2026-01-21

الفصلُ الثاني مِنْ كتاب حِكَايَةُ مُؤْمِن مِنْ فِرَاشِ الْمَوْت .. إِلَى رِيَاضِ الْجَنَّة الْفَصْلُ الثَّانِي: أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَة ( الْقَبْرُ وَالْبَرْزَخ ) كَتَبَهُ الشَّيْخ : زُهَيْر بْنُ حَسَن حُمَيْدَات

الفصلُ الثاني مِنْ كتاب

حِكَايَةُ مُؤْمِن

مِنْ فِرَاشِ الْمَوْت .. إِلَى رِيَاضِ الْجَنَّة

الْفَصْلُ الثَّانِي:

أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَة ( الْقَبْرُ وَالْبَرْزَخ )

كَتَبَهُ الشَّيْخ :  زُهَيْر بْنُ حَسَن حُمَيْدَات


نَعَمْ.. لَقَدْ حَقَّتِ الْحَقِيقَةُ الَّتِي كُنَّا نَفِرُّ مِنْهَا..

وَبَدَأَتِ الْحَيَاةُ الْبَرْزَخِيَّةُ حَقًّا وَيَقِينًا..

لَقَدْ أُغْلِقَ الْبَابُ الْأَخِير..

وَانْقَطَعَتِ الْأَسْبَابُ الْوَاهِيَة..

وَأُسْدِلَ السِّتَارُ النِّهَائِيُّ عَلَى مَسْرَحِ الدُّنْيَا الصَّاخِبِ الْمَلِيءِ بِالْغُرُور..

كُنْتُ أَسْمَعُهُمْ قَبْلَ لَحَظَاتٍ وَهُمْ يُهِيلُونَ التُّرَابَ عَلَيّ..

حَفْنَةً.. بَعْدَ حَفْنَة..

صَوْتُ التُّرَابِ وَهُوَ يَرْتَطِمُ بِأَلْوَاحِ اللَّحْدِ كَانَ لَهُ وَقْعُ الصَّوَاعِقِ فِي أَعْمَاقِ رُوحِي..

كُلُّ ذَرَّةِ تُرَابٍ سَقَطَتْ فَوْقِي..

كَانَتْ تَهْمِسُ فِي أُذُنِي بِحَقِيقَةٍ مُرْعِبَة:

انْتَهَى زَمَنُ الْعَمَل.. وَبَدَأَ زَمَنُ الْجَزَاء..

لَقَدْ وُضِعَتِ اللَّبِنَات..

وَأُهِيلَ الثَّرَى..

وَانْقَطَعَ الضَّوْء..


ثُمَّ سَمِعْتُ مَا هُوَ أَشَدُّ إِيلَامًا مِنْ وَقْعِ التُّرَاب..

سَمِعْتُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ فَوْقَ رَأْسِي..

آهٍ مِنْ ذَلِكَ الصَّوْتِ الْمُوجِعِ الَّذِي يُمَزِّقُ نِيَاطَ الْقَلْب..

صَوْتُ نِعَالِ الْأَحِبَّةِ.. وَالْأَهْلِ.. وَالْخِلَّان..

هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَاشَرْتُهُمْ عُمُرًا مَدِيدًا..

وَأَفْنَيْتُ زَهْرَةَ شَبَابِي لِأَجْلِ رَاحَتِهِم..

وَجَمَعْتُ الْمَالَ لِتَأْمِينِ مُسْتَقْبَلِهِم..

هَا هُمْ الْآنَ يَنْفُضُونَ أَيْدِيَهُمْ مِنْ غُبَارِ قَبْرِي بِسُرْعَة..

وَيُتَمْتِمُونَ بِكَلِمَاتِ الْوَدَاعِ الْمُتَعَجِّلَة..

ثُمَّ يُوَلُّونَ مُدْبِرِين..

هَارِبِينَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاة..

سَمِعْتُ خُطُوَاتِهِمْ تَبْتَعِدُ.. وَتَخْفُتُ شَيْئًا فَشَيْئًا..

خُطْوَةً تِلْوَ خُطْوَة..

كُلُّ خُطْوَةٍ تَبْتَعِدُ كَانَتْ تَنْتَزِعُ قِطْعَةً حَيَّةً نَابِضَةً مِنْ قَلْبِي..

شَعَرْتُ بِالْخِذْلَانِ الْبَشَرِيِّ فِي أَقْسَى صُوَرِه..

وَدَدْتُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ لَوْ أَصْرُخُ فِيهِمْ صَرْخَةً يَسْمَعُهَا الثَّقَلَان:

إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُون؟!

أَتَتْرُكُونِي وَحِيدًا هُنَا؟!

كَيْفَ يَهُونُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتْرُكُوا حَبِيبَكُمْ فِي هَذَا الْعَرَاءِ الْمُوحِش؟!

لَا تَتْرُكُونِي لِلظَّلَام..

لَا تَتْرُكُونِي لِلصَّمْتِ الْقَاتِل..

لَقَدْ كُنْتُ لَكُمْ سَنَدًا..

فَلِمَاذَا تَخَلَّيْتُمْ عَنِّي الْآن؟!..

لَكِنْ هَيْهَات..

لَا مُجِيب.. وَلَا صَوْتَ يَخْرُج..

لَقَدْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْكَلَام..

وَخُتِمَ عَلَى اللِّسَان..

غَادَرَ الْأَحِبَّةُ لِيَعُودُوا إِلَى الدُّنْيَا..

سَيَعُودُونَ إِلَى مَوَائِدِهِمُ الْعَامِرَة..

وَضَحِكَاتِهِمُ الْعَالِيَة..

سَيَقْتَسِمُونَ الْمِيرَاثَ الَّذِي جَمَعْتُهُ بِكَدِّ يَمِينِي وَسَهَرِ لَيْلِي..

سَيَبْكُونَ قَلِيلًا.. رُبَّمَا يَوْمًا.. أَوْ شَهْرًا.. أَوْ سَنَة..

ثُمَّ سَتَطْوِينِي صَفَحَاتُ النِّسْيَانِ كَمَا طَوَتْ مَلَايِينَ مِنْ قَبْلِي..

وَبَقِيتُ أَنَا هُنَا..

أَسِيرُ عَمَلِي.. وَرَهِينَ حُفْرَتِي..

وَحِيدًا.. فَرِيدًا.. لَا أَنِيسَ وَلَا جَلِيسَ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ يَدَاي..


نَظَرْتُ حَوْلِي.. بِبَصِيرَتِي الْجَدِيدَة..

فَلَمْ أَرَ إِلَّا السَّوَادَ الْحَالِك..

لَيْسَ كَظَلَامِ اللَّيْلِ فِي الدُّنْيَا مَهْمَا اشْتَدّ..

فَلَيْلُ الدُّنْيَا يَتَخَلَّلُهُ ضَوْءُ نَجْمٍ بَعِيد..

أَوْ شُعَاعُ قَمَر.. أَوْ بَرِيقُ نَار..

أَمَّا هُنَا.. فَالظَّلَامُ كَثِيف.. ثَقِيل..

ظَلَامٌ يَضْغَطُ عَلَى الْعَيْنِ وَالرُّوحِ كَالْجَبَلِ الْجَاثِم..

لَا أَرَى يَدِي الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إِلَيّ..

وَلَا أَرَى جُدْرَانَ لَحْدِي الَّتِي تُحِيطُ بِي..

سَادَ صَمْتٌ مُطْبِق..

صَمْتٌ مُرْعِبٌ يَخْلَعُ الْفُؤَاد..

لَمْ أَسْمَعْ مِثْلَهُ مُنْذُ نُفِخَتْ فِيَّ الرُّوحُ فِي رَحِمِ أُمِّي..

صَمْتٌ يَجْعَلُكَ تَسْمَعُ صَدَى أَفْكَارِكَ يَتَرَدَّدُ فِي جُمْجُمَتِكَ كَالْجَرَس..

صَمْتٌ يَجْعَلُكَ تَسْمَعُ دَبِيبَ الدُّودِ وَالْهَوَامِّ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ وَهِيَ تَتَحَرَّك..

شُعُورٌ جَارِفٌ بِالْغُرْبَةِ يَجْتَاحُ كِيَانِي..

غُرْبَةٌ لَا تُشْبِهُ غُرْبَةَ السَّفَرِ عَنِ الْأَوْطَان..

وَلَا بُعْدَ الْمُحِبِّ عَنِ الْحَبِيب..

إِنَّهَا غُرْبَةُ الْعَالَمِ الْآخَر..

غُرْبَةُ الِانْتِقَالِ مِنْ عَالَمِ الْأَسْبَابِ وَالْمَادَّةِ الْمَلْمُوسَة..

إِلَى عَالَمِ الْحَقَائِقِ الْمُطْلَقَةِ وَالْغَيْبِ الْمَكْشُوف..

عَادَتْ رُوحِي لِتَتَّصِلَ بِجَسَدِي اتِّصَالًا بَرْزَخِيًّا خَاصًّا..

سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ لَا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إِلَّا هُو..

لَيْسَ كَاتِّصَالِ الدُّنْيَا..

فَلَا دَمٌ يَجْرِي فِي الْعُرُوقِ لِيَبْعَثَ الدِّفْءَ وَالْحَيَاة..

وَلَا نَفَسٌ يَتَرَدَّدُ فِي الصُّدُورِ لِيَمْلَأَ الرِّئَتَيْنِ بِالْهَوَاء..

لَكِنَّ الْإِدْرَاكَ أَصْبَحَ أَقْوَى بِمِئَاتِ الْمَرَّاتِ مِمَّا كَانَ عَلَيْه..

وَالْحَوَاسَّ أَصْبَحَتْ حَدِيدًا لَا يَحْجُبُهَا شَيْء..

تَحَقَّقَ قَوْلُ رَبِّي:

﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد﴾..

بَصَرِي الْيَوْمَ يَرَى مَا لَا يُرَى..

وَسَمْعِي يَخْتَرِقُ الْحُجُبَ وَالْأَسْتَارَ وَالطَّبَقَات..

أَسْمَعُ تَسْبِيحَ الْحَصَى مِنْ فَوْقِي..

وَأَنِينَ الْجُذُورِ مِنْ تَحْتِي..

وَأُدْرِكُ مَا كَانَ مَحْجُوبًا عَنِ الْأَنْظَارِ فِي دَارِ الْغُرُور..

مَرَّ شَرِيطُ حَيَاتِي أَمَامَ عَيْنَيَّ فِي لَحْظَاتٍ خَاطِفَة..

تَذَكَّرْتُ غَسْلِي وَالْمَاءُ يُصَبُّ عَلَى جَسَدِي السَّاكِن..

تَذَكَّرْتُ تَكْفِينِي فِي ذَلِكَ الْقُمَاشِ الْأَبْيَضِ الَّذِي صَارَ لِبَاسِيَ الْوَحِيد..

يَا لَهَا مِنْ حَسْرَةٍ عَلَى سَاعَةٍ ضَاعَتْ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّه..

وَيَا لَهَا مِنْ فَرْحَةٍ بِلَحْظَةِ صِدْقٍ خَلَوْتُ فِيهَا مَعَ اللَّهِ فَبَكَتْ عَيْنَاي..


وَفِي غَمْرَةِ هَذَا السُّكُونِ الْمُخِيفِ وَالتَّفْكِيرِ الْعَمِيق..

حَدَثَ مَا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَال..

وَمَا لَمْ تَرَهُ عَيْن..

اهْتَزَّتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِي وَمِنْ حَوْلِي اهْتِزَازًا غَرِيبًا..

لَيْسَ اهْتِزَازَ زِلْزَالٍ يُدَمِّرُ وَيُخَرِّب..

بَلْ اهْتِزَازَ كَائِنٍ حَيٍّ يَشْعُرُ وَيَتَنَفَّسُ وَيَتَكَلَّم..

سَمِعْتُ صَوْتًا لَا يُشْبِهُ أَصْوَاتَ الْبَشَرِ فِي شَيْء..

صَوْتًا عَمِيقًا.. مَهِيبًا..

يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ ذَرَّةِ تُرَابٍ حَوْلِي..

يَخْرُجُ مِنَ الْجُدْرَان.. وَمِنَ السَّقْف.. وَمِنَ الْقَاع..

إِنَّهَا الْأَرْضُ تَتَكَلَّم!

تِلْكَ الْجَمَادَاتُ الَّتِي كُنَّا نَظُنُّهَا خَرْسَاءَ لَا تَعْقِل..

أَذِنَ اللَّهُ لَهَا الْآنَ أَنْ تَنْطِقَ بِالْحَقِّ الْمُبِين..

الْأُمُّ الْكُبْرَى الَّتِي حَمَلَتْنَا عَلَى ظَهْرِهَا أَحْيَاءً نَأْكُلُ مِنْ خَيْرَاتِهَا..

تَضُمُّنَا الْيَوْمَ فِي بَطْنِهَا أَمْوَاتًا إِلَى أَنْ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّه..

ارْتَجَفَ قَلْبِي..

وَتَسَاءَلْتُ فِي ذُعْر:

مَاذَا سَتَقُول؟

هَلْ سَتَلْعَنُنِي؟

هَلْ سَتَغْضَبُ لِمَعَاصٍ اقْتَرَفْتُهَا عَلَى ظَهْرِهَا؟

هَلْ سَتَشْكُو خُطْوَاتِي الَّتِي غَفَلْتُ فِيهَا عَنِ اللَّه؟

لَكِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سَبَقَتْ غَضَبَه..

تَكَلَّمَتِ الْأَرْضُ بِنَبْرَةِ حَنَانٍ وَاشْتِيَاقٍ لَمْ أَعْهَدْهَا..

نَبْرَةٍ تُشْبِهُ عِتَابَ الْمُحِبِّ لِلْمُحِبّ..

وَلَهْفَةَ الْأُمِّ لِوَلَدِهَا الْغَائِب..

قَالَتْ وَصَوْتُهَا يَسْرِي فِي أَوْصَالِي كَالتَّيَّارِ اللَّطِيف:

أَمَا وَاللَّهِ.. يَا عَبْدَ اللَّه..

إِنْ كُنْتَ لَمِنْ أَحَبِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيّ..

كُنْتُ أَرْقُبُ خُطْوَاتِكَ الْهَادِئَةَ وَأَنْتَ تَمْشِي إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الْغَلَس.. فَأَفْرَح..

وَكُنْتُ أَشْعُرُ بِثِقَلِ جَسَدِكَ حِينَ تَخِرُّ سَاجِدًا تَبْكِي بَيْنَ يَدَيِ اللَّه.. فَأَفْتَخِر..

وَكُنْتُ أَسْمَعُ تَسْبِيحَكَ وَقِرَاءَتَكَ لِلْقُرْآنِ حِينَ يَغْفُلُ النَّاس.. فَأَشْهَدُ لَك..

وَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْم.. وَصِرْتَ إِلَيّ..

وَعُدْتَ إِلَى حِضْنِي.. وَسَكَنْتَ فِي جَوْفِي..

فَسَتَرَى صَنِيعِي بِك..

وَسَتَرَى كَرَامَتَكَ عِنْدِي بِأَمْرِ رَبِّي..

لَمْ تَتَوَعَّدْنِي..

بَلْ وَعَدَتْنِي بِالْإِكْرَامِ وَحُسْنِ الضِّيَافَة..

تَنَفَّسْتُ الصُّعَدَاء..

وَهَدَأَ رَوْعِي قَلِيلًا..

وَأَيْقَنْتُ أَنَّ رَبِّي لَنْ يُضَيِّعَنِي..


وَلَكِنْ.. لَمْ يَكَدْ يَنْتَهِي كَلَامُ الْأَرْض..

حَتَّى بَدَأَ الْفِعْل.. لِتُصَدِّقَ الْأَرْضُ قَوْلَهَا..

تَحَرَّكَتِ الْجُدْرَانُ التُّرَابِيَّةُ نَحْوِي..

اقْتَرَبَ السَّقْف.. وَارْتَفَعَ الْقَاع..

وَانْطَبَقَ الْيَمِينُ عَلَى الشِّمَال..

إِنَّهَا ضَمَّةُ الْقَبْر!

تِلْكَ اللَّحْظَةُ الْحَاسِمَةُ الَّتِي لَا يَنْجُو مِنْهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَم..

لَا صَغِيرٌ وَلَا كَبِير..

وَلَا صَالِحٌ وَلَا طَالِح..

حَتَّى سَعْدُ بْنُ مُعَاذ..

سَيِّدُ الْأَوْس.. الَّذِي اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَن..

وَشَيَّعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَمْ يَنْزِلُوا إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَهَا..

هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْش..

وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاء..

وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَة..

لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّة..

ثُمَّ فُرِّجَ عَنْه..

انْقَبَضَ قَلْبِي خَوْفًا وَهَلَعًا..

هَلْ هِيَ ضَمَّةُ عَذَاب؟!

هَلْ سَتَتَكَسَّرُ فِيهَا أَضْلَاعِي وَتَخْتَلِفُ كَمَا يَحْدُثُ لِلْكَافِر؟!

هَلْ سَأَصْرُخُ مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ فَلَا يَسْمَعُنِي إِلَّا الْبَهَائِم؟!

اقْتَرَبَ التُّرَاب.. وَلَامَسَ جِلْدِي..

شَعَرْتُ بِبُرُودَةِ الْأَرْضِ وَثِقَلِهَا يَتَزَايَد..

لَكِنْ.. يَا لِرَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء..

مَا إِنْ لَامَسَتْنِي الْأَرْضُ حَتَّى تَحَوَّلَ الْخَوْفُ إِلَى سَكِينَةٍ عَجِيبَة..

ضَمَّتْنِي الْأَرْضُ ضَمَّةً رَفِيقَةً دَافِئَة..

لَيْسَتْ ضَمَّةَ انْتِقَامٍ وَتَكْسِير..

بَلْ ضَمَّةَ اشْتِيَاقٍ وَتَطْهِير..

كَضَمَّةِ الْأُمِّ الشَّفِيقَةِ لِوَلَدِهَا الْعَائِدِ مِنْ سَفَرٍ طَوِيلٍ وَشَاقّ..

ضَمَّةُ حَنَانٍ تَنْفُضُ عَنِّي غُبَارَ الدُّنْيَا وَأَوْضَارَهَا..

شَعَرْتُ أَنَّ الْأَرْضَ تَمْتَصُّ مِنْ جَسَدِي وَرُوحِي كُلَّ تَعَبِ السِّنِين..

خَرَجَ فِي تِلْكَ الضَّمَّةِ أَلَمُ الْمَرَضِ الَّذِي أَنْهَكَنِي قَبْلَ الْمَوْت..

وَخَرَجَ نَصَبُ الْجِهَادِ وَمُكَابَدَةُ الطَّاعَاتِ وَقِيَامُ اللَّيْل..

وَخَرَجَتْ هُمُومُ الدُّنْيَا وَأَحْزَانُهَا الَّتِي أَثْقَلَتْ كَاهِلِي..

كَانَتْ عَصْرَةَ تَطْهِير.. وَمَسْحَةَ حَنَان..

تُخْبِرُنِي أَنِّي عُدْتُ إِلَى أَصْلِي..

إِلَى التُّرَابِ الطَّاهِرِ الْمُطِيعِ لِرَبِّه..

بَعْدَهَا تَرَاجَعَتِ الْأَرْضُ قَلِيلًا.. وَفَرَّجَتْ عَنِّي..

لِأَجِدَ نَفْسِي قَادِرًا عَلَى الْحَرَكَة..

فَاسْتَوَيْتُ جَالِسًا..

نَعَمْ جَلَسْتُ فِي قَبْرِي..

لَقَدْ سَقَطَتْ عَنِّي قَوَانِينُ الْفِيزْيَاءِ الدُّنْيَوِيَّة..

لَمْ يَعُدِ السَّقْفُ قَرِيبًا..

وَلَمْ يَعُدِ اللَّحْدُ ضَيِّقًا..


وَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي هَذَا الظَّلَامِ أَتَرَقَّبُ الْمَجْهُول..

بَدَأَتِ الْمُعْجِزَاتُ تَتَوَالَى..

بَدَأَ نُورٌ خَافِتٌ يَتَشَكَّلُ حَوْلِي..

يَنْبَثِقُ مِنَ الْعَدَم..

يَتَجَمَّعُ مِنْ جُزَيْئَاتِ الْهَوَاءِ الْبَرْزَخِيّ..

لَسْتُ وَحِيدًا كَمَا ظَنَنْت!

يَبْدُو أَنَّ لِي أَعْوَانًا وَحُرَّاسًا أَوْفِيَاءَ نَزَلُوا مَعِي..

لَمْ يَتْرُكُونِي عِنْدَ بَابِ الْقَبْرِ كَمَا فَعَلَ الْأَهْلُ وَالْمَالُ وَالْوَلَد..

بَلْ دَخَلُوا مَعِي لِيُؤْنِسُوا وَحْدَتِي وَيُبَدِّدُوا وَحْشَتِي..

تَجَسَّدَتْ أَعْمَالِي الصَّالِحَةُ كَكِيَانَاتٍ نُورَانِيَّةٍ دِفَاعِيَّة..

كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ فَعَلْتُهُ فِي الدُّنْيَا خَالِصًا لِلَّه..

تَجَسَّدَ الْآنَ عَلَى هَيْئَةٍ تُلِيقُ بِه..

عِنْدَ رَأْسِي..

رَأَيْتُ نُورًا عَظِيمًا شَامِخًا يَمْلَأُ الْمَكَانَ هَيْبَةً وَوَقَارًا..

إِنَّهَا الصَّلَاة!

عَمُودُ الدِّين.. وَقُرَّةُ الْعَيْن..

تِلْكَ الرَّكَعَاتُ الَّتِي حَافَظْتُ عَلَيْهَا وَالنَّاسُ يَلْهُون..

وَتِلْكَ السَّجَدَاتُ الَّتِي بَلَّلْتُ فِيهَا الْأَرْضَ بِدُمُوعِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَام..

وَتِلْكَ التَّكْبِيرَاتُ الَّتِي كَانَتْ تَمْلَأُ صَدْرِي..

تَجَسَّدَتِ الْآنَ لِتَقِفَ حَارِسًا شَخْصِيًّا لِرَأْسِي..

وَقَفَتِ الصَّلَاةُ كَالْحَارِسِ الْأَمِينِ تَقُولُ بِصَوْتٍ صَارِمٍ حَازِم:

لَنْ يَأْتِيَهُ الْخَطَرُ مِنْ قِبَلِي..

طَالَمَا سَجَدَ هَذَا الرَّأْسُ خُضُوعًا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار..

وَطَالَمَا خَرَّتْ هَذِهِ الْجَبْهَةُ تَعْظِيمًا لِمَوْلَاهَا..

لَا مَدْخَلَ لِلْخَوْفِ مِنْ هُنَا.. أَنَا أَكْفِيهِ هَذِهِ الْجِهَة..

وَعَنْ يَمِينِي..

رَأَيْتُ كِيَانًا نُورَانِيًّا آخَر..

إِنَّهُ الصِّيَام..

هَيْئَةٌ قَوِيَّةٌ.. صَبُورَة..

تَحْمِلُ مَلَامِحَ التَّحَمُّلِ وَالْجَلَدِ وَالْإِصْرَار..

يُشِعُّ مِنْهَا ضِيَاءٌ خَاصٌّ يُشْبِهُ ضِيَاءَ بَابِ الرَّيَّانِ فِي الْجَنَّة..

رَائِحَتُهُ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْك.. هِيَ رَائِحَةُ خُلُوفِ الصَّائِم..

نَظَرَ إِلَيَّ بِابْتِسَامَةِ رِضًا وَقَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ وَوَاثِق:

لَنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ مِنْ جِهَتِي..

فَقَدْ أَظْمَأَ نَهَارَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ فِي هَوَاجِرِ الدُّنْيَا..

وَمَنَعَ نَفْسَهُ الشَّهَوَاتِ وَالطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا..

صَبَرَ فِي الدُّنْيَا.. فَحُقَّ لَهُ أَنْ يَأْمَنَ الْيَوْم..

وَعَنْ يَسَارِي..

رَأَيْتُ الزَّكَاةَ وَالْجِهَاد..

يَا لَهُ مِنْ مَنْظَرٍ يَبْعَثُ الْعِزَّةَ وَالْفَخْرَ فِي النَّفْس!

الْجِهَادُ يَقِفُ كَالْفَارِسِ الشُّجَاعِ الْمُدَجَّجِ بِالسِّلَاح..

عَيْنَاهُ تَقْدَحَانِ شَرَرًا عَلَى مَنْ يُرِيدُ بِي سُوءًا..

يَبْدُو ضَخْمًا مَهِيبًا..

يُحِيطُ بِهِ غُبَارُ الْمَعَارِك..

وَقَفَ يَقُولُ بِتَحَدٍّ لِكُلِّ الْمَخَاوِفِ الْمُحْتَمَلَة:

أَنَا حِمَايَتُه.. أَنَا دِرْعُه..

لَقَدْ بَذَلَ دَمَهُ وَمَالَهُ رَخِيصًا فِي سَبِيلِ اللَّه..

وَبَاعَ دُنْيَاهُ الْفَانِيَةَ لِيَشْتَرِيَ هَذِهِ اللَّحْظَةَ الْبَاقِيَة..

مَنْ ذَا الَّذِي يَجْرُؤُ أَنْ يَمَسَّهُ وَأَنَا هُنَا؟!..

وَبِجَانِبِهِ الزَّكَاةُ.. كَنُورٍ دَافِئٍ يَحْمِي وَيُظِلُّ وَيُطَمْئِن..

وَعِنْدَ رِجْلَيّ..

رَأَيْتُ جَيْشًا مِنَ الْأَنْوَارِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَة..

إِنَّهَا فِعْلُ الْخَيْرَات..

خُطُوَاتِي إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ وَالْبَرْد..

صِلَةُ الرَّحِمِ وَالسَّعْيُ فِي حَاجَةِ الْأَقَارِب..

صَدَقَةُ السِّرِّ الَّتِي لَمْ تَعْلَمْ بِهَا شِمَالِي..

إِغَاثَةُ الْمَلْهُوف.. وَجَبْرُ الْخَوَاطِر.. وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَة..

وَبِرُّ الْوَالِدَيْن.. وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَة..

وَقَفَتْ جَمِيعًا تَحْرُسُ قَدَمَيَّ قَائِلَة:

لَنْ يَأْتِيَهُ الْعَذَابُ مِنْ قِبَلِنَا..

فَقَدْ تَوَرَّمَتْ هَذِهِ الْأَقْدَامُ فِي مَرْضَاةِ اللَّه..

وَسَعَتْ فِي الْخَيْرِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاس..

وَمَا مَشَتْ إِلَى حَرَامٍ قَطّ..

أَصْبَحْتُ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ مِنْ كُلِّ جَانِب..

نَظَرْتُ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَارِ بِفَخْرٍ وَامْتِنَان..

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُضَيِّعْ عَمَلِي..

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَنِي لِهَذَا وَمَا كُنْتُ لِأَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانِيَ اللَّه..

كُلُّ رَكْعَةٍ صَلَّيْتُهَا وَأَنَا أُغَالِبُ النُّعَاس..

وَكُلُّ دِرْهَمٍ أَنْفَقْتُهُ وَيَدِي تَرْتَجِفُ خَوْفًا مِنَ الْفَقْر..

وَكُلُّ لَحْظَةِ صَبْرٍ عَلَى الْأَلَمِ وَالْبَلَاء..

حَضَرَتِ الْيَوْمَ لِتَرُدَّ الْجَمِيل..

وَتُؤْنِسَ الْوَحْدَة.. وَتَدْفَعَ الْخَطَر..


وَبَيْنَمَا أَنَا فِي نَشْوَةِ الْأَمَانِ بَيْنَ أَعْمَالِي.. وَقَدْ هَدَأَتْ نَفْسِي..

حَدَثَ مَا يُشِيبُ لَهُ الْوِلْدَان.. وَتَطِيشُ لَهُ الْعُقُول..

تَغَيَّرَ لَوْنُ التُّرَابِ حَوْلِي مِنْ لَوْنِهِ الطِّينِيِّ الْمَعْهُودِ إِلَى زُرْقَةٍ مُخِيفَةٍ قَاتِمَة..

وَاهْتَزَّتْ أَرْكَانُ الْقَبْرِ اهْتِزَازَ زِلْزَالٍ عَنِيفٍ كَادَ يَخْلَعُ الْقَلْبَ مِنْ مَكَانِه..

انْشَقَّتِ الْأَرْضُ عَنْ كَائِنَيْنِ عَظِيمَيْنِ لَمْ تَرَ الْعَيْنُ مِثْلَهُمَا قَطّ..

وَلَمْ يَخْطُرْ شَكْلُهُمَا وَلَا هَيْبَتُهُمَا عَلَى قَلْبِ بَشَر..

لَقَدْ حَانَ مَوْعِدُ الِاخْتِبَارِ الْأَكْبَر..

حَضَرَ فَتَّانَا الْقَبْر..

الْمَلَكَانِ الشَّدِيدَان..

مُنْكَرٌ وَنَكِير!

مَلَكَانِ أَزْرَقَانِ أَسْوَدَان..

يَنْبَعِثُ مِنْهُمَا هَوْلٌ لَا يُوصَف.. وَشِدَّةٌ لَا تُحْتَمَل..

أَصْوَاتُهُمَا لَيْسَتْ كَالْكَلَام..

بَلْ كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ الْمُدَوِّي بَيْنَ الْجِبَالِ الصُّمّ..

وَأَبْصَارُهُمَا كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ الَّذِي يَكَادُ يَخْطَفُ الْأَبْصَار..

مَعَهُمَا مَطَارِق (مَرْزَبَّات) مِنْ حَدِيدٍ ثَقِيل..

لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ شَامِخٌ لَصَارَ تُرَابًا مَنْثُورًا فِي لَحْظَة..

مَنْظَرٌ يَخْلَعُ الْقَلْبَ وَيُطِيشُ بِعَقْلِ مَنْ لَا زَادَ لَه..

يَنْبُشَانِ الْأَرْضَ بِأَنْيَابِهِمَا نَبْشًا عَنِيفًا يُثِيرُ الرُّعْب..

وَيَجُرَّانِ شُعُورَهُمَا الطَّوِيلَةَ عَلَى الْأَرْضِ فَتُحْدِثُ صَوْتًا كَحَفِيفِ الْأَفَاعِي..

تَقَدَّمَا نَحْوِي بِعَزْمٍ وَشِدَّةٍ لِيَمْتَحِنَا إِيمَانِي وَثَبَاتِي..

وَقَفَا أَمَامِي كَالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ الَّتِي تَسُدُّ الْأُفُق..

ارْتَجَفَتْ رُوحِي لِهَيْبَةِ الْمَوْقِف..

وَجَفَّ رِيقِي..

وَتَسَارَعَتْ نَبَضَاتُ قَلْبِي الْبَرْزَخِيّ..

فَهَلْ سَأَثْبُت؟!

هَلْ سَيَنْطِقُ لِسَانِي؟! أَمْ سَيَخُونُنِي وَيَنْعَقِد؟!

هَلْ سَأَتَذَكَّرُ رَبِّي وَدِينِي وَنَبِيِّي؟! أَمْ سَيَمْحُوهُ الْهَوْلُ وَالْفَزَعُ مِنَ الذَّاكِرَة؟!


أَرَادَا أَنْ يَقْتَحِمَا عَلَيَّ الْحِصْنَ مِنْ قِبَلِ رَأْسِي..

لِيَبْدَآ السُّؤَالَ وَالْحِسَابَ وَالِانْتِهَار..

فَتَحَرَّكَتِ الصَّلَاةُ فَوْرًا..

انْتَفَضَتْ كَالْأَسَدِ الْهَصُورِ وَصَرَخَتْ فِي وُجُوهِهِمَا بِقُوَّةٍ وَثَبَاتٍ وَيَقِين:

لَا مَدْخَلَ لَكُمَا مِنْ قِبَلِي.. إِلَيْكُمَا عَنْه..

طَالَمَا كَابَدَ اللَّيْلَ وَسَهَرَ يُنَاجِي رَبَّهُ وَالنَّاسُ نِيَام..

وَاللَّهِ لَا أُسْلِمُهُ الْيَوْمَ أَبَدًا..

وَلَنْ أَخْذُلَهُ كَمَا لَمْ يَخْذُلْنِي فِي الدُّنْيَا..

تَوَقَّفَ الْمَلَكَانِ مَذْهُولَيْنِ مِنْ قُوَّةِ الدِّفَاع..

حَاوَلَا الْهُجُومَ مِنْ جِهَةِ الْيَمِين..

فَصَدَّهُمَا الصِّيَامُ بِحَزْمٍ شَدِيد..

لَا مَدْخَل.. فَقَدْ عَطِشَ لِوَجْهِ اللَّه..

حَاوَلَا مِنَ الْيَسَار..

فَاسْتَلَّ الْجِهَادُ سَيْفَ الْعِزَّةِ وَوَقَفَ شَامِخًا كَالْجَبَل:

مَهْلًا.. هَذَا مُجَاهِد..

بَطَلٌ مِنْ أَبْطَالِ الْأُمَّة..

لَيْسَ مِثْلَهُ مَنْ يُرَوَّع..

تَأَدَّبَا فِي حَضْرَةِ مَنْ بَذَلَ الرُّوحَ لِرَبِّه..

فَلَمَّا رَأَيَا هَذَا الِاصْطِفَافَ النُّورَانِيَّ وَالدِّفَاعَ الْمُسْتَمِيت..

حَدَثَ التَّحَوُّلُ الْعَجِيبُ الَّذِي لَا يَحْدُثُ إِلَّا لِلْمُؤْمِن..

تَغَيَّرَتْ مَلَامِحُهُمَا الْمُرْعِبَةُ تَدْرِيجِيًّا..

ذَهَبَ الْعُبُوسُ وَالْقَسْوَةُ وَالشِّدَّة..

وَحَلَّ مَحَلَّهُمَا الْوَقَارُ وَالِاحْتِرَامُ وَالسَّكِينَة..

عَرَفَا أَنَّهُمَا فِي حَضْرَةِ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّه..

وَمُؤْمِنٍ صَادِقٍ حَفِظَهُ اللَّهُ بِعَمَلِهِ الصَّالِح..

فَانْقَلَبَا مِنْ جَلَّادَيْنِ مُعَذِّبَيْن.. إِلَى مُمْتَحِنَيْنِ عَادِلَيْن..

أَجْلَسَانِي بِرِفْق.. كَمَا يُوقَظُ النَّائِمُ الْمُجْهَد..

وَجَلَسَا أَمَامِي بِهَيْبَةِ الْمُلُوك..

وَقَالَا بِلُطْفٍ لَمْ أَتَوَقَّعْه:

اجْلِسْ يَا عَبْدَ اللَّه.. لَا بَأْسَ عَلَيْك.. وَلْتُجِبْنَا بِصِدْق..

مَنْ رَبُّك؟..

هَدَأَ رَوْعِي تَمَامًا..

وَنَزَلَتْ عَلَيَّ السَّكِينَةُ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا تَنْزِلُ قَطَرَاتُ النَّدَى عَلَى الزَّهْرَةِ الظَّمْأَى..

نَظَرْتُ فِي عُيُونِهِمَا مُبَاشَرَةً دُونَ خَوْف..

هَذَا السُّؤَالُ الَّذِي يُرْعِبُ الْمُنَافِقَ فِي الدُّنْيَا..

وَجَدْتُهُ أَسْهَلَ سُؤَالٍ وُجِّهَ لِي فِي وُجُودِي كُلِّه..

مَنْ رَبُّك؟!

كَيْفَ لَا أَعْرِفُهُ وَقَدْ قَضَيْتُ عُمْرِي أُنَادِيه؟!

كَيْفَ لَا أَعْرِفُهُ وَقَدْ مَرَّغْتُ جَبْهَتِي فِي التُّرَابِ تَذَلُّلًا لَه؟!

وَجَاهَدْتُ لِإِعْلَاءِ كَلِمَتِه؟!

اسْتَجْمَعْتُ قِوَاي..

وَنَطَقْتُ بِالثَّبَاتِ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِين:

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾..


وَلَكِنْ.. قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ الْكَلِمَاتُ مِنْ فَمِي..

شَعَرْتُ بِحَرَكَةٍ عَجِيبَةٍ فِي صَدْرِي..

شَعَرْتُ أَنَّ قَلْبِي يَتَوَهَّجُ كَالْمِصْبَاحِ الدُّرِّيّ..

وَأَنَّ شَيْئًا مَا يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ لِيُشَارِكَ فِي مَعْرَكَةِ الثَّبَات..

فَجْأَة..

انْبَثَقَ مِنْ جَوْفِي نُورٌ لَهُ دَوِيٌّ عَذْبٌ كَدَوِيِّ النَّحْل..

إِنَّهَا سُورَةُ الْمُلْك!

تِلْكَ الثَّلَاثُونَ آيَةً الَّتِي صَاحَبْتُهَا فِي الدُّنْيَا..

تِلْكَ الَّتِي عَضَضْتُ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ كَمَا أَوْصَانِي حَبِيبِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ..

لَقَدْ تَجَسَّدَتِ الْآنَ لِتُدَافِعَ عَنِّي..

وَقَفَتِ السُّورَةُ تُجَادِلُ الْمَلَكَيْنِ عَنِّي!

نَعَمْ.. كَلَامُ اللَّهِ يُحَاجِجُ مَلَائِكَةَ اللَّه..

سَمِعْتُهَا تَقُولُ بِصَوْتٍ يَخْرِقُ الصَّمْتَ وَيَمْلَأُ الْأُفُق:

يَا مَلَائِكَةَ رَبِّي..

إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ كَانَ يَحْفَظُنِي فِي جَوْفِه..

وَكَانَ يَتَمَسَّكُ بِي عِنْدَ النَّوْمِ حَتَّى تَغْفُوَ عَيْنَاه..

فَوَعِزَّةِ اللَّهِ لَا أُفَارِقُهُ الْيَوْمَ حَتَّى أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَأُنَجِّيَهُ مِنْكُمَا..

نَظَرَ الْمَلَكَانِ إِلَى هَذِهِ الشَّفِيعَةِ بِإِجْلَالٍ وَخُشُوع..

وَأَدْرَكَا أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ حُسِم..

قَالَتِ السُّورَةُ لِي:

لَا تَخَفْ.. أَجِبْهُمَا.. أَنَا الْمَانِعَة.. أَنَا الْمُنْجِيَة..

فَارْتَفَعَ رَأْسِي عِزًّا.. وَامْتَلَأَ صَدْرِي يَقِينًا..

وَقُلْتُ بِصَوْتٍ ثَابِتٍ لَا ارْتِعَاشَ فِيه:

رَبِّيَ اللَّه..

قُلْتُهَا وَأَنَا أَتَذَكَّرُ كُلَّ سَجْدَةٍ وَكُلَّ دَمْعَة..

وَكُلَّ صَدَقَة..

وَكُلَّ قَطْرَةِ دَمٍ أَرَقْتُهَا فِي سَبِيلِ اللَّه..

رَبِّيَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَنِي وَرَزَقَنِي..

وَأَمَاتَنِي وَأَحْيَانِي..

وَلَمْ أُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا قَطّ..

هَزَّ الْمَلَكَانِ رُؤُوسَهُمَا تَصْدِيقًا وَرِضًا..

ثُمَّ سَأَلَانِي عَنْ دِينِي..

مَا دِيْنُك؟..

لَمْ أَحْتَجْ لِلتَّفْكِير..

فَالدِّينُ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مُجَرَّدَ خَانَةٍ فِي الْهَوِيَّةِ الشَّخْصِيَّة..

وَلَا كَلِمَةً وَرِثْتُهَا عَنْ آبَائِي..

الدِّينُ كَانَ لَحْمِي وَدَمِي..

الدِّينُ كَانَ هُوَ الْبُنْدُقِيَّةَ الَّتِي حَمَلْتُهَا فِي الْجِهَاد..

وَالْمَالَ الَّذِي دَفَعْتُهُ فِي الزَّكَاة..

وَالْجُوعَ الَّذِي تَحَمَّلْتُهُ فِي الصِّيَام..

أَشَارَ لِيَ الْجِهَادُ الْوَاقِفُ عَنْ يَسَارِي أَنْ تَكَلَّمْ يَا بَطَل..

فَقُلْتُ بِفَخْرٍ وَاعْتِزَاز:

دِينِيَ الْإِسْلَام..

الْإِسْلَامُ الَّذِي عِشْتُ عَلَيْهِ وَمِتُّ عَلَيْه..

وَقَاتَلْتُ مِنْ أَجْلِه..

لَمْ أَبْغِ بِهِ بَدَلًا..

وَلَمْ أَرْضَ عَنْهُ حِوَلًا..

ابْتَسَمَ الْمَلَكَانِ ابْتِسَامَةً أَضَاءَتْ زَوَايَا الْقَبْرِ الْمُظْلِمَة..


بَقِيَ السُّؤَالُ الْأَخِير.. وَهُوَ مِسْكُ الْخِتَام..

سُؤَالُ الْحُبِّ وَالِاتِّبَاع..

فُتِحَتْ نَافِذَةٌ صَغِيرَةٌ فِي جِدَارِ الْقَبْرِ تِجَاهَ الْقِبْلَة..

وَظَهَرَتْ لِي صُورَة.. أَوْ تَمَثُّلٌ لِرَجُلٍ عَظِيم..

صُورَةُ رَجُلٍ رَبْعَةٍ مِنَ الْقَوْم..

لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِن..

وَلَا بِالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّد..

وَهُوَ إِلَى الطُّولِ أَقْرَب..

بَادِنٌ مُتَمَاسِك..

لَيْسَ بِالْمُطَهَّم..

وَلَا بِالْمُكَلْثَم..

وَفِي وَجْهِهِ تَدْوِير..

أَزْهَرُ اللَّوْن..

لَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَق..

وَلَا بِالْآدَم..

أَنْوَرُ الْمُتَجَرَّد..

يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْر..

إِذَا سُرَّ يَسْتَنِيرُ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَر..

يَتَحَدَّرُ الْعَرَقُ مِنْ وَجْهِهِ كَاللُّؤْلُؤ..

وَلَرِيحُ عَرَقِهِ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ الْأَذْفَر..

عَظِيمُ الْهَامَة..

وَاسِعُ الْجَبِين..

أَزَجُّ الْحَاجِبَيْن..

سَوَابِغُ فِي غَيْرِ قَرَن..

بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَب..

سَهْلُ الْخَدَّيْن..

أَدْعَجُ الْعَيْنَيْن..

أَنْجَلُ الْعَيْنَيْن..

فِي بَيَاضِهِمَا حُمْرَةٌ (أَشْكَل)..

أَهْدَبُ الْأَشْفَار..

نَظَرُهُ إِلَى الْأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاء..

وَجُلُّ نَظَرِهِ الْمُلَاحَظَة..

أَقْنَى الْأَنْف..

لَهُ نُورٌ يَعْلُوه..

يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمّ..

ضَلِيعُ الْفَم..

أَشْنَب..

مُفَلَّجُ الْأَسْنَان..

إِذَا تَكَلَّمَ يُرَى كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاه..

وَفِي صَوْتِهِ صَهَل..

جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّم..

وَإِذَا ضَحِكَ تَبْدُو نَوَاجِذُه..

كَثُّ اللِّحْيَة..

لَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاء..

إِنَّمَا هِيَ شُعَيْرَاتٌ فِي الصُّدْغَيْنِ وَفِي الْعَنْفَقَةِ وَفِي مَفْرِقِ رَأْسِه..

لَيْسَ شَعْرُهُ بِالْجَعْدِ الْقَطَط..

وَلَا بِالسَّبْط..

رَجِل..

إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيصَتُهُ فَرَق..

وَإِلَّا فَلَا يُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْه..

كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّة..

بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْن..

ضَخْمُ الْكَرَادِيس..

جَلِيلُ الْمُشَاش..

بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّة..

عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى..

مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَة..

كَمِثْلِ الزِّرِّ بِهِ شَعَرَات..

سَوَاءُ الْبَطْنِ وَالصَّدْر..

عَرِيضُ الصَّدْر..

أَشْعَرُ الذِّرَاعَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَأَعَالِي الصَّدْر..

مَوْصُولُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعْرٍ كَالْخَطّ..

عَارِي الثَّدْيَيْنِ وَالْبَطْنِ مِمَّا سِوَى ذَلِك..

إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ يَبْدُو بَيَاضُ إِبْطَيْه..

شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْن..

رَحْبُ الرَّاحَة..

كَفُّهُ أَلْيَنُ مِنَ الْحَرِير..

وَأَبْرَدُ مِنَ الثَّلْج..

سَائِلُ الْأَطْرَاف..

خَمْصَانُ الْأَخْمَصَيْن..

مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاء..

مَنْهُوسُ الْعَقِبَيْن..

يُرَى بَيَاضُ سَاقَيْه..

إِذَا زَالَ زَالَ قَلْعًا..

وَيَخْطُو تَكَفُّؤًا..

وَيَمْشِي هَوْنًا..

ذَرِيعُ الْمِشْيَة..

إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَب..

وَإِذَا الْتَفَتَ يَلْتَفِتُ مَعًا..

حِينَ رَأَيْتُهُ هَتَفَ قَلْبِي بِقَوْلِ شَاعِرِهِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه:

وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي..

وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُو..

خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ..

كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُو..

سَأَلَنِي الْمَلَكَانِ وَهُمَا يُشِيرَانِ إِلَيْه:

مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟..

نَظَرْتُ إِلَيْه..

فَاقْشَعَرَّ جِلْدِي مِنَ الشَّوْق..

وَانْهَمَرَتْ دُمُوعِي غَزِيرَةً كَالْمَطَر..

هَلْ هَذَا هُو؟!

لَمْ أَرَهُ فِي الدُّنْيَا بِعَيْنِي..

وَلَكِنِّي عَرَفْتُهُ بِقَلْبِي أَلْفَ مَرَّة..

عَرَفْتُهُ مِنْ سُنَّتِهِ الَّتِي تَمَسَّكْتُ بِهَا فِي زَمَنِ الْغُرْبَة..

عَرَفْتُهُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِي عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَة..

صِحْتُ بِلَهْفَةِ الْمُشْتَاقِ الَّذِي وَجَدَ حَبِيبَهُ بَعْدَ طُولِ غِيَاب:

هُوَ رَسُولُ اللَّه..

هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ..

هُوَ حَبِيبِي وَقُرَّةُ عَيْنِي..

آمَنَّا بِهِ وَلَمْ نَرَه..

وَصَدَّقْنَاه..

وَاتَّبَعْنَا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْه..

سَأَلَانِي سُؤَالَ التَّثَبُّتِ وَالتَّأْكِيد:

وَمَا يُدْرِيك؟..

فَأَجَبْتُ الْجَوَابَ الْفَاصِلَ الَّذِي يُمَيِّزُ الْمُؤْمِنَ عَنِ الْمُقَلِّد:

قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُه..


انْتَهَى الِاسْتِجْوَاب..

وَانْتَهَتِ الْمَحْكَمَةُ الْإِلَهِيَّةُ الْعَادِلَةُ الْأُولَى بِنَجَاحٍ بَاهِر..

لَمْ أَعُدْ مُتَّهَمًا..

بَلْ صِرْتُ ضَيْفَ الشَّرَف..

وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْجَائِزَةُ وَالتَّكْرِيم..

وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْمَجِيدَة..

شَقَّ صَوْتٌ عُلْوِيٌّ حُجُبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض..

صَوْتٌ مَهِيبٌ آتٍ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَات..

صَوْتُ الْجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُه..

يُسْمِعُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض:

صَدَقَ عَبْدِي..

يَا لَهَا مِنْ كَلِمَةٍ تَزِنُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا..

شَهَادَةُ بَرَاءَةٍ مِنَ اللَّه!

صَدَقَ عَبْدِي..

فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّة..

وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّة..

وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّة..

وَلَكِنْ لِتَكْتَمِلَ النِّعْمَة.. وَلِيَعْظُمَ الشُّكْر..

يَجِبُ أَنْ أَرَى مَا نَجَوْتُ مِنْه..

وَمَا كَانَ يَنْتَظِرُنِي لَوْ ضَلَلْت..

فَتَحَ الْمَلَكَانِ بَابًا آخَرَ إِلَى جِهَةِ النَّار..

لَفَحَتْنِي سَمُومُهَا الْحَارِقَة..

وَسَمِعْتُ زَفِيرَهَا الْمُرْعِب..

وَرَأَيْتُ أَلْسِنَةَ اللَّهَبِ تَتَطَايَر..

فَارْتَعَبْتُ رُعْبًا شَدِيْدًا كَادَ يُوقِفُ قَلْبِي..

وَظَنَنْتُ أَنِّي هَالِك!

فَقَالَا لِي مُطَمْئِنَيْن:

اُنْظُرْ.. هَذَا مَقْعَدُكَ مِنَ النَّارِ لَوْ كَفَرْتَ بِاللَّه..

ثُمَّ أُغْلِقَ الْبَابُ فَوْرًا كَأَنَّهُ لَمْ يَكُن..

وَقَالَا:

لَقَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا فِي الْجَنَّة..

فَامْتَلَأَ قَلْبِي حَمْدًا وَشُكْرًا لَا يُحِيطُ بِهِ وَصْف..

فَلَوْلَا رُؤْيَةُ الْخَطَرِ لَمَا عُرِفَتْ لَذَّةُ النَّجَاة..

تَحَرَّكَ الْمَلَكُ وَضَرَبَ الْجِدَارَ بِيَدِه..

فَإِذَا بِالْقَبْرِ يَتَّسِعُ وَيَمْتَدُّ مَدَّ الْبَصَر..

لَمْ يَعُدْ حُفْرَةً ضَيِّقَة..

بَلْ صَارَ قَاعَةً مَلَكِيَّةً فَسِيحَة..

وَتَحَوَّلَ التُّرَابُ إِلَى حَرِيرٍ أَخْضَرَ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَان..

وَقَالَا لِي قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَا وَيَتْرُكَانِي فِي نَعِيمِي:

نَمْ.. نَمْ صَالِحًا.. نَمْ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْه..


رَحَلَ الْمَلَكَان..

وَأُسْدِلَ سِتَارُ الْخَوْفِ إِلَى الْأَبَد..

وَفُتِحَتْ لِي فِي الْجِدَارِ الْمُقَابِلِ طَاقَةٌ مِنْ نُور..

هَبَّ عَلَيَّ مِنْهَا نَسِيمٌ لَا يُشْبِهُ هَوَاءَ الدُّنْيَا الْمُلَوَّث..

إِنَّهُ الرَّوْحُ وَالرَّيْحَان..

رَائِحَةُ الْجَنَّةِ الَّتِي أَنْسَتْنِي كُلَّ أَلَمٍ ذُقْتُهُ مُنْذُ وِلَادَتِي..

وَبَيْنَمَا أَنَا مُسْتَغْرِقٌ فِي هَذَا النَّعِيم.. مُسْتَلْقٍ عَلَى الْحَرِير..

شَعَرْتُ بِحَرَكَةٍ عِنْدَ قَدَمَيّ..

اِلْتَفَتُّ.. فَإِذَا بِرَجُلٍ يَدْخُلُ عَلَيَّ الْقَبْر!

رَجُلٍ حَسَنُ الْوَجْهِ كَالشَّمْسِ الْمُشْرِقَة..

حَسَنُ الثِّيَاب..

طَيِّبُ الرِّيح..

يَمْشِي إِلَيَّ بِخُطًى وَاثِقَة..

وَعَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ عَرِيضَة..

فَزِعْتُ قَلِيلًا:

مَنْ هَذَا؟!

هَلْ هُوَ مَلَكٌ آخَر؟! أَمْ هُوَ إِنْسَان؟!

لَا يُوجَدُ بَشَرٌ هُنَا!

جَلَسَ بِجَانِبِي وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِي كَأَنَّهُ صَدِيقٌ حَمِيم..

وَقَالَ بِصَوْتٍ عَذْبٍ رَقِيقٍ يُطْرِبُ الْأُذُن:

أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّك.. هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتُ تُوعَد..

قُلْتُ لَهُ وَأَنَا أَتَأَمَّلُ جَمَالَهُ الْأَخَّاذ:

بَشَّرَكَ اللَّهُ بِخَيْر.. مَنْ أَنْت؟!

فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ الَّذِي يَجِيءُ بِالْخَيْر..

فَضَحِك.. وَقَالَ لِي كَلِمَةً كَشَفَتْ لِي سِرَّ الْأُنْسِ الْأَبَدِيّ:

أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِح!

أَنَا صَلَاتُك.. أَنَا جِهَادُك..

أَنَا قُرْآنُك.. أَنَا صَدَقَتُك..

أَنَا صِيَامُك..

كُنْتَ فِي الدُّنْيَا بَطِيئًا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّه..

سَرِيعًا إِلَى طَاعَةِ اللَّه..

فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا..

يَا اَللَّه!

لَقَدْ تَجَسَّدَ عَمَلِي رَفِيقًا مُؤْنِسًا!

لَنْ أَكُونَ وَحِيدًا فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَة..

جَلَسْنَا مَعًا نَتَحَدَّث..

نَظَرْتُ مِنْ نَافِذَةِ الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ قُصُورِي وَمُلْكِي..

فَلَمْ أَتَمَالَكْ نَفْسِي مِنَ الشَّوْقِ لِلْخُلُود..

فَدَعَوْتُ اللَّهَ بِأَعْلَى صَوْتِي:

يَا رَبِّ أَقِمِ السَّاعَة.. يَا رَبِّ أَقِمِ السَّاعَة..

كَيْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي!..


وَأَنَا مَازِلْتُ فِي قَبْرِي..

أَوِ بِالْأَحْرَى فِي رَوْضَتِي الَّتِي اقْتَطَعَهَا اللَّهُ لِي مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّة..

لَقَدْ تَغَيَّرَ مَفْهُومُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ عِنْدِي تَمَامًا..

لَمْ أَعُدْ أَشْعُرُ بِوَحْشَةِ الظَّلَام..

فَالنُّورُ الَّذِي يَنْبَعِثُ مِنْ بَابِ الْجَنَّةِ الْمَفْتُوحِ أَمَامِي يَغْمُرُ الْمَكَان..

وَالنُّورُ الَّذِي يَشِعُّ مِنْ وَجْهِ صَاحِبِي (عَمَلِي الصَّالِح) يُبَدِّدُ أَيَّ قَلَق..

كُنْتُ أَجْلِسُ مَعَ هَذَا الرَّفِيقِ النُّورَانِيِّ نَتَجَاذَبُ أَطْرَافَ الْحَدِيث..

كَانَ يُحَدِّثُنِي عَنْ عَظَمَةِ اللَّهِ..

وَعَنْ نَجَاتِي مِنَ الْمَهَالِك..

وَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوس..

تَلَأْلَأَ فِي الْقَبْرِ نُورٌ جَدِيد..

نُورٌ لَطِيفٌ هَبَّ مَعَهُ نَسِيمُ رَحْمَة..

وَهَدَايَا نُورَانِيَّةٌ هَبَطَتْ عَلَيّ..

تَعَجَّبْتُ وَسَأَلْتُ صَاحِبِي: مَا هَذَا؟..

فَابْتَسَمَ وَقَالَ: هَذِهِ هَدَايَا الْأَحْيَاءِ لِلْأَمْوَات..

هَذَا اسْتِغْفَارُ وَلَدِكَ لَكَ فِي الدُّنْيَا..

لَمْ يَنْسَكَ مِنْ دُعَائِه..

وَهَذِهِ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَصَلَ أَجْرُهَا..

وَهَذَا عِلْمٌ نَافِعٌ كُنْتَ قَدْ نَشَرْتَه..

لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَدَاوَلُونَهُ وَيَدْعُونَ لَك..

فَفَرِحْتُ بِأَبْنَائِي وَأَثَرِي..

وَعَرَفْتُ أَنَّ خَيْطَ الْخَيْرِ بَيْنِي وَبَيْنَ الدُّنْيَا لَمْ يَنْقَطِع..

نَعَمْ.. دَخَلَتْ عَلَيْنَا هَدَايَا نُورَانِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا..

اسْتِغْفَارُ وَلَدِي الْبَارّ..

وَصَدَقَةٌ جَارِيَة.. وَعِلْمٌ نَافِع..

كُلُّهَا تَأْتِي مُغَلَّفَةً بِنُورِ الرَّحْمَة..

حَكَيْتُ لِرَفِيقِي عَنْ مَخَاوِفِي الَّتِي كَانَتْ تُؤَرِّقُنِي فِي الدُّنْيَا..

كَيْفَ كُنْتُ أَخَافُ الْمَوْت..

وَكَيْفَ كُنْتُ أَخْشَى الْقَبْر..

فَضَحِكَ رَفِيقِي ضِحْكَةً هَادِئَةً وَقَال:

لَقَدْ انْتَهَى الْخَوْفُ إِلَى الْأَبَد..

أَنْتَ الْآنَ فِي ضِيَافَةِ الْكَرِيم..

وَهَلْ يُضَامُ ضَيْفُ الْكَرِيم؟!..

وَفِي لَحْظَةٍ مِنَ اللَّحَظَات..

وَأَنَا فِي غَمْرَةِ هَذَا السُّرُور..

قَالَ لِي صَاحِبِي: أَلَا تَشْتَاقُ لِإِخْوَانِك؟..

نَظَرْتُ إِلَيْهِ مُتَعَجِّبًا:

أَيُّ إِخْوَان؟

هَلْ تَقْصِدُ أَهْلِيَ الَّذِينَ تَرَكْتُهُمْ فِي الدُّنْيَا؟..

قَالَ: لَا.. بَلْ إِخْوَانُكَ وَأَهْلُكَ الَّذِينَ سَبَقُوكَ إِلَى هُنَا..

إِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ قُدُومَكَ بِشَوْقٍ أَشَدَّ مِنْ شَوْقِ الْأَهْلِ لِغَائِبِهِمْ إِذَا عَادَ مِنْ سَفَرٍ طَوِيل..

خَفِقَ قَلْبِي بِشِدَّة..

أَبِي؟!

أُمِّي؟!

أَصْدِقَائِي الَّذِينَ كَانُوا مَعِي فِي حِلَقِ الذِّكْر؟!

وَإِخْوَانِي الَّذِينَ جَاهَدْتُ مَعَهُمْ ثُمَّ مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ أَوْ فِي سَاحَاتِ الْوَغَى؟!

هَلْ سَأَرَاهُمْ حَقًّا؟!


فَجْأَة..

شَعَرْتُ بِرُوحِي تَخِفُّ وَتَخِفّ..

حَتَّى كَأَنَّهَا نَسَمَةٌ مِنَ النَّسَمَات..

لَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ لِي بِالتَّزَاوُر..

فَأَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَتْ مَحْبُوسَةً فِي حُفَرِ التُّرَابِ كَمَا يَظُنُّ الْأَحْيَاء..

بَلْ هِيَ مُنْطَلِقَةٌ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ الْفَسِيح..

خَرَجَتْ رُوحِي مِنْ نِطَاقِ الْقَبْرِ الضَّيِّق..

مَعَ بَقَاءِ صِلَتِهَا الْخَفِيَّةِ بِالْجَسَد..

وَانْطَلَقَتْ تَصْعَدُ إِلَى مُسْتَقَرِّ الْأَرْوَاحِ الْمُنَعَّمَة..

وَصَلْتُ إِلَى مَكَانٍ لَا يُشْبِهُ أَمَاكِنَ الْأَرْض..

مَكَانٍ يَفُوحُ مِنْهُ عَبِقُ الْمِسْك..

وَتُظِلُّهُ رَحْمَةُ الرَّحْمَن..

وَهُنَاكَ رَأَيْتُهُم!

حُشُودٌ مِنَ الْأَرْوَاحِ الْمُضِيئَة..

وُجُوهُهُمْ كَالْأَقْمَارِ لَيْلَةَ الْبَدْر..

مَا إِنْ رَأَوْنِي قَادِمًا وَرَائِحَةُ حَنُوطِ الْجَنَّةِ تَفُوحُ مِنِّي..

وَعَلَامَاتُ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ بَادِيَةٌ عَلَيّ..

حَتَّى هَبُّوا لِاسْتِقْبَالِي..

جَاءُونِي يَتَسَابَقُون..

هَذَا يُعَانِقُنِي..

وَهَذَا يُصَافِحُنِي..

وَهَذَا يُهَنِّئُنِي بِالسَّلَامَة..

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّاك..

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَتَمَ لَكَ بِخَيْر..

وَبَيْنَ هَذِهِ الْوُجُوه..

لَمَحْتُ وَجْهًا اشْتَقْتُ إِلَيْهِ طَوِيلًا..

إِنَّهُ أَبِي!

ذَلِكَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ الَّذِي رَبَّانِي عَلَى الصَّلَاة..

وَغَرَسَ فِي قَلْبِي حُبَّ الْجِهَاد..

هَا هُوَ الْآنَ أَمَامِي..

لَيْسَ شَيْخًا ضَعِيفًا كَمَا تَرَكْتُهُ يَوْمَ مَات..

بَلْ شَابًّا فِي عَالَمِ الْأَرْوَاح..

وَجْهُهُ يَتَلَأْلَأُ نُورًا..

ارْتَمَيْتُ فِي حُضْنِه..

عِنَاقَ أَرْوَاحٍ صَافٍ لَا تُكَدِّرُهُ شَهْوَةٌ وَلَا تَعَب..

قَالَ لِي وَهُوَ يَمْسَحُ عَلَى كَتِفِ رُوحِي:

يَا بُنَيّ.. قَدِمْتَ خَيْرَ مَقْدَم..

لَقَدْ كُنْتُ أَتَبَاهَى بِعَمَلِكَ الصَّالِحِ هُنَا بَيْنَ الْأَمْوَاتِ كُلَّمَا رُفِعَ إِلَيْنَا..

جَلَسْنَا نَتَحَدَّث..

أَنَا الْقَادِمُ الْجَدِيد..

وَهُمُ السَّابِقُون..

بَدَأُوا يَسْأَلُونَنِي بِشَغَفٍ عَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا..

كَمَا يَسْأَلُ الْمُغْتَرِبُ عَنْ أَخْبَارِ بَلَدِهِ وَأَهْلِه..

قَالُوا: مَا فَعَلَ فُلَان؟..

قُلْت: فُلَان؟.. لَقَدْ اسْتَقَامَ وَتَزَوَّجَ وَحَفِظَ الْقُرْآن..

فَتَهَلَّلَتْ وُجُوهُهُمْ..

وَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّه.. اللَّهُمَّ ثَبِّتْه..

ثُمَّ سَأَلُوا: وَمَا فَعَلَ فُلَان؟ رَجُلٌ آخَرُ كَانَ مَعَنَا..

فَسَكَتُّ قَلِيلًا ثُمَّ قُلْتُ بِاسْتِغْرَاب:

أَلَمْ يَأْتِكُم؟

لَقَدْ مَاتَ قَبْلِي بِشَهْر!

وَظَنَنْتُ أَنِّي سَأَجِدُهُ بَيْنَكُم..

فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ..

وَانْطَفَأَتْ بَسْمَتُهُمْ..

وَظَهَرَ عَلَيْهِمُ الْأَسَف..

قَالُوا بِصَوْتٍ خَافِتٍ حَزِين:

إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون..

لَمْ يَأْتِنَا..

لَمْ يَصْعَدْ إِلَى عِلِّيِّين..

إِذَنْ ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَة..

ذُهِبَ بِهِ إِلَى سِجِّين..

يَا لَهَا مِنْ لَحْظَةِ إِدْرَاك!

الْأَرْوَاحُ تَتَلَاقَى هُنَا فِي مَقَامِ السُّعَدَاء..

فَإِذَا مَاتَ أَحَدٌ وَلَمْ يَصْعَدْ إِلَيْهِمْ..

فَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ سَقَطَ إِلَى أَسْفَل..

إِلَى مَقَامِ الْأَشْقِيَاءِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّه..

حَمِدْتُ اللَّهَ أَنِّي كُنْتُ مِمَّنْ صَعِدَ وَلَمْ أَكُنْ مِمَّنْ هَوَى..


ثُمَّ جَاءَ وَقْتُ الْكَرَامَةِ الْخَاصَّة..

بِمَا أَنِّي مُؤْمِنٌ صَالِحٌ..

فَقَدْ وَعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَعْدِ صِدْق..

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُه..

وَلَقَدْ تَحَقَّقَ هَذَا الْوَعْد..

فَجْأَة..

شَعَرْتُ بِتَحَوُّلٍ لَطِيفٍ فِي كِيَانِي..

رُوحِي..

هَذِهِ النَّسَمَةُ النُّورَانِيَّةُ أَصْبَحَتْ لَهَا خِفَّةُ الطَّيْر..

لَمْ أَدْخُلْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ آخَرَ كَمَا هُوَ حَالُ الشُّهَدَاء..

بَلْ أَنَا نَفْسِي صِرْتُ كَالطَّائِرِ الْمُحَلِّق..

فُتِحَتْ لِي أَبْوَابُ الْجَنَّةِ لِأَدْخُلَهَا دُخُولَ أَرْوَاح..

طِرْتُ فَوْقَ رِيَاضِهَا..

رَأَيْتُ أَشْجَارًا سِيقَانُهَا مِنْ ذَهَب..

وَأَوْرَاقُهَا مِنْ حَرِير..

حَطَطْتُ رَحْلِي عَلَى غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ فِي الْجَنَّة..

رَأَيْتُ ثِمَارًا مُتَدَلِّيَة..

أَلْوَانُهَا تَخْطَفُ الْأَبْصَار..

وَرَائِحَتُهَا تَفُوقُ الْوَصْف..

نَقَرْتُ مِنْ هَذِهِ الثِّمَار..

يَا اللَّه! مَا هَذَا الطَّعْم؟!

طَعْمٌ يَمْزِجُ بَيْنَ حَلَاوَةِ الْعَسَلِ وَطَرَاوَةِ الزُّبْد..

لَا يُشْبِهُ أَيَّ فَاكِهَةٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا فِي الِاسْم..

أَكَلْتُ حَتَّى شَبِعَتْ رُوحِي..

وَارْتَوَيْتُ مِنْ نَهْرٍ يَجْرِي تَحْتَ الشَّجَرَة..

كُنْتُ أَنْظُرُ مِنْ مَكَانِي الْعَالِي فَوْقَ الْغُصْنِ إِلَى مَلَكُوتِ الْجَنَّة..

رَأَيْتُ قُصُورًا تُبْنَى..

وَمَلَائِكَةً تَغْرِسُ غِرَاسًا لِأُنَاسٍ لَا يَزَالُونَ فِي الدُّنْيَا يُسَبِّحُونَ وَيُكَبِّرُون..

وَرَأَيْتُ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ تُحَلِّقُ فِي مَكَانٍ أَعْلَى..

فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَأْوِي إِلَى الْعَرْش..

نَعَمْ هُمْ أَرْفَعُ دَرَجَة..

وَلَكِنِّي فِي نَعِيمٍ مُقِيم..

وَاللَّهُ لَمْ يَحْرِمْنِي فَضْلَه..

تَذَكَّرْتُ نِيَّتِي فِي الْجِهَاد..

تَذَكَّرْتُ دُمُوعِي حِينَ كُنْتُ أَسْمَعُ آيَاتِ الْقِتَالِ وَأَتَمَنَّى الشَّهَادَة..

لَكِنَّ الْمَوْتَ أَدْرَكَنِي عَلَى فِرَاشِي..

فَعَرَفْتُ أَنَّ اللَّهَ بِكَرَمِهِ قَدْ أَبْلَغَنِي مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ بِصِدْقِ نِيَّتِي وَإِنْ لَمْ يُصِبْنِي السَّيْف..

فَأَنَا الْآنَ آكُلُ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ آمِنًا مُطْمَئِنًّا..

أَنْتَظِرُ يَوْمَ الْمَزِيد..


بَعْدَ هَذِهِ الْجَوْلَةِ الْمُشْبِعَة..

وَبَعْدَ أَنْ امْتَلَأَتْ رُوحِي بِالْيَقِينِ وَالرِّضَا..

حَانَ وَقْتُ الْعَوْدَة..

فَالنِّظَامُ الْإِلَهِيُّ يَقْضِي بِأَنْ تَعُودَ الرُّوحُ لِتَسْكُنَ فِي مَقَرِّهَا الْبَرْزَخِيِّ (الْقَبْر)..

لِتَنَامَ النَّوْمَةَ الْكُبْرَى قَبْلَ الْبَعْث..

وَدَّعْتُ إِخْوَانِي عَلَى أَمَلِ اللِّقَاءِ الْقَرِيبِ فِي يَوْمِ الْحَشْر..

وَعَادَتْ رُوحِي تَهْبِطُ بِوَدَاعَةٍ وَسُكُون..

دَخَلْتُ إِلَى قَبْرِي الْمُنَوَّر..

وَجَدْتُ عَمَلِيَ الصَّالِحَ لَا يَزَالُ جَالِسًا يَنْتَظِرُنِي..

وَوَجْهُهُ يَفِيضُ بِشْرًا..

سَأَلَنِي: هَلْ رَأَيْتَ مَقْعَدَك؟ هَلْ ذُقْتَ مِنْ ثِمَارِ رَبِّك؟..

قُلْتُ لَهُ وَدُمُوعُ الرُّوحِ تَكَادُ تَفِيضُ شُكْرًا:

نَعَمْ.. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَه..

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَن..

فَقَالَ لِي:

نَمِ الْآنَ يَا صَاحِبِي..

نَمْ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْه..

اسْتَرِحْ مِنْ عَنَاءِ الدُّنْيَا..

فَالْقَادِمُ هُوَ الْخُلُود..

اسْتَلْقَيْتُ عَلَى الْحَرِيرِ الْأَخْضَر..

وَأَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ مُسْتَسْلِمًا لِرَاحَةٍ لَمْ أَذُقْ مِثْلَهَا قَطّ..

أَنَا الْآنَ لَسْتُ مَيِّتًا بِمَعْنَى الْفَنَاء..

بَلْ أَنَا حَيٌّ فِي انْتِظَارِ الْحَيَاةِ الْأَكْمَل..

أَنْتَظِرُ صَوْتَ إِسْرَافِيل..

أَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ الَّتِي يَهْتَزُّ فِيهَا الْكَوْن..

لِيَعُودَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِه..

وَلِتَبْدَأَ الْحَيَاتُ الْأَبَدِيَّة..

المصدر : مدونة الشيخ زهير حميدات

https://zuhayr-humaydat.blogspot.com/2026/01/blog-post_93.html

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صرخة الحق وفجيعة الدم { نداء عاجل إلى أهلنا في بيت أمر }

بسم الله الرحمن الرحيم صَرْخَةُ الْحَقِّ وَفَجِيعَةُ الدَّم نِدَاءٌ عَاجِلٌ إِلَى أَهْلِنَا فِي بَلْدَةِ بَيْت أُمَّر كَتَبَهُ الشَّيْ...