الصفحات

الصفحات

2025-11-20

نواقض الإسلام العشرة وموانع التكفير

نَوَاقِضُ الإسْلامِ العَشَرَةُ ومَوَانِعُ التَّكْفِيرِ

الخطيب: الشيخ زهير بن حسن حميدات.

الدولة: فلسطين، الخليل، صوريف.

تاريخ الخطبة: 30/جمادى الأولى/1447هـ (21/11/2025م).

الخُطبَةُ الأُولَى: نَوَاقِضُ الإسْلامِ العَشَرَةُ:

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الأَحَدِ، اَلْفَرْدِ الصَّمَدِ، اَلَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. نَحْمَدُهُ حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، وَنَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ وَالْهِدَايَةَ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَالرَّشَادِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُنْجِي قَائِلَهَا مِنَ الْأَهْوَالِ وَالشَّدَائِدِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اَلَّذِي أَرْسَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَقُدْوَةً لِلسَّائِرِينَ، فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، وَكَشَفَ الْغُمَّةَ، وَجَاهَدَ فِي اللهِ حَقَّ الْجِهَادِ، حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ الْعِمَادِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،

اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ السَّفِينَةُ الَّتِي نَرْكَبُهَا، وَالنَّجَاةُ الَّتِي نَطْلُبُهَا، وَالْعُرْوَةُ الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.

أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ أَصْلَ دِينِكُمْ وَأَسَاسَ مِلَّتِكُمْ هُوَ التَّوْحِيدُ، وَهُوَ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ، وَعُرْوَتُهُ الْوُثْقَى. وَإِنَّهُ كَمَا أَنَّ لِلْإِيمَانِ أَسْبَابًا وَعَوَامِلَ تَزِيدُ وَتُثَبِّتُ، فَإِنَّ لَهُ نَوَاقِضَ وَمَوَانِعَ تُزِيلُ وَتُبَدِّدُ. وَلَقَدْ بَيَّنَ لَنَا إِمَامُ الْأَئِمَّةِ، وَشَيْخُ الدُّعَاةِ، الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ، تِلْكُمُ النَّوَاقِضَ الْعَشَرَةَ الَّتِي تُودِي بِصَاحِبِهَا إِلَى مَهَاوِي الرِّدَّةِ وَالْخُسْرَانِ. فَتَعَالَوْا بِنَا الْيَوْمَ نَتَفَحَّصُ هَذِهِ النَّوَاقِضَ، لِتَكُونَ لَنَا حِصْنًا وَاقِيًا، وَسِيَاجًا حَامِيًا، يَحْفَظُ عَلَيْنَا إِيمَانَنَا مِنَ الزَّيْغِ وَالْبُهْتَانِ.

v   النَّاقِضُ الأَوَّلُ: الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ،

إِنَّ أَخْطَرَ النَّوَاقِضِ وَأَعْظَمَهَا جُرْمًا، هُوَ الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْمُحْكَمِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨].

فَالشِّرْكُ هُوَ الظُّلْمُ الْأَكْبَرُ، وَالذَّنْبُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ، وَهُوَ صَرْفُ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، كَـدُعَاءِ الْأَمْوَاتِ، وَالِاسْتِغَاثَةِ بِغَيْرِهِ فِي مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا الْخَالِقُ، أَوِ الذَّبْحِ وَالنَّذْرِ لِلْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.

يَا عِبَادَ اللهِ،

تَذَكَّرُوا قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، حِينَ حَاوَرَ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَالْكَوَاكِبَ. لَقَدْ صَدَعَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَقَالَ لَهُمْ: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]. فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ مِنْ ضَلَالَةٍ، أَوْ بَعْدَ هَذَا النُّورِ مِنْ عَتْمَةٍ؟

v   النَّاقِضُ الثَّانِي: مَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ يَدْعُوهُمْ وَيَسْأَلُهُمُ الشَّفَاعَةَ.

وَهَذَا النَّاقِضُ يُمَثِّلُ اللَّبِنَةَ الثَّانِيَةَ فِي صَرْحِ الرِّدَّةِ، وَهُوَ اِتِّخَاذُ الْوَسَائِطِ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الشَّفَاعَاتِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ. ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَوْلِيَاءَ أَوِ الْقُبُورَ تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللهِ زُلْفَى. وَهَذَا هُوَ عَيْنُ فِعْلِ الْمُشْرِكِينَ الْأَوَّلِينَ، الَّذِينَ قَالُوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: ٣].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،

إِنَّ الشَّفَاعَةَ مُلْكٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَلَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا تُعْطَى إِلَّا بِإِذْنِهِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤].

فَمَنْ طَلَبَ الشَّفَاعَةَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، فَقَدْ أَشْرَكَ بِهِ، وَمَالَ عَنْ جَادَّةِ الْهُدَى، وَخَالَفَ نَهْجَ الْمُصْطَفَى.

v   النَّاقِضُ الثَّالِثُ: مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ.

وَهُوَ نَاقِضٌ خَطِيرٌ، يَمَسُّ أَصْلَ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ، وَهُوَ عَدَمُ تَكْفِيرِ مَنْ ثَبَتَ شِرْكُهُمْ، أَوِ الشَّكُّ فِي كُفْرِهِمُ الْجَلِيِّ. إِنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.

قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ: "وَهَذَا هُوَ أَصْلُ الدِّينِ الَّذِي لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِ". فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ امْرِئٍ، وَهُوَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُوَحِّدِ وَالْمُشْرِكِ؟ تَأَمَّلُوا قِصَّةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ فِرْعَوْنَ، وَكَيْفَ وَصَفَهُ اللهُ بِالْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ، فَهَلْ يَجُوزُ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُصَحِّحَ مَذْهَبَ فِرْعَوْنَ أَوْ يَتَوَقَّفَ فِي كُفْرِهِ؟ حَاشَا وَكَلَّا!

v   النَّاقِضُ الرَّابِعُ: مَنِ اِعْتَقَدَ أَنَّ هَدْيَ غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ.

هَذَا النَّاقِضُ يَطْعَنُ فِي مَقَامِ النُّبُوَّةِ وَكَمَالِ الرِّسَالَةِ. فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ نِظَامًا وَضْعِيًّا، أَوْ قَانُونًا بَشَرِيًّا، أَوْ هَدْيَ طَائِفَةٍ، أَكْمَلُ وَأَتَمُّ وَأَصْلَحُ مِنْ شَرِيعَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ.

قَالَ تَعَالَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].

فَالْكَمَالُ كُلُّهُ فِي شَرْعِهِ الْمُبِينِ، وَالنَّقْصُ كُلُّهُ فِي مَا سِوَاهُ مِنْ آرَاءِ الْبَشَرِ وَشَرَائِعِ الْخَلْقِ.

v   النَّاقِضُ الْخَامِسُ: مَنْ أَبْغَضَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ عَمِلَ بِهِ.

إِنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ مُجَرَّدَ أَعْمَالِ جَوَارِحَ، بَلْ هُوَ تَصْدِيقُ قَلْبٍ وَرِضًا نَفْسٍ، وَمَحَبَّةٌ خَالِصَةٌ لِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الْمِنْهَاجُ النَّبَوِيُّ. فَمَنْ أَبْغَضَ حُكْمًا شَرْعِيًّا ثَابِتًا، كَـتَحْرِيمِ الرِّبَا، أَوْ وُجُوبِ الْحِجَابِ، أَوِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَدْ كَفَرَ، وَلَوْ كَانَ يَعْمَلُ بِذَلِكَ الْوَاجِبِ أَوْ يَجْتَنِبُ ذَلِكَ الْمُحَرَّمَ رِيَاءً أَوْ خَوْفًا مِنَ السُّلْطَانِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩].

فَإِيَّاكُمْ وَالِاعْتِرَاضَ أَوِ التَّأَفُّفَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّهُ يَهْدِمُ الْأَرْكَانَ وَيُقَوِّضُ الْبُنْيَانَ.

v   النَّاقِضُ السَّادِسُ: مَنِ اسْتَهْزَأَ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ ثَوَابِهِ أَوْ عِقَابِهِ

وَهُوَ مِنْ أَبْشَعِ النَّوَاقِضِ وَأَقْذَرِهَا، كَمَنْ يَسْتَهْزِئُ بِـلِحْيَةٍ أَوْ بِـصَلَاةٍ أَوْ بِـجَنَّةٍ أَوْ بِـنَارٍ. إِنَّ السُّخْرِيَةَ مِنَ الشَّعَائِرِ أَوِ الْأَحْكَامِ أَوِ الْوَعِيدِ الرَّبَّانِيِّ، هُوَ اِسْتِخْفَافٌ بِـالْمَقَامِ الْإِلَهِيِّ، وَجُحُودٌ لِلرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ.

قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُسْتَهْزِئِينَ: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥-٦٦].

اُنْظُرُوا إِلَى هَذِهِ الْآيَاتِ كَيْفَ حَكَمَتْ بِـالْكُفْرِ عَلَى مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الِاسْتِهْزَاءُ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ!

v   النَّاقِضُ السَّابِعُ: السِّحْرُ وَالصَّرْفُ وَالْعَطْفُ.

يَا أُمَّةَ الْإِسْلَامِ،

اَلسِّحْرُ هُوَ كُفْرٌ وَضَلَالٌ، لِمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِعَانَةِ بِـالشَّيَاطِينِ، وَادِّعَاءِ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَتَغْيِيرٍ لِـطَبَائِعِ الْأَشْيَاءِ. وَمَنْ فَعَلَهُ أَوْ رَضِيَهُ فَقَدْ دَخَلَ فِي دَائِرَةِ الضَّلَالِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].

فَالسَّاحِرُ كَافِرٌ، وَحُكْمُهُ الْقَتْلُ، كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.

v   النَّاقِضُ الثَّامِنُ: مُظَاهَرَةُ الْمُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

وَهُوَ نَاقِضٌ يَمَسُّ أَصْلَ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ، وَالتَّحَالُفَ مَعَ أَعْدَاءِ الدِّينِ لِـمُحَارَبَةِ أَهْلِهِ. إِنَّ مُنَاصَرَةَ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمُعَاوَنَتَهُمْ فِي الْقَضَاءِ عَلَى شَرِيعَةِ اللهِ، هُوَ رِدَّةٌ صَرِيحَةٌ عَنْ دِينِ الْقَيِّمِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].

هَذِهِ الْآيَةُ نَصٌّ قَاطِعٌ، وَحُكْمٌ صَرِيحٌ، بِأَنَّ مَنْ وَالَاهُمْ نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُمْ، وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِحُكْمِهِمْ.

v   النَّاقِضُ التَّاسِعُ: مَنِ اِعْتَقَدَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَسَعُهُ الْخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَهَذَا النَّاقِضُ يَضْرِبُ فِي جُذُورِ الِاعْتِقَادِ، وَهُوَ زَعْمُ أَنَّ هُنَاكَ طَائِفَةً، أَوْ رُتْبَةً، أَوْ مَنْزِلَةً، تَجْعَلُ صَاحِبَهَا مُسْتَغْنِيًا عَنِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ وَالضَّالِّينَ.

وَلَكِنَّ الشَّرِيعَةَ عَامَّةٌ وَشَامِلَةٌ، لَا يَسَعُ أَحَدًا الْخُرُوجُ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ أَتْقَى الْخَلْقِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨].

فَشَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ هِيَ الْمُهَيْمِنَةُ عَلَى كُلِّ مَا قَبْلَهَا، وَلَا خُرُوجَ لِأَحَدٍ مِنْهَا، لَا نَبِيٌّ وَلَا وَلِيٌّ.

v   النَّاقِضُ الْعَاشِرُ: الْإِعْرَاضُ عَنْ دِينِ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ.

وَهُوَ نَاقِضُ الْإِهْمَالِ وَالتَّرْكِ، وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِـالتَّعَلُّمِ وَالْعَمَلِ، الَّذِي يُخْشَى مَعَهُ أَنْ يَمُوتَ عَلَى الْجَهَالَةِ وَالضَّلَالَةِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ۚ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].

فَالتَّعَلُّمُ فَرِيضَةٌ، وَالْعَمَلُ ضَرُورَةٌ، وَالْإِعْرَاضُ مُوجِبٌ لِلْعُقُوبَةِ.

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ الْكِرَامُ،

هَذِهِ هِيَ النَّوَاقِضُ الْعَشَرَةُ، وَهِيَ فِخَاخُ الشَّيْطَانِ وَحِبَالُهُ، فَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ مِنْهَا، وَتَمَسَّكُوا بِـحَبْلِ اللهِ الْمَتِينِ، وَاثْبُتُوا عَلَى التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَالْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ: مَوَانِعُ التَّكفِيرِ:

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اَلدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ. اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَإِخْوَانِهِ.

