2026-01-08

الوسطية بين تحريف الغالين وثبات الصادقين

الْوَسَطِيَّةُ بَيْنَ تَحْرِيفِ الْغَالِينَ وَثَبَاتِ الصَّادِقِينَ

(كَمَا جَاءَتْ فِي كِتَابِ رَبِّنَا لَا كَمَا يَهْوَاها الْمُبَدِّلُونَ)

خطبة الجمعة

للشيخ زهير بن حسن حميدات

الخُطْبَةُ الأُولَى:

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَهَدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ. الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ أُمَّةَ الْإِسْلَامِ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَجَعَلَهَا أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونَ شَاهِدَةً عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ.

أَحْمَدُهُ -سُبْحَانَهُ- حَمْدَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاعْتَصَمَ بِحَبْلِ اللهِ الْمَتِينِ، وَلَمْ يَغْتَرَّ بِتَلْبِيسِ الْمُبْطِلِينَ، وَلَا بِتَحْرِيفِ الْغَالِينَ، وَلَا بِانْتِحَالِ الْمُبَدِّلِينَ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، الْقَائِلُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾.

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْوَسَطِيَّةِ الْحَقَّةِ، وَقُدْوَةُ الثَّابِتِينَ، الَّذِي تَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ عَرَفُوا الْحَقَّ فَلَزِمُوهُ، وَجَانَبُوا الْبَاطِلَ فَاجْتَنَبُوهُ، وَعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ،

فَيَا عِبَادَ اللهِ..

اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَخْطَرَ مَا يُوَاجِهُ الْأُمَّةَ الْيَوْمَ لَيْسَ فَقَطْ سُيُوفَ الْأَعْدَاءِ، بَلْ هُوَ "تَحْرِيفُ الْمَفَاهِيمِ" وَ"تَزْيِيفُ الْحَقَائِقِ".

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ..

فِي وَقْتِنَا الْحَاضِرِ، أَصْبَحَ كُلُّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ مِنَ الْفِرَقِ وَالْأَحْزَابِ يَتَحَدَّثُونَ عَنِ "الْوَسَطِيَّةِ" وَ"الِاعْتِدَالِ" فِي الْإِسْلَامِ.

لَقَدْ أَصْبَحَ هَذَا الْمُصْطَلَحُ مَطِيَّةً لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُمَيِّعَ الدِّينَ، يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَيَنْتَسِبُونَ إِلَيْهَا وَيَبْتَغُونَ بِهَا، وَيُصَدِّرُونَهَا فِي مَحَاضِرِهِمْ وَنَوَاصِي بَيَانَاتِهِمْ.

يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ هُمْ أَهْلُ الْوَسَطِ، وَأَنَّهُمْ بَرَاءَةُ التَّوْحِيدِ وَنَاصِيَةُ الْإِسْلَامِ، بَيْنَمَا هُمْ فِي الْحَقِيقَةِ يُرِيدُونَ التَّفَلُّتَ مِنَ الدِّينِ بِحُجَّةِ الْفِرَارِ مِنَ الْغُلُوِّ وَالْإِرْجَاءِ.

إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ حَرَّفُوا مَعْنَى الْوَسَطِيَّةِ الصَّحِيحِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الدِّينُ الْحَنِيفُ؛ إِمَّا لِشَهْوَةٍ فِي نُفُوسِهِمْ، أَوْ لِشُبْهَةٍ عَصَفَتْ بِعُقُولِهِمْ، وَحَادُوا بِهَا عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي رَسَمَهُ الْوَحْيُ الْقَوِيمُ.

لَقَدْ جَعَلُوا الْوَسَطِيَّةَ -بِوَحْيٍ مِنْ شَيَاطِينِهِمْ- تَعْنِي: التَّنَازُلَ عَنِ الثَّوَابِتِ، وَالتَّفْرِيطَ فِي عَقِيدَةِ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ، وَالتَّسَامُحَ مَعَ الْبَاطِلِ، وَالِالْتِقَاءَ مَعَهُ فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ!.

وَسَّمَوْا ذَلِكَ زُورًا وَبُهْتَانًا: "وَاقِعِيَّةً وَتَوَازُنًا"! فَأَعْطَوُا الدَّنِيَّةَ فِي دِينِهِمْ، وَفَرَّطُوا فِي عَقِيدَتِهِمْ بِاسْمِ وَسَطِيَّتِهِمُ الْمَزْعُومَةِ.

بَلْ وَصَلَ بِهِمُ الْحَالُ أَنْ جَعَلُوا الْمُجَاهِدِينَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ، الْقَابِضِينَ عَلَى الْجَمْرِ، فِي نَظَرِهِمْ: "خَوَارِجَ وَغُلَاةً مُتَنَطِّعِينَ"!.

وَلَكِنْ.. مَا هِيَ الْوَسَطِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ النَّاصِعَةُ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْإِسْلَامُ؟

لَيْسَتِ الْوَسَطِيَّةُ أَنْ نَمْشِيَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَا أَنْ نُرْضِيَ اللهَ وَنُرْضِيَ الشَّيْطَانَ فِي آنٍ وَاحِدٍ!

الْوَسَطِيَّةُ بِمَفْهُومِ الْوَحْيِ هِيَ: "السَّيْرُ عَلَى طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعَقَائِدِ وَالشَّرَائِعِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ".

لِمَاذَا؟ لِأَنَّ طَرِيقَهُ ﷺ هُوَ أَقْوَمُ الطُّرُقِ وَأَوْسَطُهَا وَأَعْدَلُهَا، وَالْعُدُولُ عَنْهُ هُوَ الِانْحِرَافُ بِعَيْنِهِ، مَهْمَا كَانَتِ الظُّرُوفُ.

يَقُولُ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي تَفْسِيرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾:

"أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَبِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، خَصَصْنَاكُمْ التَّوْفِيقَ لِقِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ وَمِلَّتِهِ، وَفَضَّلْنَاكُمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاكُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ؛ كَذَلِكَ خَصَصْنَاكُمْ فَفَضَّلْنَاكُمْ عَلَى غَيْرِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ بِأَنْ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا".

فَالْوَسَطُ هُنَا يَعْنِي: "الْخِيَارَ وَالْأَجْوَدَ".

وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: "وَالْوَسَطُ هَاهُنَا: الْخِيَارُ وَالْأَجْوَدُ... وَلَمَّا جَعَلَ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَسَطًا، خَصَّهَا بِأَكْمَلِ الشَّرَائِعِ وَأَقْوَمِ الْمَنَاهِجِ وَأَوْضَحِ الْمَذَاهِبِ".

وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ نَفْسُهُ "الْوَسَطَ" بِـ "الْعَدْلِ"، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْآيَةِ: «قَالَ: الْوَسَطُ الْعَدْلُ».

إِذَنْ، الْوَسَطِيَّةُ هِيَ الْعَدْلُ، وَهِيَ الْخَيْرِيَّةُ، وَهِيَ اتِّبَاعُ الْوَحْيِ، وَلَيْسَتِ "التَّلْفِيقَ" بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.

عِبَادَ اللهِ..

لَقَدْ مَيَّزَ اللهُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَجَعَلَهُمْ وَسَطًا بَيْنَ بَاقِي الْفِرَقِ، كَمَا جَعَلَ الْإِسْلَامَ بَيْنَ أَهْلِ الْمِلَلِ الْأُخْرَى.

يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: "فَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ اللهِ وَأَفْعَالِهِ، بَيْنَ الْمُعَطِّلَةِ وَالْمُمَثِّلَةِ".

"وَوَسَطٌ فِي بَابِ الْوَعِيدِ، بَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْوَعِيدِيَّةِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ".

"وَوَسَطٌ فِي بَابِ الْإِيمَانِ، بَيْنَ الْحَرُورِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَبَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ".

"وَوَسَطٌ فِي بَابِ أَفْعَالِ اللهِ، بَيْنَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ".

هَذِهِ هِيَ الْوَسَطِيَّةُ الْعَقَدِيَّةُ الرَّاسِخَةُ. إِنَّهَا الثَّبَاتُ عَلَى الْحَقِّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ- دُونَ غُلُوٍّ يُخْرِجُ مِنَ الدِّينِ، وَدُونَ تَفْرِيطٍ يُمَيِّعُ الْعَقِيدَةَ.

إِنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ وَالْجِهَادِ، وَأَهْلَ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ، هُمْ أَهْلُ الْوَسَطِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ أَخَذُوا الدِّينَ كُلَّهُ بِقُوَّةٍ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَيَكْفُرُوا بِبَعْضٍ.

هُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ "الرَّحْمَةِ وَالشِّدَّةِ"؛ رُحَمَاءُ بِالْمُؤْمِنِينَ، أَشِدَّاءُ عَلَى الْكَافِرِينَ، تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. أَمَّا أَدْعِيَاءُ الْوَسَطِيَّةِ الْمُحَرَّفَةِ الْيَوْمَ، فَهُمْ "أَذِلَّةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ، أَعِزَّةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ"، يَتَوَدَّدُونَ لِلْعَدُوِّ وَيَطْعَنُونَ فِي الْمُجَاهِدِيْنَ، وَيُسَمُّونَ هَذَا "اعْتِدَالًا"!

عِبَادَ اللهِ..

مِنَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يُرَوِّجُ لَهَا هَؤُلَاءِ الْمُحَرِّفُونَ: "حُجَّةُ الْكَثْرَةِ".

يَقُولُونَ لَكُمْ: "كَيْفَ تَكُونُونَ أَنْتُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتُمْ قِلَّةٌ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي كِفَّةٍ أُخْرَى؟ عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ".

فَاعْلَمُوا -يَرْحَمُكُمُ اللهُ- أَنَّ الْحَقَّ لَا يُقَاسُ بِالْعَدَدِ وَالْكَثْرَةِ الْأَرْضِيَّةِ، بَلْ إِنَّ الْكَثْرَةَ مَذْمُومَةٌ فِي مُعْظَمِ آيِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.

أَلَمْ يَقُلِ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾؟

أَلَمْ يَقُلْ: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾؟

وَخَصَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مُحَمَّدًا ﷺ بِخَصَائِصَ مَيَّزَهُ بِهَا عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَجَعَلَ لَهُ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، هِيَ أَفْضَلُ شِرْعَةٍ وَأَكْمَلُ مِنْهَاجٍ.

كَمَا جَعَلَ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.. فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ بِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، هُمُ "الْجَمَاعَةُ" الْحَقِيقِيَّةُ وَلَوْ كَانُوا قِلَّةً.

اسْمَعُوا إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تُرَسِّخُ مَفْهُومَ "الْجَمَاعَةِ":

قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ: "سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ. إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَسَطٌ فِي الشَّرِيعَةِ، فَلَمْ يَجْحَدُوا شَرْعَ النَّاسِخِ لِأَجْلِ شَرْعِهِ الْمَنْسُوخِ كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ، وَلَا غَيَّرُوا شَيْئًا مِنْ شَرْعِهِ وَلَا ابْتَدَعُوا شَرْعًا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ كَمَا فَعَلَتِ النَّصَارَى، وَلَا غَلَوْا فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَغُلُوِّ النَّصَارَى، وَلَا بَخَسُوهُمْ حُقُوقَهُمْ كَفِعْلِ الْيَهُودِ".

ثُمَّ سُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ حِينَ يَفْسُدُ النَّاسُ، فَقَالَ كَلِمَتَهُ الْخَالِدَةَ: «يَا عَبْدَ اللهِ.. إِنَّ جُمْهُورَ الْجَمَاعَةِ هُمُ الَّذِينَ فَارَقُوا الْجَمَاعَةَ! إِنَّ الْجَمَاعَةَ مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَإِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ».

اللهُ أَكْبَرُ! "الْجَمَاعَةُ مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَإِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ".

فَلَا يَغُرَّنَّكَ كَثْرَةُ الْهَالِكِينَ، وَلَا وَحْشَةُ السَّالِكِينَ. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ أُمَّةً وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى الْحَقِّ فِي زَمَنٍ أَطْبَقَ فِيهِ الْعَالَمُ عَلَى الشِّرْكِ.

إِنَّ الْخَطَرَ الْأَكْبَرَ الْيَوْمَ يَا عِبَادَ اللهِ، هُوَ أَنْ يَتِمَّ "إِعَادَةُ تَعْرِيفِ الْإِسْلَامِ" لِيُرْضِيَ الْغَرْبَ وَأَعْدَاءَ الْمِلَّةِ.

إِنَّ دُعَاةَ "الْوَسَطِيَّةِ الْمُحَرَّفَةِ" هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ مِنَّا أَنْ نَتَخَلَّى عَنْ "ذِرْوَةِ سَنَامِ الْإِسْلَامِ" (الْجِهَادِ)، وَيُرِيدُونَ مِنَّا أَنْ نُسَاوِيَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَبَيْنَ الْمُحَارِبِ وَالْمُسَالِمِ.

فَهُمْ كَمَا وَصَفَهُمُ ابْنُ الْقَيِّمِ: "يُظْهِرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ إِيمَانَهُ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ مُنْسَلِخٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ".

لَا يَنْتَفِعُونَ بِسَمَاعِ الْحَقِّ، وَلَا يَهْتَدُونَ بِبَصَرِهِمْ إِلَى النُّورِ، قَدْ أَصَمَّتْهُمْ رُعُودُ الْوَعِيدِ فِي الْقُرْآنِ، فَهَرَبُوا مِنْهَا إِلَى أَوْدِيَةِ التِّيهِ وَالتَّنَازُلَاتِ.

فَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا مِنْهُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْوَسَطِيَّةَ هِيَ "الثَّبَاتُ"، وَلَيْسَ "التَّلَوُّنُ".

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ..

إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَكِنْ لَا تَتَنَازَلُوا عَنْ أُصُولِهِ.

تَمَسَّكُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبِفَهْمِ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَلَا تَغْتَرُّوا بِالْمُصْطَلَحَاتِ الْبَرَّاقَةِ الَّتِي يُرَوِّجُ لَهَا الْمُهْزُومُونَ نَفْسِيًّا.

فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ، وَلَسْنَا بِحَاجَةٍ لِمَنْ يَبْتَدِعُ لَنَا "إِسْلَامًا جَدِيدًا" بِمَقَايِيسَ غَرْبِيَّةٍ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الْقُرْآنَ نِبْرَاسًا لِلْحَقِّ، وَأَزْهَقَ بِهِ الْبَاطِلَ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِيُّ الصَّالِحِينَ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي حَذَّرَ أُمَّتَهُ مِنَ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ.

أَمَّا بَعْدُ،

فَيَا عِبَادَ اللهِ..

إِنَّ الْخُلَاصَةَ الَّتِي نَخْرُجُ بِهَا فِي هَذَا الزَّمَنِ الْمُضْطَرِبِ، هِيَ أَنْ نَعَضَّ بِالنَّوَاجِذِ عَلَى "عَقِيدَةِ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ".

إِنَّ الْعَقِيدَةَ هِيَ حِصْنُكُمْ، وَهِيَ سَفِينَةُ نَجَاتِكُمْ بَيْنَ أَمْوَاجِ الْفِتَنِ الْمُتَلَاطِمَةِ.

اعْلَمُوا أَنَّ الْوَسَطِيَّةَ لَا تَعْنِي تَرْكَ الْجِهَادِ، وَلَا تَعْنِي مُدَاهَنَةَ الْكُفَّارِ، بَلْ هِيَ الْقِيَامُ بِأَمْرِ اللهِ كَمَا أَمَرَ، بِكُلِّ قُوَّةٍ وَعَزِيمَةٍ.

إِنَّ مَفْهُومَ الْوَسَطِيَّةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ يَرْتَبِطُ ارْتِبَاطًا وُجُودِيًّا بِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- الَّتِي يُبْغِضُهَا الْمُنَافِقُونَ، وَتَنْزِلُ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ كَالصَّوَاعِقِ.

فَكُونُوا عَلَى مِلَّةِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ، حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ.

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَتَجَارَى بِهِمُ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ.

كُونُوا مَعَ "الْجَمَاعَةِ" بِمَعْنَاهَا الْأَصِيلِ: أَنْ تَكُونَ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنْ تَتَمَسَّكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنْ لَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ، وَلَا بِأَلْقَابِهِمُ الرَّنَّانَةِ.

وَأَكْثِرُوا مِنْ دُعَاءِ اللهِ بِالثَّبَاتِ، فَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ ﷺ يَقُولُ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ».

الَّلهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ.

الَّلهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا.

الَّلهُمَّ احْفَظْ عَلَيْنَا عَقِيدَتَنَا، وَنَقِّهَا مِنْ شَوَائِبِ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ.

الَّلهُمَّ إِنَّا نَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ وَسَطِيَّةٍ مَزْعُومَةٍ تُرْضِي أَعْدَاءَكَ وَتُسْخِطُكَ.

الَّلهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْوَسَطِ الَّذِينَ هُمْ خِيَارُ النَّاسِ وَعُدُولُهُمْ.

الَّلهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِينَ الصَّادِقِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، الَّذِينَ يَرْفَعُونَ رَايَةَ التَّوْحِيدِ خَفَّاقَةً.

الَّلهُمَّ اكْشِفْ عَنِ الْأُمَّةِ الْغُمَّةَ، وَأَبْرِمْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمْرَ رُشْدٍ، يُعَزُّ فِيهِ أَهْلُ طَاعَتِكَ، وَيُذَلُّ فِيهِ أَهْلُ مَعْصِيَتِكَ، وَيُؤْمَرُ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَيُنْهَى فِيهِ عَنِ الْمُنْكَرِ.

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

المصدر: مدونة الشيخ زهير حميدات

https://zuhayr-humaydat.blogspot.com/2026/01/blog-post_76.html

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صرخة الحق وفجيعة الدم { نداء عاجل إلى أهلنا في بيت أمر }

بسم الله الرحمن الرحيم صَرْخَةُ الْحَقِّ وَفَجِيعَةُ الدَّم نِدَاءٌ عَاجِلٌ إِلَى أَهْلِنَا فِي بَلْدَةِ بَيْت أُمَّر كَتَبَهُ الشَّيْ...