2026-01-08

خديعة النفاق وحقيقة الوسطية

خَدِيعَةُ النِّفَاقِ وَحَقِيقَةُ الْوَسَطِيَّةِ

خطبة الجمعة

للشيخ : زهير بن حسن حميدات

الخُطْبَةُ الأُولَى:

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الْإِسْلَامَ مِلَّةً قَيِّمَةً، وَجَعَلَ أُمَّتَهُ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونَ عَلَى النَّاسِ شَاهِدَةً. الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَعَزَّ مَنْ أَطَاعَهُ وَاتَّقَاهُ، وَأَذَلَّ مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَعَصَاهُ، وَكَشَفَ لَنَا سُبُلَ الْمُجْرِمِينَ فِي كِتَابِهِ لِنَحْذَرَهَا وَنَتَوَقَّاهَا.

أَحْمَدُهُ -سُبْحَانَهُ- حَمْدَ مَنْ أَيْقَنَ أَنَّ الْعِزَّةَ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ الذِّلَّةَ وَالصَّغَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَ هَدْيَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَرْدٌ صَمَدٌ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي تَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ كَانُوا هُمُ الْجَمَاعَةَ وَلَوْ كَانُوا وَحْدَهُمْ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ،

فَيَا عِبَادَ اللهِ..

اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي زَمَنٍ قَدْ مَاجَتْ فِيهِ الْفِتَنُ، وَاخْتَلَطَتْ فِيهِ الْمَفَاهِيمُ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ..

إِنَّ النَّاظِرَ فِي أَحْوَالِ الْعَالَمِ الْيَوْمَ، يَرَى عَجَبًا عُجَابًا. إِنَّهُ "عَامٌ وَعَالَمٌ مُضْطَرِمٌ"، قَدْ تَحَوَّلَتْ فِيهِ حَالَاتُ الِاسْتِقْرَارِ إِلَى اضْطِرَابٍ، وَغَابَتْ فِيهِ الثِّقَةُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ الدَّوْلِيِّينَ الَّذِينَ تَحَالَفُوا طَوِيلًا ضِدَّ الْإِسْلَامِ وَتَجَاوَزُوا خِلَافَاتِهِمْ لِأَجْلِ مُحَارَبَتِهِ.

لَقَدْ أَصْبَحَ الْعَالَمُ الْيَوْمَ يَمُوجُ بِحُرُوبٍ وَصِرَاعَاتٍ مُتَلَاحِقَةٍ، أَنْتَجَتْ اصْطِفَافَاتٍ وَتَحَالُفَاتٍ مُتَقَلِّبَةٍ، وَوَلَّدَتْ حَالَةً مِنَ انْعِدَامِ الِاسْتِقْرَارِ وَاضْطِرَابِ التَّوَازُنَاتِ. وَإِنَّ مِنْ مَعَالِمِ هَذَا الْإِخْفَاقِ الصَّلِيبِيِّ؛ اضْطِرَارَ رُؤُوسِ الْكُفْرِ إِلَى تَصْعِيدِ حَمَلَاتِهِمُ الْجَوِيَّةِ -عَالِيَةِ التَّكْلُفَةِ- لِقَصْفِ دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، فِي خُطْوَةٍ تَأْتِي بِمَثَابَةِ اعْتِرَافٍ ضِمْنِيٍّ بِفَشَلِهَا وَكَذِبِ انْتِصَارِهَا.

فَأَمَامَ هَذَا الْمَشْهَدِ الْمُضْطَرِمِ، وَفِي خِضَمِّ هَذِهِ الْحُرُوبِ الَّتِي اشْتَعَلَتْ بَيْنَ مُعَسْكَرَاتِ الْكُفْرِ أَنْفُسِهِمْ، مُتَجَاوِزَةً كُلَّ الْحُدُودِ الَّتِي رَسَمُوهَا لِضَبْطِ إِيقَاعِ النِّزَاعَاتِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُ إِلَى بَصِيرَةٍ نَافِذَةٍ، وَثَبَاتٍ رَاسِخٍ، حَتَّى لَا تَزِلَّ قَدَمُهُ فِي هَذِهِ الْمَزَالِقِ.

وَلَكِنْ يَا عِبَادَ اللهِ.. بَيْنَمَا نَرَى الْعَدُوَّ الْخَارِجِيَّ يَتَخَبَّطُ، نَجِدُ عَدُوًّا دَاخِلِيًّا يَنْخُرُ فِي جَسَدِ الْأُمَّةِ، إِنَّهُ دَاءُ "النِّفَاقِ".

لَقَدْ وَصَفَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- هَذَا الدَّاءَ بِأَنَّهُ "الدَّاءُ الْعُضَالُ الْبَاطِنُ الَّذِي يَكُونُ الرَّجُلُ مُمْتَلِئًا مِنْهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ".

إِنَّ بَلِيَّةَ الْإِسْلَامِ بِالْمُنَافِقِينَ شَدِيدَةٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَيْهِ وَإِلَى نُصْرَتِهِ، وَهُمْ أَعْدَاؤُهُ فِي الْحَقِيقَةِ.

وَمِنْ صِفَاتِهِمُ الَّتِي كَشَفَهَا اللهُ فِي كِتَابِهِ وَبَيَّنَهَا عُلَمَاؤُنَا:

أَوَّلًا: دَعْوَى الْإِصْلَاحِ: فَهُمْ يُخْرِجُونَ عَدَاوَتَهُمْ فِي كُلِّ قَالَبٍ يَظُنُّ الْجَاهِلُ أَنَّهُ عِلْمٌ وَإِصْلَاحٌ، وَهُوَ غَايَةُ الْجَهْلِ وَالْإِفْسَادِ. يَقُولُونَ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

ثَانِيًا: اسْتِجْهَالُ الْمُؤْمِنِينَ: يَرَوْنَ أَهْلَ الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ سُفَهَاءَ، يَقُولُونَ: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟. وَمَجَالِسُهُمْ بَهِمْ يَتَطَيَّرُونَ، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ.

ثَالِثًا: هَجْرُ الْوَحْيِ وَتَقْدِيسُ الْعَقْلِ: وَمِنْ أَخْطَرِ صِفَاتِهِمْ أَنَّهُمْ خَلَعُوا نُصُوصَ الْوَحْيِ عَنْ سَلْطَنَةِ الْحَقِيقَةِ، وَعَزَلُوهَا عَنْ وِلَايَةِ الْيَقِينِ، وَشَنُّوا عَلَيْهَا غَارَاتِ التَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ. فَهُمْ لَا يَرْفَعُونَ بِالْوَحْيِ رَأْسًا، بَلْ يُقَدِّمُونَ آرَاءَهُمْ وَأَفْكَارَهُمُ الْمُنْسَلِخَةَ مِنَ الدِّينِ.

لَقَدْ ضَرَبَ اللهُ لَهُمْ مَثَلَيْنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ:

مَثَلَ النَّارِ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، فَذَهَبَ نُورُ إِيمَانِهِمْ، وَبَقِيَتْ نَارُ حَيْرَتِهِمْ، فَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ.

وَمَثَلَ الْمَطَرِ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾، شَبَّهَ الْوَحْيَ بِالْمَطَرِ الَّذِي فِيهِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ، لَكِنَّهُمْ لِمَرَضِ قُلُوبِهِمْ لَا يَرَوْنَ فِيهِ إِلَّا الظُّلُمَاتِ وَالرَّعْدَ وَالْبَرْقَ، فَيَضَعُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ حَذَرَ الْمَوْتِ، كَرَاهِيَةً لِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ زَوَاجِرَ وَتَكَالِيفَ.

وَمِنْ تَلْبِيسِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَأَشْبَاهِهِمْ فِي زَمَانِنَا، أَنَّهُمْ يَتَسَتَّرُونَ خَلْفَ مُصْطَلَحَاتٍ بَرَّاقَةٍ، مِثْلَ "الْوَسَطِيَّةِ".

يَا عِبَادَ اللهِ..

إِنَّ الْوَسَطِيَّةَ فِي وَقْتِنَا الْحَاضِرِ قَدْ أَصْبَحَ يَتَشَدَّقُ بِهَا كُلُّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ مِنَ الْفِرَقِ وَالْأَحْزَابِ، يَنْظُرُونَ لَهَا وَيَنْتَسِبُونَ إِلَيْهَا وَيَبْتَغُونَ بِهَا وَيُصَدِّرُونَهَا فِي مَحَاضِرِهِمْ وَنَوَاصِي بَيَانَاتِهِمْ.

لَكِنَّهُمْ حَرَّفُوا مَعْنَاهَا الصَّحِيحَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الدِّينُ الْحَنِيفُ!

إِنَّ مَفْهُومَ الْوَسَطِيَّةِ عِنْدَهُمْ يَعْنِي التَّنَازُلَ عَنْ الثَّوَابِتِ، وَالتَّفْرِيطَ فِي الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ، وَالتَّسَامُحَ مَعَ الْبَاطِلِ، وَالِالْتِقَاءَ مَعَهُ فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ.

أَعْطَوُا الدَّنِيَّةَ فِي دِينِهِمْ، وَفَرَّطُوا فِي عَقِيدَتِهِمْ بِاسْمِ "الْوَاقِعِيَّةِ وَالتَّوَازُنِ"!

أَمَّا "الْوَسَطِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ" الَّتِي جَاءَ بِهَا الْوَحْيُ، فَهِيَ السَّيْرُ عَلَى طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأَنَّهُ أَقْوَمُ الطُّرُقِ وَأَوْسَطُهَا، وَهِيَ الْعَدْلُ وَالْخِيَارُ.

الْوَسَطِيَّةُ الْحَقَّةُ هِيَ أَنْ تَكُونَ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ. أَهْلُ التَّوْحِيدِ وَالْجِهَادِ هُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ اللهِ بَيْنَ الْمُعَطِّلَةِ وَالْمُمَثِّلَةِ، وَوَسَطٌ فِي بَابِ الْوَعِيدِ بَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْوَعِيدِيَّةِ، وَوَسَطٌ فِي بَابِ الْإِيمَانِ بَيْنَ الْحَرُورِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَوَسَطٌ فِي بَابِ أَفْعَالِ اللهِ بَيْنَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ.

فَلَا تَغْتَرُّوا بِمَنْ يَدْعُوكُمْ إِلَى تَمْيِيعِ الدِّينِ تَحْتَ شِعَارِ الْوَسَطِيَّةِ، فَهُمْ يُرِيدُونَ إِسْقَاطَ الرَّايَةِ وَتَرْكَ الْجِهَادِ وَمُوَالَاةَ الْكُفَّارِ.

عِبَادَ اللهِ..

فِي خِضَمِّ هَذِهِ الْفِتَنِ، تَسَاقَطَتْ أَقْنِعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَانْتَكَسَ أُنَاسٌ كَانُوا يُظَنُّ بِهِمُ الْخَيْرُ.

لَقَدْ مَرَّ بِنَا زَمَانٌ نَتَسَاءَلُ فِيهِ عَنْ أَسْبَابِ انْتِكَاسَةِ هَؤُلَاءِ وَانْقِلَابِهِمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ.

يَكَادُ الْمَرْءُ وَهُوَ يَقْرَأُ عَنْ سِيَرِ الْمُنْتَكِسِينَ يَنْسَى قِصَّةَ زَعِيمِ الْمُنْتَكِسِينَ، وَقَائِدِ الْمُنْقَلِبِينَ الْخَاسِرِينَ، "إِبْلِيسَ" عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ.

لَقَدْ كَانَ إِبْلِيسُ عَابِدًا للهِ فِي السَّمَاءِ، ظَاهِرُهُ الْعِلْمُ وَالصَّلَاحُ، لَكِنَّ اللهَ -تَعَالَى- كَانَ يَعْلَمُ مَا اسْتَتَرَ فِي قَلْبِهِ مِنْ سُوءِ الطَّوِيَّةِ، فَلَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ، بَدَأَ مَكْنُونُ الصَّدْرِ الْإِبْلِيسِيِّ يَظْهَرُ لِلْعَلَنِ، وَأَخَذَتْ بَذْرَةُ الْحَسَدِ تَكْبُرُ فِي دَاخِلِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا.

حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقْتُ التَّمْحِيصِ، وَأَمَرَ الْحَقُّ جَلَّ جَلَالُهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، انْكَشَفَ الْغِطَاءُ، فَقَالَ إِبْلِيسُ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾، وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ.

أَرَأَيْتُمْ كَيْفَ أَنَّ "أَمْرَاضَ الْقُلُوبِ الْخَفِيَّةَ" هِيَ سَبَبُ الْهَلَاكِ؟

يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ: "أَرْكَانُ الْكُفْرِ أَرْبَعَةٌ: الْكِبْرُ وَالْحَسَدُ وَالْغَضَبُ وَالشَّهْوَةُ".

وَلَا تَحْسَبُوا أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِإِبْلِيسَ فَقَطْ، بَلْ تَكَرَّرَ مَعَ بَلْعَامَ بْنِ بَاعُورَاءَ الَّذِي آتَاهُ اللهُ آيَاتِهِ فَانْسَلَخَ مِنْهَا، وَمَعَ عُبَّادٍ وَزُهَّادٍ اغْتَرُّوا بِأَنْفُسِهِمْ.

إِنَّ الْمُقْتَدِينَ بِإِبْلِيسَ وَالْمُتَشَبِّعِينَ بِأَمْرَاضِهِ فِي عَصْرِنَا كُثُرٌ، سِيَرُهُمْ وَقِصَصُهُمْ مُتَشَابِهَةٌ، وَلَا تَزَالُ غَرَابِيلُ التَّمْحِيصِ تُسْقِطُهُمْ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ.

فَاحْذَرُوا -يَرْحَمُكُمُ اللهُ- مِنَ الْعُجْبِ وَالْغُرُورِ، وَلَا يَأْمَنَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى نَفْسِهِ.

فَإِذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ وَيَقُولُ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، فَكَيْفَ بِنَا نَحْنُ؟

إِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ، وَالْقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ..

فِي هَذَا الْعَالَمِ الْمُضْطَرِبِ، وَبَيْنَ دُعَاةِ النِّفَاقِ وَالْوَسَطِيَّةِ الْمُحَرَّفَةِ، وَمَزَالِقِ الِانْتِكَاسَةِ، لَا نَجَاةَ إِلَّا بِالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللهِ الْمَتِينِ.

تَمَسَّكُوا بِالْجَمَاعَةِ -جَمَاعَةِ الْحَقِّ وَإِنْ قَلَّ أَهْلُهَا- فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَإِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ، وَلَا تَغْتَرُّوا بِالْكَثْرَةِ، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، الصَّادِقُ الْوَعْدُ الْأَمِينُ.

أَمَّا بَعْدُ،

فَيَا عِبَادَ اللهِ..

إِنَّ الْعَالَمَ الْيَوْمَ يَمُرُّ بِمَخَاضٍ عَسِيرٍ، وَحُرُوبٍ لَا تَتَوَقَّفُ فِي كُلِّ بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ، تَصِلُهَا أَقْدَامُ الْمُوَحِّدِينَ جُنُودًا وَمُنَاصِرِينَ، أَنْصَارًا وَمُهَاجِرِينَ.

هَذِهِ الْمَعْرَكَةُ الْمُبَارَكَةُ -مَعْرَكَةُ التَّوْحِيدِ- ضِدَّ مِلَلِ الْكُفْرِ قَاطِبَةً، هِيَ دَعْوَةٌ لِتَجْدِيدِ الْعَزَائِمِ وَإِحْيَاءِ الْهِمَمِ. فَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ، وَلَا تَغْتَرُّوا بِمَنْ يَدْعُوكُمْ إِلَى الرُّكُونِ وَالِاصْطِفَافِ عَلَى قَارِعَةِ الْقَاعِدِينَ.

إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، بِمَكْرِهِ تَعَالَى لِأَعْدَائِهِ وَتَدْبِيرِهِ لِأَوْلِيَائِهِ وَاسْتِدْرَاجِهِ لِأَعْدَائِهِ، قَدْ أَوْقَعَ الْعَدَاوَةَ بَيْنَهُمْ مِصْدَاقًا لِوَعْدِهِ: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.

فَاسْتَبْشِرُوا بِنَصْرِ اللهِ، وَلَكِنْ خُذُوا حِذْرَكُمْ مِنْ مَزَالِقِ الشَّيْطَانِ، وَمِنْ دُعَاةِ الْوَسَطِيَّةِ الْمُحَرَّفَةِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ تَبْدِيلَ الدِّينِ.

اعْلَمُوا أَنَّ الْحَقَّ لَا يُقَاسُ بِالْعَدَدِ وَالْكَثْرَةِ، بَلْ الْكَثْرَةُ مَذْمُومَةٌ فِي مُعْظَمِ آيِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.

وَلْتَكُنْ دَعَوَاتُكُمْ دَائِمًا مَا دَعَا بِهِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.

الَّلهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ.

الَّلهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَمِنَ النُّكُوصِ عَلَى الْأَعْقَابِ.

الَّلهُمَّ طَهِّرْ صُفُوفَنَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَاكْشِفْ لَنَا أَهْلَ الزَّيْغِ وَالْأَهْوَاءِ.

الَّلهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ.

الَّلهُمَّ انْصُرْ عِبَادَكَ الْمُجَاهِدِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، الَّلهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَهُمْ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ.

الَّلهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِالْإِسْلَامِ سُوءًا فَاشْغَلْهُ فِي نَفْسِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرَهُ.

الَّلهُمَّ لَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا.

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

المصدر: مدونة الشيخ زهير حميدات

https://zuhayr-humaydat.blogspot.com/2026/01/blog-post_8.html

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صرخة الحق وفجيعة الدم { نداء عاجل إلى أهلنا في بيت أمر }

بسم الله الرحمن الرحيم صَرْخَةُ الْحَقِّ وَفَجِيعَةُ الدَّم نِدَاءٌ عَاجِلٌ إِلَى أَهْلِنَا فِي بَلْدَةِ بَيْت أُمَّر كَتَبَهُ الشَّيْ...