عِبَادَ اللهِ،

إِذَا كَانَ الْبَابُ الْأَوَّلُ هُوَ مَعْرِفَةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْمِلَّةِ وَيَهْدِمُ الْأَرْكَانَ، فَإِنَّ الْبَابَ الثَّانِيَ لَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً، وَهُوَ مَعْرِفَةُ مَا يَمْنَعُ مِنْ إِيقَاعِ الْحُكْمِ عَلَى الْأَعْيَانِ، أَلَا وَهِيَ مَوَانِعُ التَّكْفِيرِ. إِنَّ الْحُكْمَ بِـالتَّكْفِيرِ لَيْسَ لَعِبًا، وَلَا هَوًى، بَلْ هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحَقُّقِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ. وَمَنْ تَسَرَّعَ فِيهِ فَقَدْ وَقَعَ فِي مَهْلَكَةٍ، وَخَالَفَ الْهُدَى، وَنَابَذَ الرَّشَادَ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،

إِنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ ضَوَابِطُ دَقِيقَةٌ، وَلَا يُكَفَّرُ الْمُسْلِمُ بِارْتِكَابِ نَاقِضٍ مِنَ النَّوَاقِضِ، مَا لَمْ تَنْتَفِ عَنْهُ الْمَوَانِعُ التَّالِيَةُ:

·       أَوَّلاً: الْجَهْلُ بِالنَّاقِضِ وَعَدَمُ قِيَامِ الْحُجَّةِ.

وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَوَانِعِ، فَمَنْ وَقَعَ فِي الْكُفْرِ أَوِ الشِّرْكِ وَهُوَ جَاهِلٌ بِكَوْنِهِ كُفْرًا، أَوْ لَمْ تَبْلُغْهُ الْحُجَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُبَيَّنَةُ، فَإِنَّهُ لَا يُكَفَّرُ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].

وَتَذَكَّرُوا قِصَّةَ الرَّجُلِ الَّذِي أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُحْرِقُوهُ وَيَذْرُوا رَمَادَهُ فِي الْيَمِّ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ اللهَ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "غَفَرَ اللَّهُ لَهُ"، لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِ وَظَنِّهِ، فَكَانَ الْجَهْلُ مَانِعًا مِنْ تَكْفِيرِهِ بِالرَّغْمِ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الْكُفْرُ!

·       ثانياً: الْخَطَأُ وَالتَّأْوِيلُ وَالظَّنُّ الْفَاسِدُ.

وَهَذَا الْمَانِعُ يَرْفَعُ الْإِثْمَ وَالْكُفْرَ عَمَّنْ أَخْطَأَ فِي فَهْمِ النَّصِّ، أَوْ تَأَوَّلَهُ عَلَى وَجْهٍ فَاسِدٍ يَظُنُّهُ حَقًّا، مَا لَمْ يَكُنْ مُكَابِرًا أَوْ مُعَانِدًا.

قَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].

وَالْمِثَالُ الْبَلِيغُ هُوَ حَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ... فَلَمَّا وَجَدَهَا، قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ" (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). فَلَمْ يُكَفَّرْ بِالرَّغْمِ مِنْ قَوْلِهِ الصَّرِيحِ، لِأَنَّ الْخَطَأَ كَانَ مَانِعًا.

·       ثالثاً: الْإِكْرَاهُ الْمُلْجِئُ.

وَهُوَ أَنْ يُكْرَهَ الْمُسْلِمُ عَلَى النُّطْقِ بِـكَلِمَةِ الْكُفْرِ، أَوْ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْهَا، خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].

وَالْمِثَالُ الْعَظِيمُ هُوَ قِصَّةُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، حِينَمَا أُكْرِهَ عَلَى سَبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ فِي ذَلِكَ مَا دَامَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ.

يَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ،

إِنَّ التَّثَبُّتَ فِي التَّكْفِيرِ هُوَ مِنْ أُصُولِ الْمَنْهَجِ السَّلِيمِ. فَالْأَصْلُ فِي الْمُسْلِمِ بَقَاءُ إِسْلَامِهِ، وَلَا نَنْتَقِلُ إِلَى الْخُرُوجِ عَنْهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ وَاضِحَةٍ، وَبَعْدَ إِزَالَةِ الشُّبُهَاتِ وَالْمَوَانِعِ. إِنَّ الْإِفْرَاطَ فِي التَّكْفِيرِ وَبَاءٌ، وَالتَّفْرِيطَ فِيهِ ضَيَاعٌ. فَكُونُوا مِمَّنِ اتَّبَعَ السَّلَفَ الصَّالِحَ، وَتَوَقَّفَ حَيْثُ تَوَقَّفُوا، وَأَثْبَتَ حَيْثُ أَثْبَتُوا.

اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ وَالعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاجْعَلْ بِلَادَنَا بِلَادَ أَمْنٍ وَإِيمَان. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق