الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِي الْجَمْعِ بِسَبَبِ
الْمَطَرِ
كتبه: الشيخ زهير بن حسن حميدات
إِنَّ الصَّلَاةَ فِي الْإِسْلَامِ هِيَ عِمَادُ
الدِّينِ، وَقَدْ أَوْجَبَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ أَدَاءَهَا فِي أَوْقَاتِهَا
الْمُحَدَّدَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ
كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103].
وَمَعَ هَذَا الْوُجُوبِ، جَاءَتْ أَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ مُتَّسِمَةً
بِالتَّيْسِيرِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ، عَمَلًا بِقَاعِدَةِ: "الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ". وَمِنْ
أَبْرَزِ مَظَاهِرِ هَذَا التَّيْسِيرِ هِيَ رُخْصَةُ جَمْعِ الصَّلَوَاتِ فِي
حَالَاتِ الْأَعْذَارِ، وَمِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ
الطَّبِيعَةِ، كَالْجَمْعِ بِسَبَبِ الْمَطَرِ.
·
الْمَحْوَرُ
الْأَوَّلُ: أَصْلُ مَشْرُوعِيَّةِ الْجَمْعِ وَحُدُودُهُ:
الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ هُوَ أَدَاءُ
فَرْضَيْنِ فِي وَقْتِ أَحَدِهِمَا (جَمْعُ تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ).
وَالْجَمْعُ بِسَبَبِ الْمَطَرِ هُوَ مِنْ بَابِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ فَقَطْ
(جَمْعُ الظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، وَالْمَغْرِبِ مَعَ
الْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ)، وَقَدْ وَرَدَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ عَنْ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ
(خَاصَّةً الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ).
v أَنْوَاعُ
الصَّلَوَاتِ الْمَجْمُوعَةِ:
يَجُوزُ الْجَمْعُ بِسَبَبِ الْمَطَرِ فِيمَا يُسَمَّى
بِـ "الصَّلَوَاتِ الْمُتَّفِقَةِ فِي شُرُوطِ الْجَمْعِ"،
وَهِيَ:
1. الظُّهْرُ
مَعَ الْعَصْرِ (جَمْعُ تَقْدِيمٍ فَقَطْ).
2. الْمَغْرِبُ
مَعَ الْعِشَاءِ (جَمْعُ تَقْدِيمٍ فَقَطْ).
وَلَا يَجُوزُ جَمْعُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مَعَ غَيْرِهَا،
وَلَا جَمْعُ الْعَصْرِ مَعَ الْمَغْرِبِ، لِاخْتِلَافِ أَوْقَاتِهِمَا
الْمُقَرَّرَةِ فِي الْأَصْلِ.
·
الْمَحْوَرُ الثَّانِي:
شُرُوطُ
الْجَمْعِ الصَّحِيحِ بِسَبَبِ الْمَطَرِ:
لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ نُزُولِ الْمَطَرِ لِإِجَازَةِ
الْجَمْعِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ عِدَّةِ شُرُوطٍ فِقْهِيَّةٍ، وَهِيَ
تَدُورُ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي
الرُّخْصَةَ:
1. الْمَطَرُ الَّذِي يُبِيحُ الْجَمْعَ
(عِلَّةُ الْحُكْمِ):
يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَطَرُ غَزِيرًا بِحَيْثُ يَتَسَبَّبُ فِي الْإِذَايَةِ وَيُحْدِثُ
مَشَقَّةً فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ وَالْعَوْدَةِ مِنْهُ. وَعِنْدَ
الْفُقَهَاءِ (كَالْحَنَابِلَةِ)، يُقَدَّرُ هَذَا الْمَطَرُ بِالْمَطَرِ الَّذِي يُبَلِّ الْأَثْوَابَ وَتَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ، وَلَيْسَ
مُجَرَّدَ رَشٍّ خَفِيفٍ.
مُلَاحَظَةٌ: يَلْحَقُ بِالْمَطَرِ
فِي الْحُكْمِ الثَّلْجُ وَ الْبَرَدُ وَ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الْبَارِدَةُ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ؛
لِأَنَّ عِلَّةَ الْجَمْعِ هِيَ الْمَشَقَّةُ، وَهَذِهِ الظَّوَاهِرُ تُسَبِّبُ
مِثْلَ تِلْكَ الْمَشَقَّةِ.
2. وُجُودُ الْمَطَرِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي
الصَّلَاةِ الْأُولَى:
يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَطَرُ نَازِلًا
وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ الْأُولَى (كَنِيَّةِ الْمَغْرِبِ
فِي جَمْعِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ). وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْمَطَرِ بَعْدَ
ذَلِكَ لِصِحَّةِ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ
بَقَاؤُهُ إِلَى السَّلَامِ مِنَ الْأُولَى.
3. النِّيَّةُ وَالتَّرْتِيبُ
وَالْمُوَالَاةُ:
·
النِّيَّةُ:
يَنْوِي الْمُصَلِّي الْجَمْعَ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ الْأُولَى.
·
التَّرْتِيبُ:
يُصَلِّي الْأُولَى ثُمَّ الثَّانِيَةَ (الظُّهْرُ قَبْلَ الْعَصْرِ،
وَالْمَغْرِبُ قَبْلَ الْعِشَاءِ).
·
الْمُوَالَاةُ
(الْمُتَابَعَةُ): يَلْزَمُ الْمُصَلِّي أَنْ يُوَالِيَ
بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَلَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِفَاصِلٍ طَوِيلٍ؛
لِأَنَّهُمَا أُجْرِيَتَا مَجْرَى الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ بِالْجَمْعِ.
4. شَرْطُ الْجَمَاعَةِ وَالْمَشْيِ:
يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ رُخْصَةَ الْجَمْعِ
بِسَبَبِ الْمَطَرِ إِنَّمَا هِيَ لِأَجْلِ الْجَمَاعَةِ، فَيَجُوزُ
الْجَمْعُ لِمَنْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ وَيَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ
فِي الْعَوْدَةِ إِلَيْهِ مَرَّتَيْنِ.
·
الْمَحْوَرُ
الثَّالِثُ: حُكْمُ الْجَمْعِ خِلَافًا لِلْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ:
لَمْ يَتَّفِقِ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْجَمْعِ بِسَبَبِ
الْمَطَرِ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ الْأَمْرَ يَدْخُلُ فِي سَعَةِ الِاجْتِهَادِ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ (عِلَّةِ
الْحُكْمِ):
1. الْحَنَفِيَّةُ:
لَا يُجِيزُونَ الْجَمْعَ بِسَبَبِ الْمَطَرِ إِطْلَاقًا، لِأَنَّ الْأَصْلَ
عَدَمُ الْجَمْعِ إِلَّا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ (كَالسَّفَرِ وَالْحَجِّ)، وَيَرَوْنَ
أَنَّ رُخْصَةَ الْمَطَرِ هِيَ فَقَطْ فِي الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ
(تَرْكُ الذَّهَابِ لِلْمَسْجِدِ)، لَا الْجَمْعَ.
2. الْمَالِكِيَّةُ:
يُجِيزُونَ الْجَمْعَ فِي حَالَةِ الْمَطَرِ وَالطِّينِ، وَلَكِنْ لَا
يُجِيزُونَهُ إِلَّا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَقَطْ،
وَلَا يُجِيزُونَهُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.
3. الشَّافِعِيَّةُ
وَالْحَنَابِلَةُ: وَهُمَا جُمْهُورُ الْقَائِلِينَ
بِجَوَازِ الْجَمْعِ، يُجِيزُونَهُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ،
وَبَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ،
بِشُرُوطٍ شَدِيدَةٍ تَدُورُ حَوْلَ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ الْبَالِغَةِ.
الْقَوْلُ الرَّاجِحُ: الْقَوْلُ
الرَّاجِحُ وَالْأَكْثَرُ تَيْسِيرًا وَمُنَاسَبَةً لِعِلَّةِ رَفْعِ الْحَرَجِ
هُوَ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ جَمْعَ
تَقْدِيمٍ مَتَى وُجِدَتْ مَشَقَّةُ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ.
·
خَاتِمَةٌ: التَّوْجِيهُ
الشَّرْعِيُّ وَتَجَنُّبُ التَّسَاهُلِ
إِنَّ الْجَمْعَ لِأَجْلِ الْمَطَرِ هُوَ رُخْصَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَا عَزِيمَةٌ، فَلَا يَجُوزُ
التَّسَاهُلُ فِيهَا بِحُجَّةِ الْيُسْرِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُتَحَرَّى فِيهَا
حُصُولُ الْمَشَقَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ. وَعَلَى إِمَامِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَكُونَ
مُتَثَبِّتًا، فَلَا يَأْمُرُ بِالْجَمْعِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَطَرُ
بِالْوَصْفِ الَّذِي يَجْعَلُ الذَّهَابَ وَالْإِيَابَ مَرَّتَيْنِ فِيهِ
إِذَايَةً ظَاهِرَةً لِعَامَّةِ الْمُصَلِّينَ. فَالْغَايَةُ هِيَ التَّيْسِيرُ
عَلَى الْخَلْقِ، لَا إِسْقَاطُ التَّكْلِيفِ عَنْهُمْ دُونَ وُجُودِ الْحَاجَةِ
الشَّرْعِيَّةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
لَا تَنْسَوْنَا مِنْ صَالِحِ دُعَائِكُمْ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق