بسم الله الرحمن الرحيم
صَرْخَةُ
الْحَقِّ وَفَجِيعَةُ الدَّم
نِدَاءٌ عَاجِلٌ إِلَى
أَهْلِنَا فِي بَلْدَةِ بَيْت أُمَّر
كَتَبَهُ الشَّيْخ : زُهَيْرُ بْنُ حَسَنٍ حُمَيْدَات
https://www.youtube.com/watch?v=6INVUgyYmYw&list=PLer9bWik6kC4E8pecGZOugASWCqCQ3Cyy&index=1
بِسْمِ اللَّه، وَالْحَمْدُ لِلَّه، وَلَا اسْتِعَانَةَ إِلَّا
بِاللَّه، وَلَا تَوَكُّلَ إِلَّا عَلَى اللَّه، الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ
الْعَزِيزِ وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِين: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ
ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سُورَةُ
الْأَنْفَالِ: 25]. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ الرَّحْمَةِ
وَمَلْحَمَةِ الْوَفَاء، الْقَائِلِ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي تَهْتَزُّ لَهُ
الْأَرْكَان: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ
مُسْلِمٍ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى
آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِين، وَصَحْبِهِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ الَّذِينَ
أَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا شِيَعًا وَأَحْزَابًا؛
فَأَصْبَحُوا بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا مُتَحَابِّين.
أَمَّا بَعْد..
يَا أَهْلَنَا الصَّامِدِينَ فِي بَيْت أُمَّر الْأَبِيَّة، يَا حُمَاةَ الثُّغُورِ فِي خَلِيلِ الرَّحْمَن، يَا تِيجَانَ الرُّؤُوسِ مِنْ عَائِلَتَيْ (اخْلَيِّل) وَ(أَبُو عَيَّاش) الْكِرَام، يَا مَنْ يَجْمَعُكُمْ سَقْفُ السَّمَاءِ الْوَاحِدَة، وَتُرَابُ الْأَرْضِ الْوَاحِدَة، وَقِبْلَةُ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَة، وَالْجِيرَةُ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ مَضْرِبًا لِلْأَمْثَالِ فِي الشَّهَامَةِ وَالْمُرُوءَة؛ أُخَاطِبُكُمُ الْيَوْمَ خِطَابًا لَا يُحَابِي أَحَدًا، وَلَا يُجَامِلُ عَائِلَةً عَلَى حِسَابِ الْأُخْرَى، بَلْ هُوَ خِطَابُ الْحَقِّ الْمُرِّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُقَالَ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ الْعَمْيَاءِ الَّتِي أَكَلَتِ الْأَخْضَرَ وَالْيَابِس. أُخَاطِبُكُمْ وَالْقَلْبُ يَقْطُرُ دَمًا، وَالرُّوحُ يُمَزِّقُهَا مَشْهَدُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَالْبِيُوتِ الْمُحْتَرِقَةِ وَالْخَسَائِرِ الَّتِي تَجَاوَزَتِ الْمَلَايِين؛ وَلَكِنَّهَا وَاللَّهِ لَا تُسَاوِي دَمْعَةَ يَتِيمٍ وَاحِدٍ أَوْ صَرْخَةَ أُمٍّ مَكْلُومَةٍ فَقَدَتْ فَلْذَةَ كَبِدِهَا بِسَبَبِ نَزْوَةٍ مِنْ نَزَوَاتِ الشَّيْطَان.
إِنَّ مَا جَرَى
وَيَجْرِي فِي بَيْت أُمَّر يَا أَهْلَنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ مُشْكِلَةٍ عَابِرَةٍ
أَوْ نِزَاعٍ عَشَائِرِيٍّ بَسِيط، بَلْ هُوَ طَعْنَةٌ فِي صَدْرِ كُلِّ
فِلَسْطِينِيّ، وَهُوَ خَنْجَرٌ مَسْمُومٌ يُغْرَسُ فِي خَاصِرَةِ الْقُدْسِ
وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. فَنَحْنُ الْيَوْمَ لَا نَتَحَدَّثُ عَنْ أَرْقَامٍ
أَوْ خَسَائِرَ مَادِّيَّة، بَلْ نَتَحَدَّثُ عَنْ نَزِيفٍ قِيَمِيٍّ
وَأَخْلَاقِيٍّ وَشَرْعِيٍّ يُهَدِّدُ جُذُورَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الصَّامِدَة.
إِنَّنا نَرَى الْيَوْمَ الْفَاجِعَةَ الْمُزْدَوِجَةَ الَّتِي هَزَّتْ أَرْكَانَ
مُحَافَظَةِ الْخَلِيلِ بِأَكْمَلِهَا؛ فَلَقَدْ فُجِعْنَا جَمِيعًا بِمَقْتَلِ
الشَّابِّ (أَكْثَم اخْلَيِّل) رَحِمَهُ اللَّه، ذَلِكَ الشَّابُّ الَّذِي ذَهَبَ
ضَحِيَّةَ غَدْرٍ وَفَهْمٍ سَقِيمٍ لِمَعْنَى الرُّجُولَةِ وَالْكَرَامَة؛ قُتِلَ
بِدَمٍ بَارِدٍ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَة، طَاهِرًا مُتَوَضِّئًا،
لَا لِشَيْءٍ إِلَّا بِجَرِيرَةِ فِعْلٍ لَمْ يَرْتَكِبْه، فَكَانَ قَتْلُهُ
انْتِهَاكًا صَارِخًا لِكُلِّ شَرْعٍ وَعُرْف. ثُمَّ تَلَا ذَلِكَ رَدَّةُ فِعْلٍ
زَلْزَلَتِ الْأَرْكَان، فَفُجِعْنَا بِمَقْتَلِ الشَّابِّ (أَكْرَم أَبُو
عَيَّاش)، الَّذِي سُفِكَ دَمُهُ فِي عُقْرِ دَارِهِ وَبَيْنَ أَطْفَالِهِ وَهُوَ
آمِن، وَحُرِقَتْ جُدْرَانُ بَيْتِهِ الَّتِي كَانَتْ مَلَاذَهُ وَأَمَانَه.
إِنَّنَا نُعْلِنُهَا صَرْخَةً مُدَوِّيَةً تَقْشَعِرُّ لَهَا الْأَبْدَان: "إِنَّ أَكْثَمَ مَظْلُوم، وَإِنَّ أَكْرَمَ مَظْلُوم،
وَكِلَاهُمَا دَمُهُمَا مَعْصُوم، وَكِلَاهُمَا غَرِيمَانِ لِكُلِّ مَنْ حَرَّضَ
أَوْ أَطْلَقَ النَّارَ أَوْ سَكَتَ عَنِ الظُّلْمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلّ".
يَا أَهْلَنَا فِي آلِ اخْلَيِّل وَآلِ أَبُو عَيَّاش، قِفُوا مَعَ
أَنْفُسِكُمْ وَقْفَةَ صِدْقٍ أَمَامَ جَبَّارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض،
وَتَأَمَّلُوا فِي الْوَعِيدِ الرَّبَّانِيِّ الَّذِي لَا يُحَابِي كَبِيرًا وَلَا
صَغِيرًا؛ أَيْنَ عُقُولُكُمْ حِينَ اسْتَبْدَلْتُمْ شَرْعَ اللَّهِ بِفَوْرَةِ
الدَّمِ وَحَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّة؟ أَيْنَ أَنْتُمْ مِنْ وَعِيدِ الْجَبَّارِ
الَّذِي قَالَهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِه: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا
فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ
وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 93]؟ تَأَمَّلُوا يَا
أُولِي الْأَلْبَابِ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ الْخَمْسِ الَّتِي تَجْعَلُ
الْجِبَالَ الرَّاسِيَاتِ تَنْدَكُّ دَكًّا: "جَهَنَّم" مَأْوَى، وَ
"الْخُلُود" بَقَاء، وَ "غَضَبُ اللَّه" سَخَطًا، وَ "الَّلعْنَة"
طَرْدًا مِنَ الرَّحْمَة، وَ "الْعَذَابُ الْعَظِيم" الَّذِي لَا
يَعْلَمُ قَدْرَهُ إِلَّا هُوْ. فَمَنْ مِنْكُمْ يُطِيقُ ذَرَّةً مِنْ نَارِ
جَهَنَّم؟ وَمَنْ مِنْكُمْ يَقْوَى عَلَى غَضَبِ الْمَلِكِ الدَّيَّان؟
إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَنَا
مِنَ الْفِتَنِ الَّتِي تَلْبِسُ الْحَقَّ بِالْبَاطِل، فَقَال: «إِذَا الْتَقَى
الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» [مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ]. قِيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِل، فَمَا بَالُ الْمَقْتُول؟
قَال: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا
عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». فَهَلْ تَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِكُمْ أَنْ تَكُونُوا وَقُودًا
لِنَارِ جَهَنَّم؟ وَهَلْ تَرْضَوْنَ أَنْ تَجْتَمِعُوا فِي الْعَذَابِ بَعْدَ
أَنْ كُنْتُمْ تَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَفِي مَزَارِعِ الْعِنَب؟
إِنَّ زَوَالَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا، بِحَجَرِهَا وَشَجَرِهَا وَمُدُنِهَا
وَقُرَاهَا، أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يُسْفَكُ
بِغَيْرِ حَقّ؛ فَكَيْفَ بِمَنْ يَسْفِكُ الدَّمَ فِي بِلَادِ الرِّبَاط؟ وَكَيْفَ
بِمَنْ يُقَدِّمُ خِدْمَةً مَجَّانِيَّةً لِلْمُحْتَلِّ الَّذِي يَتَفَرَّجُ
عَلَيْنَا مِنْ أَبْرَاجِ مُرَاقَبَتِهِ وَيُصَفِّقُ فَرَحًا وَهُوَ يَرَى
حُصُونَنَا تُهْدَمُ مِنَ الدَّاخِلِ بِأَيْدِينَا لَا بِأَيْدِيه؟
يَا أَهْلَ بَيْت أُمَّر، إِنَّ الدِّمَاءَ الَّتِي سَالَتْ
لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَرْقَامٍ فِي الْأَخْبَار، بَلْ هِيَ أَمَانَاتٌ
سَيَسْأَلُكُمُ اللَّهُ عَنْهَا. فَمَاذَا سَتَقُولُونَ لِخَالِقِكُمْ حِينَ
يَسْأَلُكُمْ عَنْ (أَكْثَم)؟ وَبِمَاذَا سَتُجِيبُونَ حِينَ يَسْأَلُكُمْ عَنْ
(أَكْرَم)؟ هَلْ سَتَقُولُونَ: "قَتَلْنَاهُمْ ثَأْرًا لِعَصَبِيَّةٍ جَاهِلِيَّة"؟
هَلْ سَتَقُولُونَ: "أَحْرَقْنَا الْبِيُوتَ لِنَشْفِيَ غَلِيلَ
صُدُورِنَا"؟ وَاللَّهِ إِنَّ السَّمَاوَاتِ لَتَنْشَقُّ وَإِنَّ الْأَرْضَ
لَتَنْفَطِرُ مِنْ شَنَاعَةِ مَا تَفْعَلُون. فَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ
هُوَ كُفْرٌ بِالنِّعْمَةِ وَاعْتِدَاءٌ عَلَى حَقِّ الْخَالِقِ فِي خَلْقِه؛
إِنَّ اللَّهَ الَّذِي وَهَبَ الْحَيَاةَ هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ
فِي قَبْضِهَا، فَمَنْ أَنْتُمْ لِتُنَازِعُوا اللَّهَ فِي كِبْرِيَائِهِ
وَعَظَمَتِه؟ إِنَّكُمْ بِصَنِيعِكُمْ هَذَا لَا تَطْلُبُونَ حَقًّا، بَلْ
تَطْلُبُونَ هَلَاكًا مُحَقَّقًا؛ فَمَا مِنْ يَدٍ سَفَكَتْ دَمًا حَرَامًا إِلَّا
وَقَصَمَهَا اللَّهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَة، وَمَا مِنْ عَائِلَةٍ
ارْتَضَتِ الظُّلْمَ طَرِيقًا إِلَّا وَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْخَوْفِ
وَالْجُوعِ وَالْمَذَلَّة.
لَقَدْ جِئْتُمْ بِمُنْكَرٍ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْل،
فَجَعَلْتُمُ الصَّغِيرَ لَا يَحْتَرِمُ كَبِيرًا، وَجَعَلْتُمُ الْجَارَ لَا
يَأْمَنُ جَارَه، وَصَارَتْ بُيُوتُكُمُ الَّتِي كَانَتْ قِلَاعًا لِلْكَرَمِ
صَارَتْ قِلَاعًا لِلْخَوْفِ وَالتَّرَقُّب. فَهَلْ هَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ
الَّتِي تَنْشُدُون؟ وَهَلْ هَذَا هُوَ الْمَجْدُ الَّذِي تَسْعَوْنَ إِلَيْه؟
إِنَّ الْمَجْدَ يَكُونُ فِي الْعَفْو، وَالْكَرَامَةَ تَكُونُ فِي حَقْنِ
الدِّمَاء، وَالرُّجُولَةَ تَكُونُ فِي قَوْلِ كَلِمَةِ الْحَقِّ أَمَامَ
الظَّالِمِ مِنْ أَهْلِكَ وَعَشِيرَتِك. أَمَّا الِانْجِرَارُ وَرَاءَ رَصَاصَاتِ
الْغَدْرِ وَحَرَائِقِ الْحِقْدِ فَهُوَ مِنْ فِعْلِ الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ لَا
يَمْلِكُونَ حُجَّةً وَلَا دِينًا. أَفِيقُوا يَا أَهْلَنَا فِي بَيْت أُمَّر؛
فَإِنَّ النَّارَ إِذَا اشْتَعَلَتْ لَا تُمَيِّزُ بَيْنَ بَيْتٍ وَبَيْت،
وَالدَّمَ إِذَا سَالَ لَا يُورِثُ إِلَّا الدَّم؛ وَإِنَّنَا الْيَوْمَ نَضَعُ
بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مِيزَانَ الشَّرْعِ لِنَرَى أَيْنَ أَنْتُمْ مِنْه، قَبْلَ
أَنْ يُطْبِقَ الْمَوْتُ عَلَى الصُّدُورِ وَيُغْلَقَ بَابُ التَّوْبَةِ وَيَقِفَ
الْجَمِيعُ أَمَامَ قَاضِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ
ذَرَّة.
يَا أَهْلَنَا فِي بَيْت أُمَّر الْأَبِيَّة، يَا رِجَالَ
عَائِلَتَيْ اخْلَيِّل وَأَبُو عَيَّاش.. إِنَّ الْمُصَابَ وَإِنْ عَظُم،
وَالْجُرْحَ وَإِنْ غَار، لَا يَجِبُ أَنْ يُعْمِيَ أَبْصَارَنَا عَنِ
الْحَقِيقَةِ الْمُرَّةِ الَّتِي تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْبَلْدَةِ وَزُقَاقِهَا.
فَبَيْنَمَا أَنْتُمْ تَنْشَغِلُونَ بِتَجْهِيزِ السِّلَاحِ وَحَرْقِ
الْمُمْتَلَكَاتِ وَتَتَبُّعِ عَوْرَاتِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، هُنَاكَ عَدُوٌّ
يَتَرَبَّصُ بِكُمْ مِنْ خَلْفِ الْأَسْلَاكِ الشَّائِكَة، عَدُوٌّ لَا يُفَرِّقُ
بَيْنَ (اخْلَيِّل) وَ (أَبُو عَيَّاش)، بَلْ يَرَاكُمْ جَمِيعًا
{فِلَسْطِينِيِّين} صَامِدِينَ يُرِيدُ اقْتِلَاعَكُمْ مِنْ جُذُورِكُم. انْظُرُوا
مَلِيًّا إِلَى أَبْرَاجِ الْمُرَاقَبَةِ الْمُحِيطَةِ بِبَلْدَتِكُم؛ إِنَّ
الْمُحْتَلَّ الصَّهْيُونِيَّ يَرْقُبُ صِرَاعَكُمْ بِكُلِّ غِبْطَةٍ وَسُرُور،
وَيُحْصِي خَسَائِرَكُمُ الَّتِي بَلَغَتِ الْمَلَايِينَ وَيَقُولُ فِي نَفْسِه:
"لَقَدْ كَفَوْنِي الْمُؤْنَة"! فَمَا عَجَزَ عَنْهُ الْمُحْتَلُّ
بِرَصَاصِهِ وَمَدَافِعِه، تُحَقِّقُونَهُ أَنْتُمُ الْيَوْمَ بِجَهْلِكُمْ
وَعَصَبِيَّتِكُم.
إِنَّ الِاحْتِلَالَ يُغَذِّي هَذِهِ الْفِتَنَ بِطُرُقٍ
مَلْتَوِيَة، يُسَهِّلُ دُخُولَ السِّلَاحِ الْمَشْبُوهِ الَّذِي يُسْتَخْدَمُ فِي
الْفِتَنِ الدَّاخِلِيَّة، وَيَغُضُّ الطَّرْفَ عَنْ تُجَّارِ الْمَوْتِ الَّذِينَ
يُرَوِّجُونَ لِلْخَرَاب. فَكُلُّ رَصَاصَةٍ تُطْلَقُ فِي صَدْرِ جَارِكَ هِيَ
{قُبْلَةُ حَيَاة} لِلْمَشْرُوعِ الِاسْتِيطَانِيِّ الَّذِي يُطَوِّقُ بَيْت
أُمَّر، وَكُلُّ بَيْتٍ يُحْرَقُ هُوَ لَبِنَةٌ تُنْزَعُ مِنْ جِدَارِ صُمُودِنَا
عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَة. فَهَلْ رَضِيتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أَنْ
تَكُونُوا "أَدَوَاتٍ رَخِيصَة" يُحَقِّقُ بِهَا الْعَدُوُّ أَهْدَافَهُ
فِي تَمْزِيقِ نَسِيجِنَا الِاجْتِمَاعِيّ؟ أَيْنَ عُقُولُكُمْ يَا أُولِي
الْأَلْبَاب؟ إِنَّ الرَّصَاصَةَ الَّتِي تَقْتُلُ ابْنَ بَلَدِكَ هِيَ رَصَاصَةٌ
خَائِنَةٌ لِلْقُدْسِ وَلِلْأَقْصَى وَلِلشُّهَدَاء، وَالْيَدَ الَّتِي تَحْرِقُ
بَيْتَ جَارِكَ هِيَ يَدٌ تَعْمَلُ بِوَعْيٍ أَوْ بِدُونِ وَعْيٍ لِصَالِحِ
الْمُخَطَّطَاتِ الِاسْتِيطَانِيَّةِ الَّتِي تُرِيدُ تَهْجِيرَكُمْ وَتَفْرِيغَ
الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِهَا.
إِنَّ مَا جَرَى مِنْ
حَرْقٍ لِلْعَشَرَاتِ مِنَ الْمَنَازِلِ وَتَخْرِيبٍ لِلْمُمْتَلَكَات، فَهُوَ
وَاللَّهِ "إِفْسَادٌ فِي الْأَرْض" تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْأَبْدَان.
فَبِأَيِّ دِينٍ وَبِأَيِّ مُرُوءَةٍ وَبِأَيِّ عُرْفٍ جَازَ لَكُمْ أَنْ
تُرَوِّعُوا النِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ فِي أَنْصَافِ اللَّيَالِي؟ إِنَّ
الْبَيْتَ فِي الْإِسْلَامِ لَهُ {حُرْمَة} تَلِيقُ بِقُدْسِيَّةِ الْمَسْجِد،
فَهُوَ السَّتْرُ وَهُوَ الْأَمَانُ وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ
الضُّعَفَاء. فَكَيْفَ جَازَ لَكُمْ أَنْ تَحْرِقُوا أَثَاثًا وَأَرْزَاقًا
جُمِعَتْ بِعَرَقِ السِّنِينَ وَكَدِّ الْعُمُر؟ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ
يَقُول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا
تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ
وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 204-205]. فَهَلْ
تُرِيدُونَ أَنْ تَكُونُوا مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُهْلِكُونَ الْحَرْثَ
وَالنَّسْل؟
إِنَّ حَرْقَ الْبِيُوتِ هُوَ سِلَاحُ الضُّعَفَاءِ وَالْجُبَنَاءِ
الَّذِينَ فَقَدُوا بُوصَلَةَ الْحَقّ، وَهُوَ فِعْلٌ لَا يُورِثُ إِلَّا
الْحِقْدَ الْأَسْوَدَ الَّذِي سَيَتَوَارَثُهُ أَطْفَالُكُمْ لِعُقُودٍ قَادِمَة.
فَكَيْفَ سَتَمْسَحُونَ مِنْ ذَاكِرَةِ الطِّفْلِ مَشْهَدَ النِّيرَانِ وَهِيَ
تَلْتَهِمُ غُرْفَتَهُ وَأَلْعَابَه؟ وَكَيْفَ سَتُوَاجِهُونَ رَبَّكُمْ حِينَ
يَسْأَلُكُمْ عَنْ تَرْوِيعِ الْأَرَامِلِ وَالْأَيْتَام؟ إِنَّ خَسَائِرَ
الْمَلَايِينِ قَدْ تُعَوَّضُ بِالْمَال، وَلَكِنَّ {الْأَمَان} الَّذِي فُقِدَ
فِي بَيْت أُمَّر لَا يُقَدَّرُ بِثَمَن، وَالشَّرْخَ الَّذِي أَحْدَثْتُمُوهُ فِي
قَلْبِ الْجِيرَةِ لَا تُدَاوِيهِ السُّنُونَ إِذَا لَمْ تَتَوَقَّفُوا الْآنَ
وَتَعُودُوا إِلَى رُشْدِكُم.
وَهُنَا نَصِلُ إِلَى لُبِّ الْقَضِيَّةِ وَمِفْتَاحِ الْحَلّ،
وَهُوَ الْعَوْدَةُ إِلَى "حَاكِمِيَّةِ شَرْعِ اللَّه"؛ فَلَقَدْ
جَرَّبْتُمْ لِسَنَوَاتٍ طِوَالٍ الْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّةَ وَالْمَحَاكِمَ
الَّتِي تُمَاطِلُ لِمُدَدٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّه، تِلْكَ الْمَحَاكِمَ
الَّتِي تَتْرُكُ الْجُرْحَ نَازِفًا وَالْقَاتِلَ حُرًّا وَالدَّمَ مُعَلَّقًا،
مِمَّا يَفْتَحُ الْبَابَ لِدَوَّامَةِ الثَّأْرِ الَّتِي لَا تَنْتَهِي. إِنَّ
قَوَانِينَ الْبَشَرِ وَمَحَاكِمَ السُّلْطَةِ قَدْ أَثْبَتَتْ عَجْزَهَا
وَفَشَلَهَا فِي حَقْنِ الدِّمَاء، بَلْ إِنَّ الْمُمَاطَلَةَ فِيهَا هِيَ الَّتِي
تُغَذِّي الرَّغْبَةَ فِي الِانْتِقَام. إِنَّ الْحَلَّ الْوَحِيدَ وَالنَّاجِزَ
وَالْعَدْلَ الَّذِي تُذْعِنُ لَهُ الْقُلُوبُ وَتَطْمَئِنُّ لَهُ النُّفُوسُ هُوَ
التَّحَاكُمُ الْفَوْرِيُّ وَالْكَامِلُ لِـ "شَرْعِ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلّ"، شَرْعِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُجَامِلُ عَائِلَةً عَلَى حِسَابِ
أُخْرَى، وَلَا يَقْبَلُ الظُّلْمَ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيد. إِنَّ اللَّهَ
يَقُول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ
اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 50]. فَهَلْ تَبْغُونَ
حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ أَمْ حُكْمَ اللَّه؟ إِنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي الدِّمَاءِ
هُوَ الْقِصَاصُ الْعَادِلُ مِنَ الْقَاتِلِ وَحْدَه، وَهُوَ الَّذِي يُقَرِّرُ
أَنَّ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [سُورَةُ
الْأَنْعَامِ: 164]. فَبِأَيِّ حَقٍّ يُقْتَلُ (أَكْثَم) بِدَمِ أَخِيه؟ وَبِأَيِّ
حَقٍّ يُقْتَلُ (أَكْرَم) بِدَمِ جَارِه؟
إِنَّ هَذَا
التَّعَدِّيَ عَلَى شَرْعِ اللَّهِ هُوَ كُفْرٌ عَمَلِيٌّ بِمِيزَانِ الْعَدْلِ
الْإِلَهِيّ. وَنَحْنُ الْيَوْمَ نُطَالِبُ عَائِلَتَيْ اخْلَيِّل وَأَبُو عَيَّاش
بِأَنْ يَرْمُوا الْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّةَ خَلْفَ ظُهُورِهِم، وَأَنْ
يَجْلِسُوا لِقَضَاءٍ شَرْعِيٍّ رَبَّانِيٍّ يُشْرِفُ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ
غَيُورُونَ مِنْ مُحَافَظَةِ الْخَلِيل، يَرْتَضِيهِمُ الطَّرَفَان، وَيَكُونُ
حُكْمُهُمْ مُلْزِمًا وَنَافِذًا فِي الدِّمَاءِ وَالدِّيَاتِ وَالْقِصَاصِ
وَالتَّعْوِيضَاتِ عَنْ حَرْقِ الْبِيُوت. إِنَّ الرُّجُوعَ لِلشَّرْعِ يَقْتَضِي
{الشَّجَاعَة}، وَالشَّجَاعَةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ أَنْ تَرْفَعَ الْعَائِلَةُ
الْغِطَاءَ عَنِ الْمُجْرِمِ مِنْ أَبْنَائِهَا؛ فَالْمُجْرِمُ الَّذِي يَسْفِكُ
الدَّمَ الْحَرَامَ لَا يُمَثِّلُ إِلَّا نَفْسَهُ وَشَيْطَانَه، وَمَنْ آوَاهُ
أَوْ نَصَرَهُ أَوْ تَسَتَّرَ عَلَيْهِ تَحْتَ مُسَمَّى "الْعَصَبِيَّةِ
الْعَائِلِيَّةِ" فَهُوَ شَرِيكٌ لَهُ فِي الْجَرِيمَةِ وَفِي الْإِثْمِ
وَفِي الْوَعِيدِ الرَّبَّانِيّ. يَا آلَ اخْلَيِّل ارْفَعُوا الْغِطَاءَ عَمَّنْ
قَتَلَ أَكْرَم، وَيَا آلَ أَبُو عَيَّاش ارْفَعُوا الْغِطَاءَ عَمَّنْ قَتَلَ
أَكْثَم. لَا تَجْعَلُوا دَوَاوِينَكُمْ حُصُونًا لِلْمُجْرِمِين، بَلِ اجْعَلُوهَا
قِلَاعًا لِلْحَقّ؛ فَالدِّينُ لَا يَحْمِي الْقَاتِل، وَالْعَشِيرَةُ لَا يَجُوزُ
أَنْ تَكُونَ خَنْدَقًا لِلْبَاطِل. أَفِيقُوا قَبْلَ أَنْ يُطْبِقَ الْمَوْتُ
عَلَى الْجَمِيع، وَقَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ التَّارِيخُ أَنَّ بَيْت أُمَّر هَدَمَتْ
نَفْسَهَا بِيَدِ أَبْنَائِهَا. إِنَّنا نُنَادِيكُمْ بِالدِّين، وَنُنَادِيكُمْ
بِالنَّخْوَة، وَنُنَادِيكُمْ بِالدَّمِ الْوَاحِد: "أَنْ أَطْفِئُوا
النِّيرَانَ فِي صُدُورِكُم، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عَنِ السِّلَاح، وَاجْعَلُوا
مِنْ شَرْعِ اللَّهِ حَكَمًا وَفَيْصَلًا بَيْنَكُم"؛ فَمَنْ رَضِيَ
بِحُكْمِ اللَّهِ فَقَدْ نَجَا وَأَنْجَى أَهْلَه، وَمَنْ اعْتَرَضَ فَقَدْ فَتَحَ
عَلَى نَفْسِهِ بَابًا مِنَ الْعَذَابِ لَا يُغْلَقُ أَبَدًا. فَبَيْت أُمَّر
أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ الْخِلَافَات، وَالدَّمُ الْفِلَسْطِينِيُّ أَغْلَى مِنْ أَنْ
يُهْدَرَ فِي صِرَاعَاتٍ عَشَائِرِيَّةٍ مَشْبُوهَة، فَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ
إِخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ وَنَبِيُّكُم.
يَا أَهْلَنَا فِي بَيْت أُمَّر الصَّابِرَة، يَا رِجَالَ
عَائِلَتَيْ اخْلَيِّل وَأَبُو عَيَّاش الْكِرَام.. بَعْدَ أَنْ بَسَطْنَا لَكُمْ
وَعِيدَ الْجَبَّارِ فِي سَفْكِ الدِّمَاء، وَبَعْدَ أَنْ كَشَفْنَا لَكُمْ
خُيُوطَ الْمُؤَامِرَةِ الَّتِي يَحِيكُهَا الْمُحْتَلُّ لِتَمْزِيقِ شَمْلِكُم،
وَبَعْدَ أَنْ وَضَعْنَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مِيزَانَ الشَّرْعِ الَّذِي لَا
يَحِيد؛ نَقِفُ الْآنَ لِنُخَاطِبَ فِيكُمْ {بَقَايَا الْمُرُوءَة} وَ {جُذُورَ
الْإِيمَان} الَّتِي لَمْ تَنْطَفِئْ بِإِذْنِ اللَّه. فَلَيْسَ الْعَيْبُ أَنْ
نُخْطِئ، وَلَكِنَّ الْعَيْبَ كُلَّ الْعَيْبِ أَنْ نَتَمَادَى فِي الْغَيِّ
وَالضَّلَال. وَالرُّجُولَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَا تَظْهَرُ فِي سَاحَاتِ الْوَغَى
بِالرَّصَاصِ الطَّائِشِ ضِدَّ الْجَار، بَلْ تَظْهَرُ فِي سَاحَاتِ {الْعَفْو}
وَالتَّرَفُّعِ عَنِ الصَّغَائِرِ لِحَقْنِ الدِّمَاءِ الْكَبِيرَة.
تَذَكَّرُوا يَا أَهْلَنَا قِصَصَ الْأَجْدَادِ وَالصَّحَابَة،
تَذَكَّرُوا نَبِيًّا كَرِيمًا كَادَ قَوْمُهُ أَنْ يَقْتُلُوه، وَأَخْرَجُوهُ
مِنْ دَارِه، وَقَتَلُوا أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْه، فَمَا كَانَ مِنْهُ يَوْمَ
الْفَتْحِ إِلَّا أَنْ وَقَفَ شَامِخًا وَقَال: «مَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ
بِكُمْ؟» قَالُوا: "أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيم", فَقَالَ
الْقَائِدُ الْمُلْهِمُ الَّذِي عَلَّمَنَا حَقْنِ الدِّمَاء: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ
الطُّلَقَاءُ» [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ]. فَإِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ
عَفَا عَمَّنْ حَارَبَهُ فِي دِينِهِ وَعَقِيدَتِه، فَكَيْفَ لَا يَعْفُو الْجَارُ
عَنْ جَارِهِ وَالدَّمُ عَنْ دَمِه؟ وَكَيْفَ لَا نَكْظِمُ الْغَيْظَ وَنَحْنُ
نَرَى بَلْدَتَنَا تَحْتَرِق؟ إِنَّ الْعَفْوَ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ هُوَ
"ذِرْوَةُ السَّنَام" فِي الْأَخْلَاق، وَهُوَ الَّذِي يَقْطَعُ
الطَّرِيقَ عَلَى الشَّيْطَانِ وَعَلَى الْمُحْتَلِّ الْمُتَرَبِّص.
يَا نِسَاءَ آلِ اخْلَيِّل وَآلِ أَبُو عَيَّاش.. يَا صَانِعَاتِ
الرِّجَالِ وَحَامِيَاتِ الْبِيُوت.. إِنَّ النِّدَاءَ لَكُنَّ الْيَوْمَ هُوَ
نِدَاءُ الْقَلْبِ وَالْعَقْل؛ فَلَا تَكُنَّ مِنَ اللَّوَاتِي يُوقِدْنَ نَارَ
الثَّأْرِ بِالْكَلِمَاتِ وَالتَّحْرِيض، بَلْ كُنَّ كَخَدِيجَةَ وَعَائِشَة،
مُهَدِّئَاتٍ لِلرَّوْعِ وَحَاقِنَاتٍ لِلدِّمَاء. إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي
فَقَدَتْ (أَكْثَم) هِيَ أُخْتٌ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي فَقَدَتْ (أَكْرَم)،
وَكِلَاهُمَا تَذْرِفَانِ دَمْعًا وَاحِدًا وَتَحْمِلَانِ جُرْحًا وَاحِدًا. فَلَا
تَزِيدُوا مِنْ مَرَارَةِ الْأُمَّهَاتِ بِمَزِيدٍ مِنَ الْأَيْتَام؛ فَصَرْخَةٌ
وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ بِكَلِمَةِ "كَفَى" قَدْ تُعِيدُ لِلرَّجُلِ
عَقْلَهُ وَتَمْنَعُ رَصَاصَةً مِنَ الِانْطِلَاق. إِنَّ التَّارِيخَ يُسَجِّلُ
فِي صَفَحَاتٍ مِنْ نُورٍ تِلْكَ النِّسَاءَ اللَّوَاتِي وَقَفْنَ حَائِلًا بَيْنَ
السُّيُوفِ وَمَنَعْنَ وُقُوعَ الْمَذَابِح؛ فَكُنَّ أَنْتُنَّ طَوْقَ النَّجَاةِ
لِبَيْت أُمَّر، وَذَكِّرْنَ الرِّجَالَ بِأَنَّ الْبِيُوتَ الَّتِي تُحْرَقُ هِيَ
بُيُوتُكُنَّ، وَأَنَّ الْأَطْفَالَ الَّذِينَ يَرْتَجِفُونَ هُمْ أَطْفَالُكُنَّ،
وَأَنَّ الدَّمَ الَّذِي يَسِيلُ هُوَ دَمٌ لَا يُنْبِتُ إِلَّا الْخَرَاب. فَلَا
تَفْتَخِرْنَ بِالثَّأْر، بَلِ افْتَخِرْنَ بِالصُّلْحِ الَّذِي يَحْفَظُ
الْحَيَاةَ وَيَصُونُ الْعِرْضَ وَالسَّتْر.
وَيَا شَبَابَ بَيْت أُمَّر.. يَا مَنْ تَمْلِكُونَ الْعُنْفُوَانَ
وَالْقُوَّة.. إِنَّنَا نُخَاطِبُكُمْ خِطَابَ الْعَقْلِ وَالْمَنْطِق، لَا
خِطَابَ الْعَاطِفَةِ الزَّائِفَة. إِنَّ مَنْ يُغَرِّرُ بِكُمُ الْيَوْمَ
وَيَقُولُ لَكُمْ: "إِنَّ الْقَتْلَ هُوَ الرُّجُولَة", هُوَ عَدُوٌّ
لَكُمْ يُرِيدُ دَمَارَكُم. إِنَّ السِّجْنَ خَلْفَ الْقُضْبَان، أَوِ الْقَبْرَ
تَحْتَ التُّرَاب، لَيْسَ مَكَانًا لِلْأَبْطَال؛ بَلِ الْأَبْطَالُ هُمُ
الَّذِينَ يُرَابِطُونَ عَلَى الثُّغُور، وَيَحْمُونَ حُدُودَ بَلْدَتِهِمْ مِنَ
الْمُسْتَوْطِنِينَ، وَيَصُونُونَ حُرْمَةَ الْجَار. انْظُرُوا إِلَى الْخَسَائِرِ
الَّتِي وَقَعَتْ؛ مَلَايِينُ الدَّنَانِيرِ تَبَخَّرَتْ فِي لَحَظَاتِ حِقْد،
وَبِيُوتٌ كَانَتْ عَامِرَةً أَصْبَحَتْ أَطْلَالًا. فَهَلْ هَذَا هُوَ
الْمُسْتَقْبَلُ الَّذِي تَنْشُدُون؟ إِنَّ الْبِنَاءَ يَحْتَاجُ لِسِنِين،
وَالدَّمَارَ لَا يَحْتَاجُ إِلَّا لِثَانِيَةٍ وَاحِدَة. فَلَا تَهْدِمُوا مَا
بَنَاهُ آبَاؤُكُم، وَلَا تَتْرُكُوا لِأَطْفَالِكُمْ "إِرْثًا مِنَ الدَّمِ
وَالْحِقْد", بَلِ اتْرُكُوا لَهُمْ بَلْدَةً مُوَحَّدَةً وَقَوِيَّة.
وَاعْلَمُوا أَنَّ الرَّصَاصَةَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ سِلَاحِكَ الْيَوْمَ
لِتُصِيبَ ابْنَ بَلَدِك، هِيَ رَصَاصَةٌ سَتَظَلُّ تُطَارِدُكَ فِي نَوْمِكَ
وَيَقَظَتِك، وَسَتَقِفُ خَصْمًا لَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّه؛ فَكُفُّوا
أَيْدِيَكُم، وَاغْسِلُوا قُلُوبَكُمْ بِمَاءِ التَّسَامُح، وَاعْلَمُوا أَنَّ
الْقُوَّةَ فِي الْوَحْدَةِ لَا فِي الْفُرْقَة.
إِنَّنَا نَضَعُ الْيَوْمَ هَذَا [الْمِيثَاق الْمَلْحَمِيّ]
عَهْدًا فِي رِقَابِكُمْ جَمِيعًا.. عَهْدًا يَسْأَلُكُمُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ
الْقِيَامَة. إِنَّنَا نُطَالِبُ وُجَهَاءَ الْعَائِلَتَيْنِ وَكِبَارَهُمَا
بِالْجُلُوسِ الْفَوْرِيِّ تَحْتَ ظِلِّ شَرْعِ اللَّه، وَإِصْدَارِ بَيَانٍ
رَسْمِيٍّ وَشَامِلٍ يَقْضِي بِتَحْرِيمِ الدَّمِ تَحْرِيمًا مُطْلَقًا، وَرَفْعِ
الْغِطَاءَ عَنْ كُلِّ مَنْ يَحْمِلُ السِّلَاحَ لِلْفِتْنَة، وَالْبَدْءِ
بِإِحْصَاءِ الْأَضْرَارِ وَالتَّعْوِيضِ الْعَادِلِ وَفْقَ مَا تَقْتَضِيهِ
الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّة. لَا وَسَاطَةَ لِقَوَانِينَ وَضْعِيَّة، وَلَا
مُمَاطَلَةَ لِمَحَاكِمَ بَشَرِيَّة، بَلْ حُكْمُ اللَّهِ الْفَوْرِيُّ
وَالنَّاجِز. إِنَّنَا نُنَادِي كُلَّ صَاحِبِ ضَمِيرٍ فِي (صُورِيف) وَ
(الْعَرُّوب) وَ (حَلْحُول) وَمُحَافَظَةِ الْخَلِيلِ عَامَّة: "لَا
تَتْرُكُوا بَيْت أُمَّر وَحِيدَةً فِي هَذِهِ الْمِحْنَة"؛ فَإِذَا
احْتَرَقَتْ بَيْت أُمَّر، فَالدُّخَانُ سَيَصِلُ إِلَى كُلِّ بَيْت. وَإِنَّنَا
نُنَاشِدُ مَنْ يَمْلِكُ الْكَلِمَةَ وَالْمَوْعِظَةَ أَنْ يَصْدَحَ بِالْحَقِّ
وَلَا يَخْشَى فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِم؛ فَحَقْنُ دَمِ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ
أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. فَكَيْفَ بِمَنْ بَلْدَةٍ
بِأَكْمَلِهَا تَقِفُ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ الدَّمَار؟
اللَّهُمَّ إِنَّا قَدْ بَلَّغْنَا، اللَّهُمَّ فَاشْهَد..
اللَّهُمَّ إِنَّا نَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ رَصَاصَةٍ طَائِشَة، وَمِنْ كُلِّ
دَارٍ مُحْتَرِقَة، وَمِنْ كُلِّ تَحْرِيضٍ أَدَّى إِلَى مَقْتَلَة.. اللَّهُمَّ
إِنَّا نَسْتَوْدِعُكَ بَيْت أُمَّر، أَهْلَهَا وَشَبَابَهَا، نِسَاءَهَا
وَأَطْفَالَهَا. اللَّهُمَّ أَنْزِلِ السَّكِينَةَ عَلَى قُلُوبِ (آلِ اخْلَيِّل)،
وَأَلْهِمْهُمُ الصَّبْرَ وَالْحِكْمَة، وَأَنْزِلِ السَّكِينَةَ عَلَى قُلُوبِ
(آلِ أَبُو عَيَّاش)، وَاهْدِهِمْ لِسَبِيلِ الرَّشَاد. اللَّهُمَّ ارْحَمْ
(أَكْثَم اخْلَيِّل) وَتَقَبَّلْهُ عِنْدَكَ فِي الشُّهَدَاءِ وَالْمَظْلُومِين،
وَارْحَمْ (أَكْرَم أَبُو عَيَّاش) وَاغْفِرْ لَهُ وَاجْعَلْ قَبْرَهُ رَوْضَةً
مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّة. اللَّهُمَّ جَازِ مَنْ قَتَلَهُمَا بِمَا يَسْتَحِقّ،
وَخُذْ بِحَقِّ الْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِم، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ
الْعَائِلَتَيْنِ كَمَا أَلَّفْتَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَج. اللَّهُمَّ
انْزِعْ سَخِيمَةَ الصُّدُور، وَاغْسِلْ أَحْقَادَ النُّفُوس، وَاجْعَلْهُمْ يَدًا
وَاحِدَةً عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِم. اللَّهُمَّ لَا تُشْمِتْ بِنَا
الْأَعْدَاء، وَلَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا. اللَّهُمَّ احْقُنْ
دِمَاءَنَا، وَصُنْ أَعْرَاضَنَا، وَاحْفَظْ بُيُوتَنَا، وَاجْعَلْ هَذِهِ
الْبَلْدَةَ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكْرَمَ الْأكْرَمِين.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِبَيْت أُمَّر سُوءًا أَوْ فِتْنَةً فَاجْعَلْ كَيْدَهُ
فِي نَحْرِه، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيْه. اللَّهُمَّ وَفِّقْ
رِجَالَ الْإِصْلَاحِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاجْعَلْ كَلِمَتَنَا وَاحِدَة،
وَصَفَّنَا وَاحِدًا، وَدِينَنَا وَاحِدًا. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا
مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ
الدِّين.
الْمَصْدَرُ: مُدَوَّنَةُ الشَّيْخ زُهَيْرِ
بْنِ حَسَنٍ حُمَيْدَات
https://zuhayr-humaydat.blogspot.com/2026/04/blog-post_23.html
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق