ فَأَقَلَّ) لِأَوْجُهِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ؛ كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ،
أَوْ كَفَالَةِ الْأَيْتَامِ، أَوْ لِلْأَقَارِبِ غَيْرِ الْوَارِثِينَ،
لِيَجْرِيَ ثَوَابُهَا عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
ثَانِيًا: شُرُوطُ الْوَصِيَّةِ
الصَّحِيحَةِ:
لِكَيْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةً وَنَافِذَةً شَرْعًا، لَا
بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ الضَّوَابِطِ التَّالِيَةِ:
1. أَلَّا تَكُونَ
لِوَارِثٍ:
لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ لِأَحَدٍ مِنَ
الْوَرَثَةِ (كَالزَّوْجَةِ أَوِ الْوَلَدِ) بِشَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى حَقِّهِ
الشَّرْعِيِّ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ
حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». إِلَّا إِذَا أَجَازَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ
ذَلِكَ بَطِيبِ نَفْسٍ بَعْدَ الْمَوْتِ.
2. أَلَّا تَزِيدَ عَنِ
الثُّلُثِ:
فِي وَصِيَّةِ التَّبَرُّعِ، لَا يَجُوزُ أَنْ
يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ التَّرِكَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ
مِنَ الثُّلُثِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: «الثُّلُثُ،
وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ
أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ».
3. تَقْدِيمُ الدَّيْنِ
عَلَى الْوَصِيَّةِ:
يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الْمُوصِي وَالْوَرَثَةُ
أَنَّ سَدَادَ الدُّيُونِ مُقَدَّمٌ عَلَى تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ وَعَلَى
تَوْزِيعِ الْمِيرَاثِ.
ثَالِثًا: لِمَاذَا يَجِبُ أَنْ
نَكْتُبَ وَصَايَانَا الْآنَ؟
1. بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ: حَتَّى لَا نَتْرُكَ
خَلْفَنَا دُيُونًا مَجْهُولَةً يَتَحَمَّلُ وِزْرَهَا الْوَرَثَةُ أَوْ تَضِيعُ
بِهَا حُقُوقُ النَّاسِ.
2. مَنْعُ النِّزَاعِ: الْوَصِيَّةُ
الْمَكْتُوبَةُ تَقْطَعُ دَابِرَ الْخِلَافِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ وَالْأَقَارِبِ.
3. اسْتِدْرَاكُ الْخَيْرِ: فُرْصَةٌ لِلْمُسْلِمِ
لِيَجْعَلَ لِنَفْسِهِ صَدَقَةً جَارِيَةً تَنْفَعُهُ فِي قَبْرِهِ.
خَاتِمَةٌ:
أَيُّهَا الْمُسْلِمُ،
لَا تُسَوِّفْ وَلَا تَقُلْ "غَدًا أَكْتُبُهَا"،
فَالْأَجَلُ مَغِيبٌ، وَالْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً. بَادِرْ بِتَدْوِينِ مَا لَكَ
وَمَا عَلَيْكَ، وَأَشْهِدْ عَلَيْهِ ثِقَاتٍ، وَاجْعَلْهَا خَالِصَةً لِوَجْهِ
اللَّهِ.
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُحْسِنَ خَوَاتِيمَنَا، وَأَنْ يَقْضِيَ
دُيُونَنَا، وَأَنْ يَتَوَفَّانَا وَهُوَ رَاضٍ عَنَّا.
المصدر: مدونة الشيخ زهير حميدات
https://zuhayr-humaydat.blogspot.com/2026/01/blog-post_71.html
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق