الصفحات

الصفحات

2026-01-12

الفصل الأول: { سكرات الموت ورحلة الروح } من كتاب: ( حكاية مؤمن : من فراش الموت إلى رياض الجنة ) للشيخ: زهير بن حسن حميدات

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ مِنْ كِتَاب

حِكَايَةُ مُؤْمِن

مِنْ فِرَاشِ الْمَوْت .. إِلَى رِيَاضِ الْجَنَّة

الْفَصْلُ الْأَوَّل:

سَكَرَاتُ الْمَوْتِ وَرِحْلَةُ الرُّوح

كَتَبَهُ الشَّيْخ : زُهَيْر بْنُ حَسَن حُمَيْدَات


هَا هِيَ شَمْسُ الْعُمْرِ تَجْنَحُ نَحْوَ الْمَغِيب..

وَسَفِينَةُ الْأَيَّامِ الَّتِي طَالَمَا مَخَرَتْ عُبَابَ الْحَيَاةِ تَدْنُو الْآنَ مِنْ شَاطِئِ الرَّحِيل..

أَنَا الْآنَ هُنَا..

بَيْنَ جُدْرَانِ غُرْفَتِي الَّتِي أَلِفْتُ صَمْتَهَا..

وَحَفِظْتُ كُلَّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا..

مُسَجًّى عَلَى فِرَاشِي..

ذَاكَ الْفِرَاشُ الَّذِي كَانَ مَلَاذَ الرَّاحَةِ بَعْدَ الْعَنَاء..

لَكِنَّهُ الْيَوْمَ يَبْدُو لِي مُخْتَلِفًا تَمَامًا..

يَبْدُو كَمَحَطَّةِ انْتِظَارٍ بَارِدَة..

انْتِظَارٌ لِقِطَارٍ سَيَأْخُذُنِي فِي رِحْلَةٍ لَا عَوْدَةَ مِنْهَا..

إِنَّهُ الْمَرَض..

الضَّيْفُ الثَّقِيلُ الَّذِي حَلَّ بِسَاحَتِي دُونَ اسْتِئْذَان..

مُنْذُ أَيَّام؟

أَمْ مُنْذُ أَسَابِيع؟

لَسْتُ أَدْرِي..

فَقَدْ تَلَاشَى إِحْسَاسِي بِالزَّمَن..

وَاخْتَلَطَ اللَّيْلُ بِالنَّهَارِ فِي عَيْنَيّ..

أَتَأَمَّلُ جَسَدِي الْمُمَدَّدَ أَمَامِي..

هَذَا الْجَسَدُ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ قَلْعَةً شَامِخَةً لِلشَّبَابِ وَالْفُتُوَّة..

كَانَ يَخُوضُ الْمَعَارِكَ وَالصِّعَاب..

وَيَطْوِي الْمَسَافَاتِ سَعْيًّا فِي مَنَاكِبِ الْأَرْض..

وَيُنَاجِي رَبَّهُ فِي مِحْرَابِ الْعِبَادَةِ دُونَ كَلَل..

أَرَاهُ الْيَوْمَ خَاوِيًا ضَعِيفًا..

ذَابِلًا كَوَرْدَةٍ عَطْشَى..

كَغُصْنٍ مَصَّتْهُ رَمْضَاءُ الْهَاجِرَةِ حَتَّى يَبِس..

أَنْظُرُ إِلَى يَدِي..

تِلْكَ الْيَدُ الَّتِي طَالَمَا قَبَضَتْ عَلَى السِّلَاحِ فِي سَبِيلِ الله..

وَطَالَمَا امْتَدَّتْ بِالْخَيْرِ لِتَمْسَحَ دَمْعَةَ الْفُقَرَاء..

وَارْتَفَعَتْ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ فِي جَوْفِ الْأَسْحَار..

أَرَاهَا الْآنَ تَرْتَعِشُ ضَعْفًا وَوَهَنًا..

تَعْجِزُ حَتَّى عَنْ حَمْلِ كُوبِ مَاءٍ لِتَرْوِيَ ظَمَئِي..


فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَ عَالَمَيْن..

دَارَ شَرِيطُ الذِّكْرَيَاتِ أَمَامَ عَيْنَيَّ كَالْبَرْقِ الْخَاطِف..

لَيْسَ شَرِيطَ لَهْوٍ وَلَعِبٍ كَمَا كَانَ فِي السَّابِق..

بَلْ هُوَ كِتَابُ الْحِسَابِ قَبْلَ الْحِسَاب..

وَجَلْسَةُ الْمُكَاشَفَةِ الْكُبْرَى..

بَدَأْتُ مُحَاكَمَةَ نَفْسِي قَبْلَ الرَّحِيل..

أُعَاتِبُهَا عِتَابَ الْمُودِّعِ النَّادِم:

"يَا نَفْسِي..

كَمْ مِنَ السَّاعَاتِ الثَّمِينَةِ أَضَعْتِ؟

كَمْ مِنَ اللَّحَظَاتِ الْغَالِيَةِ غَفَلْتِ عَنْ ذِكْرِ مَوْلَاكِ؟"..

أَهَذِهِ هِيَ النِّهَايَةُ حَقًّا؟

هَلِ انْقَضَتِ الْمُهْلَةُ وَجَفَّتِ الصُّحُف؟

كُنْتُ أَسْمَعُ عَنِ الْمَوْتِ كَثِيرًا..

شَيَّعْتُ جَنَائِزَ لَا تُحْصَى فِي حَيَاتِي..

وَحَمَلْتُ النُّعُوشَ عَلَى كَتِفِي مَرَّاتٍ وَمَرَّات..

وَوَارَيْتُ الْأَحِبَّةَ وَالْأَصْحَابَ تَحْتَ الثَّرَى..

لَكِنَّنِي لَمْ أَتَخَيَّلْ قَطُّ أَنَّ الدَّوْرَ سَيَأْتِينِي أَنَا..

وَبِهَذِهِ السُّرْعَةِ الْخَاطِفَةِ الَّتِي لَمْ أَحْسِبْ لَهَا حِسَابًا..

كُنْتُ أُمَنِّي النَّفْسَ دَائِمًا أَنَّ فِي الْعُمْرِ بَقِيَّة..

وَأَنَّ فِي الْوَقْتِ مُتَّسَعًا لِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ وَإِصْلَاحِ مَا فَسَد..

وَلَكِنْ.. هَيْهَات!

قَضَاءُ اللهِ إِذَا جَاءَ لَا يُرَدّ..

وَأَجَلُهُ إِذَا حَضَرَ لَا يُؤَخَّر..


أَجَلْتُ بَصَرِي حَوْلِي فِي أَرْجَاءِ الْغُرْفَة..

فَرَأَيْتُ الْمَشْهَدَ الَّذِي يَخْلَعُ الْقَلْبَ وَيُدْمِي الْفُؤَاد..

وُجُوهُ الْأَحِبَّةِ قَدْ غَشِيَهَا الْوَجُومُ وَالْحُزْن..

زَوْجَتِي..

رَفِيقَةُ الدَّرْبِ الصَّابِرَةُ الْمُحْتَسِبَة..

تَجْلِسُ مُلَاصِقَةً لِفِرَاشِي لَا تُفَارِقُنِي..

تَمْسَحُ عَرَقَ الْجَبِينِ بِمِنْدِيلِهَا الْمُبَلَّلِ بِالدُّمُوع..

تُجَاهِدُ لِتُخْفِيَ بَكْوَتَهَا كَيْ لَا تُحْزِنَنِي..

لَكِنَّ شَهَقَاتِهَا الْمَكْتُومَةَ تَفْضَحُ أَلَمَهَا الدَّفِين..

تَنْظُرُ إِلَيَّ نَظْرَةَ مَنْ يَرَى رُكْنَ بَيْتِهِ يَنْهَارُ أَمَامَ عَيْنَيْه..

وَبَنَاتِي..

رَيَاحِينُ فُؤَادِي وَثَمَرَاتُ حَيَاتِي..

يَقِفْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ كَالْحَمَامِ الْمَذْعُورِ فِي لَيْلَةٍ عَاصِفَة..

دُمُوعُهُنَّ تَسِيلُ بِصَمْتٍ يُقَطِّعُ نِيَاطَ الْقَلْب..

يَرْتَجِفْنَ مِنْ هَوْلِ فِكْرَةِ الْيُتْمِ وَالْفَقْد..

وَأَبْنَائِي..

سَنَدِي وَعِزْوَتِي فِي هَذِهِ الدُّنْيَا..

يَتَحَلَّقُونَ حَوْلَ السَّرِيرِ كَالْحَيَارَى..

أَقْرَأُ فِي عُيُونِهِمْ فَزَعًا لَمْ أَعْهَدْهُ فِيهِمْ مِنْ قَبْل..

إِنَّهُ خَوْفُ الْفِرَاق..

وَوَحْشَةُ فَقْدِ الْأَبِ وَالْمُرَبِّي..

وَإِخْوَانِي وَأَخَوَاتِي..

قِطَعٌ مِنْ رُوحِي.. وَأَشِقَّاءُ دَمِي..

يَسْتَنِدُونَ عَلَى الْجُدْرَانِ وَقَدْ هَدَّهُمُ الْحُزْنُ وَالْأَلَم..

يَنْظُرُونَ إِلَيَّ بِانْكِسَارِ مَنْ سَيَفْقِدُ عَضُدَهُ وَسَنَدَه..

وَرَأَيْتُ أَبْنَاءَ عَمِّي..

الْعَشِيرَةَ وَالدَّمَ وَالْعَصَب..

يَقِفُونَ وَاجِمِين..

يَتَبَادَلُونَ النَّظَرَاتِ الْحَزِينَةَ مَعَ أَصْهَارِي وَأَنْسَابِي..

أُولَئِكَ الَّذِينَ جَاءُوا لِيُؤَازِرُوا بَنَاتِهِمْ وَأَبْنَاءَهُمْ فِي هَذِهِ الْمُصِيبَة..

وَالْجِيرَانُ وَالْأَصْحَاب..

أَهْلُ الْحَارَةِ وَرِفَاقُ الْمَسْجِدِ وَالطَّاعَة..

ازْدَحَمُوا عِنْدَ بَابِ الْغُرْفَةِ يَتَرَقَّبُون..

هَمَسَاتُهُمْ بِالدُّعَاءِ لِي تَخْتَلِطُ بِالْبُكَاءِ وَالنَّحِيب..

تَمَنَّيْتُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ لَوْ أَنْهَضُ لِأَضُمَّهُمْ جَمِيعًا إِلَى صَدْرِي..

وَدِدْتُ لَوْ أَمْسَحُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ مُطَمْئِنًا قَائِلًا:

"لَا تَخَافُوا.. اللهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكُم.. وَهُوَ خَيْرُ الْحَافِظِين"..

لَكِنَّ الْقِوَى خَانَتْنِي..

وَلَمْ يَبْقَ لِي لِلتَّعْبِيرِ إِلَّا لُغَةُ الْعُيُونِ الدَّامِعَة..


وَفِي خِضَمِّ هَذَا الْمَشْهَدِ الْمُؤَثِّرِ وَالْمَلِيءِ بِالْعَوَاطِف..

كَانَتْ هُنَاكَ مَعْرَكَةٌ أُخْرَى شَرِسَةٌ تَدُورُ فِي الْخَفَاء..

مَعْرَكَةٌ لَا يَسْمَعُ صَلِيلَهَا الْأَهْلُ وَلَا يَرَاهَا الْأَطِبَّاء..

إِنَّهُ عَدُوُّ اللهِ وَعَدُوُّ بَنِي آدَم..

الشَّيْطَان!

حَضَرَ اللَّعِينُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْحَرِجَةِ جِدًّا..

جَاءَ لِيَشُنَّ هُجُومَهُ الْأَخِيرَ وَالْيَائِس..

لَقَدْ أَعْيَاهُ إِضْلَالِي فِي حَيَاتِي..

وَأَنَا فِي كَامِلِ قُوَّتِي وَإِرَادَتِي بِفَضْلِ الله..

فَجَاءَ الْيَوْمَ يَقْتَنِصُ فُرْصَةَ الضَّعْفِ وَالِانْكِسَار..

رَاحَ يَقْذِفُ الْوَسَاوِسَ فِي قَلْبِي كَالْحِمَمِ الْمُحْرِقَة:

"أَتَتْرُكُ هَذِهِ الدُّنْيَا الْجَمِيلَة؟

أَتَتْرُكُ الْمَالَ الَّذِي أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ فِي جَمْعِهِ وَكَدِّه؟

أَتَتْرُكُ أَوْلَادَكَ لِلضَّيَاعِ وَالْفَقْرِ مِنْ بَعْدِكَ بِلَا مُعِيل؟"..

لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ التَّخْوِيف..

بَلْ حَاوَلَ زَعْزَعَةَ يَقِينِي بِرَحْمَةِ اللهِ وَعَدْلِه..

هَمَسَ فِي أُذُنِ رُوحِي بِخُبْث:

"لَقَدْ أَذْنَبْتَ كَثِيرًا..

هَيْهَاتَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَك..

الْعَذَابُ مَصِيرُكَ لَا مَحَالَة..

لَوْ كَانَ رَبُّكَ رَحِيمًا لَمَا عَذَّبَكَ بِهَذَا الْمَرَضِ الشَّدِيد!"..

يَا لَهُ مِنْ خَبِيثٍ مَاكِر!

يُرِيدُ أَنْ يُقَنِّطَنِي مِنْ رَحْمَةِ رَبِّي فِي آخِرِ لَحْظَة..

لِأَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا سَاخِطًا شَاكًّا..

فَأَخْسَرَ الْمِيزَانَ وَأَبُوءَ بِالْخُسْرَان..

لَكِنَّنِي فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْحَاسِمَة..

لَمْ أَسْتَنْجِدْ بِبَشَرٍ وَلَا بِطَبِيبٍ وَلَا بِدَوَاء..

بَلْ اسْتَنْجَدْتُ بِذَخِيرَتِي الَّتِي ادَّخَرْتُهَا..

تِلْكَ الَّتِي خَبَّأْتُهَا لِمِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ الْعَصِيب..

صَرَخَ يَقِينِي الدَّاخِلِيُّ مُسْتَغِيثًا بِرَبِّهِ:

"يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوب.. ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك"..

فَإِذَا بِجُنُودِ الْحَقِّ تَتَرَاءَى لِي وَتَمْثُلُ أَمَامِي..

لِتَسْحَقَ جُنُودَ الْبَاطِلِ وَتَطْرُدَهَا..

تَذَكَّرْتُ الصَّلَاة..

تِلْكَ اللَّيَالِي الْبَارِدَة..

الَّتِي هَجَرْتُ فِيهَا الْفِرَاشَ الدَّافِئَ وَاللَّذِيذ..

لِأَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُبْحَانَهُ رَاكِعًا سَاجِدًا..

تَذَكَّرْتُ وُضُوئِي بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الشِّتَاءِ..

وَخُطَايَ فِي الظُّلْمَةِ إِلَى بَيْتِ اللهِ لِصَلَاةِ الْفَجْر..

لَا أَرْجُو إِلَّا وَجْهَهُ الْكَرِيمَ وَالْجَنَّة..

هَذَا النُّورُ الَّذِي مَشَيْتُ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الدُّنْيَا..

جَاءَ الْآنَ لِيُبَدِّدَ ظُلُمَاتِ الْيَأْسِ وَالْقُنُوط..

وَتَذَكَّرْتُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ الله..

ذِرْوَةَ سَنَامِ الْإِسْلَامِ وَفَخْرَ الْمُؤْمِن..

يَا لَعَظَمَةِ هَذَا الرُّكْنِ فِي هَذِهِ السَّاعَة!

تَذَكَّرْتُ يَوْمَ حَمَلْتُ رُوحِي عَلَى رَاحَتِي..

وَخُضْتُ غِمَارَ الْمَوْتِ بِلَا خَوْف..

لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا.. وَكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى..

تَذَكَّرْتُ غُبَارَ الْخَنَادِق..

وَأَزِيزَ الرَّصَاص..

وَخَوْفَ النَّفْسِ الَّذِي قَهَرْتُهُ بِالْإِقْدَام..

هَلْ يُضَيِّعُ اللهُ عَبْدًا بَاعَ نَفْسَهُ لَهُ؟

كَلَّا وَرَبِّ الْكَعْبَة..

وَثَبَ الْجِهَادُ فِي ذَاكِرَتِي كَالْأَسَدِ الْهَصُور..

يَزْأَرُ فِي وَجْهِ الشَّيْطَانِ بِقُوَّة:

"اخْسَأْ يَا عَدُوَّ الله!

هَذَا عَبْدٌ بَذَلَ الدَّمَ وَالرُّوحَ لِرَبِّه..

فَلَا سَبِيلَ لَكَ الْيَوْمَ عَلَى عَقِيدَتِه"..

اشْتَعَلَتْ فِي دَاخِلِي حَمِيَّةُ الْإِيمَان..

وَطُرِدَ خَوْفُ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسُه..

ثُمَّ جَاءَتِ الصَّلَوَات..

رَكَعَاتُ اللَّيْلِ وَسَجَدَاتُ السَّحَرِ الْخَالِصَة..

جَاءَتْ كَالنُّورِ السَّاطِعِ لِتُذِيبَ الْجَلِيد..

وَجَاءَ الْقُرْآنُ وَالصَّدَقَة..

يَمْسَحَانِ عَلَى قَلْبِي بِرِفْق:

"الْبُشْرَى.. الْبُشْرَى.. أَنْتَ فِي حِمَى الرَّحْمَن"..


بَعْدَ أَنْ انْتَصَرْتُ فِي مَعْرَكَةِ الْخَوَاطِر..

الْتَفَتُّ بِعَيْنَيَّ الذَّابِلَتَيْنِ إِلَى أَخِي..

أَخِي وَشَقِيقُ رُوحِي وَرَفِيقُ طُفُولَتِي..

يَجْلِسُ عِنْدَ رَأْسِي يَقْرَأُ الْقُرْآن..

يَتْلُو سُورَةَ (يس) بِصَوْتٍ خَاشِعٍ بَاكٍ يَهُزُّ الْأَرْكَان..

رَمَقْتُهُ بِنَظْرَةِ شُكْرٍ وَوَدَاع..

"جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا يَا أَخِي..

لَقَدْ تَرَضَّعْنَا مَعَاً لَبَنَ الْعَقِيدَةِ الصَّافِيَة..

وَعِشْنَا عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْجِهَادِ حَتَّى الْمَشِيب"..

ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى زَوْجَتِي الْوَفِيَّة..

وَأَشَرْتُ إِلَيْهَا بِإِصْبَعٍ مُرْتَعِشَةٍ أَنْ تَقْتَرِبَ مِنِّي..

أَدْنَتْ أُذُنَهَا مِنْ فَمِي لِتَسْمَعَ هَمَسَاتِي..

وَالدُّمُوعُ تَبُلُّ وَجْهَهَا وَوَجْهِي..

جَمَعْتُ شَتَاتَ قُوَّتِي لِأَنْطِقَ بِالْوَصِيَّةِ الْأَخِيرَة..

لَمْ تَكُنْ وَصِيَّةَ مَالٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ دُنْيَا..

فَكُلُّ ذَلِكَ إِلَى زَوَالٍ وَفَنَاء..

قُلْتُ بِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ يَكَادُ لَا يُبِين:

"يَا غَالِيَة.. يَا أُمَّ الْأَبْنَاء..

اللهَ اللهَ فِي الصَّلَاة..

اللهَ اللهَ فِي الْأَوْلَاد..

رَبِّيهِمْ عَلَى مَوَائِدِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّة..

وَلَا تَنْسَوْنِي مِنْ صَالِحِ دُعَائِكُم..

فَإِنِّي مُقْبِلٌ عَلَى سَفَرٍ بَعِيدٍ طَوِيل..

بِلَا زَادٍ إِلَّا رَحْمَةَ رَبِّي وَعَفْوَه"..

انْفَجَرَتْ بَاكِيَةً غَيْرَ مُتَمَالِكَة..

فَبَكَيْتُ لِبُكَائِهَا شَفَقَةً عَلَيْهَا..

سَالَتْ دَمْعَتُهَا عَلَى خَدِّي..

فَانْهَمَرَتْ دُمُوعِي عَلَى يَدِهَا..

وَدَاعًا يَا رَفِيقَةَ دَرْبِي..

وَدَاعًا يَا شَرِيكَةَ عُمْرِي..

وَدَاعًا يَا حَبِيبَةَ قَلْبِي..

وَدَاعًا يَا أُمَّ وَلَدِي..

بَعْدَ حَيَاةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ بَيْنَنَا..

هَا نَحْنُ نَفْتَرِقُ بِأَمْرِ الله..

لَكِنَّهُ فِرَاقٌ جَسَدِيٌّ مُؤَقَّت..

وَاللِّقَاءُ هُنَاك بِإِذْنِ الله..

نَعَمْ هُنَاك..

فِي جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْض..

أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين..

لَا تَحْزَنِي يَا رَفِيقَتِي..

فَأَنَا ذَاهِبٌ إِلَى مَنْ هُوَ أَرْحَمُ بِي مِنْكُم جَمِيعًا..

غَدًا أَلْقَى رَبِّيَ الْغَفُورَ الرَّحِيم..

غَدًا أَلْقَى الْأَحِبَّة: مُحَمَّدًا وَصَحْبَه..

لَا تَبْكُوا عَلَيّ..

بَلِ ادْعُوا لِي بِالثَّبَاتِ فِي هَذِهِ اللَّحَظَات..

ارْتَفَعَ النَّحِيبُ فِي الْغُرْفَة..

ضَجَّ الْبُكَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِب..


وَفَجْأَة..

انْقَلَبَ الْمَشْهَدُ رَأْسًا عَلَى عَقِب..

سَرَى بَرْدٌ قَارِسٌ عَجِيبٌ فِي أَطْرَافِي..

بَدَأَ مِنْ أَصَابِعِ الْقَدَمَيْن..

ثُمَّ زَحَفَ بِبُطْءٍ إِلَى السَّاقَيْن..

حَاوَلْتُ تَحْرِيكَهُمَا لِأَتَأَكَّدَ مِنْ حَيَاتِهِمَا..

فَلَمْ أَسْتَطِع..

لَقَدْ مَاتَتِ الْأَطْرَافُ قَبْلَ الْجَسَد!

إِنَّهُ أَمْرُ اللهِ النَّافِذُ الَّذِي لَا مَرَدَّ لَه..

ثَقُلَ النَّفَسُ فِي صَدْرِي..

وَضَاقَ عَلَيَّ الْخِنَاق..

كَأَنِّي أَتَنَفَّسُ مِنْ ثُقْبِ إِبْرَة..

أَظْلَمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنَيّ..

وَتَلَاشَتْ أَصْوَاتُ أَهْلِي شَيْئًا فَشَيْئًا..

كَأَنَّهُمْ يَتَحَدَّثُونَ مِنْ خَلْفِ جِدَارٍ سَمِيك..

وُجُوهُهُمْ أَصْبَحَتْ أَشْبَاحًا تَتَحَرَّكُ فِي ضَبَابٍ كَثِيف..

لَكِنْ..

فِي مُقَابِلِ هَذَا الظَّلَامِ الْأَرْضِيّ..

لَاحَ فِي الْأُفُقِ نُورٌ غَرِيب..

نُورٌ لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الدُّنْيَا أَنْ يَرَوْه..

شُعُورٌ غَرِيبٌ مَزَجَ بَيْنَ الرَّهْبَةِ الْعَظِيمَةِ وَالسَّكِينَةِ اللَّطِيفَة..

أَدْرَكْتُ أَنَّهَا سَاعَةُ الْحَقّ..

خَفَقَ قَلْبِي بِشِدَّة..

لَيْسَ جَزَعًا مِنَ الْمَوْت..

بَلْ حَيَاءً مِنَ الله..

كَيْفَ سَأَلْقَاه؟

وَبِأَيِّ وَجْهٍ سَأَقِفُ بَيْنَ يَدَيْه؟

نَاجَيْتُهُ فِي سِرِّي وَقَلْبِي يَرْتَجِف:

"يَا رَبِّ.. تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّكَ وَإِنْ عَصَيْتُك..

وَكُنْتُ أُحِبُّ نَبِيَّكَ ﷺ وَإِنْ قَصَّرْتُ فِي سُنَّتِه..

وَكُنْتُ أُحِبُّ نُصْرَةَ دِينِكَ وَإِنْ كَبَتْ بِيَ الْخُطَى..

اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ حَوْلِي وَقُوَّتِي..

وَأَلُوذُ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين"..

اشْتَدَّ النَّزْعُ وَالْكَرْب..

وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاق..

صَرَخَ الْأَبْنَاءُ حَوْلِي:

"أَبِي! أَبِي! رُدَّ عَلَيْنَا! كَلِّمْنَا!"..

لَكِنَّنِي كُنْتُ فِي وَاد..

وَهُمْ فِي وَادٍ آخَر..

لَمْ يَعُدِ الْأَمْرُ مُجَرَّدَ مَرَضٍ عَابِر..

بَلْ هَدْمًا لِأَرْكَانِ الْجَسَد.. وَنِهَايَةً لِلرِّحْلَة..

إِنَّهَا سَكَرَاتُ الْمَوْت..

الَّتِي أَقْسَمَ اللهُ بِهَا فِي كِتَابِه:

﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيد﴾..

تَحِيد..

أَيْ تَهْرُبُ وَتَفِرُّ وَتَجْزَع..

كَمْ فَرَرْتُ مِنْ ذِكْرِهَا فِي مَجَالِسِ اللَّهْو!

وَهَا هِيَ الْآنَ تَعْتَصِرُنِي اعْتِصَارًا..

أَشْعُرُ بِرُوحِي..

تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ مُنْبَسِطَةً فِي كُلِّ ذَرَّةٍ مِنْ جَسَدِي..

تَنْقَبِضُ وَتَتَجَمَّع..

تُسْحَبُ سَحْبًا شَدِيدًا مِنْ أَطْرَافِ الْأَنَامِل..

ثُمَّ الْأَقْدَام..

ثُمَّ السَّاقَيْن..

كُلُّ مَوْضِعٍ تُغَادِرُهُ الرُّوح..

يَتَحَوَّلُ إِلَى كُتْلَةٍ هَامِدَةٍ بَارِدَةٍ كَالْحَجَر..

الْأَلَمُ لَيْسَ مَوْضِعِيًّا كَأَلَمِ الْجُرْح..

بَلْ هُوَ أَلَمُ اقْتِلَاعِ جُذُورِ الْوُجُودِ مِنَ الْأَعْمَاق..

كَأَنَّ السَّمَاءَ انْطَبَقَتْ عَلَى الْأَرْضِ وَأَنَا بَيْنَهُمَا..

أُرِيدُ الصُّرَاخَ فَلَا أَسْتَطِيع..

أُرِيدُ التَّنَفُّسَ فَتَتَكَسَّرُ الْأَنْفَاسُ فِي صَدْرِي..

لِتَخْرُجَ فِي حَشْرَجَةٍ مُخِيفَةٍ مُتَقَطِّعَة..

إِنَّها الْغَرْغَرَة..


فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْفَاصِلَةِ الْمَصِيرِيَّة..

اخْتَرَقَ سَمْعِي صَوْتُ حَبِيبٍ قَرِيب..

إِنَّهُ صَوْتُ وَلَدِي الْبَارّ..

ابْنِي.. الَّذِي رَبَّيْتُهُ صَغِيرًا عَلَى مَوَائِدِ الْقُرْآن..

أَمْسَكَ كَتِفِي بِقُوَّةٍ وَحَنَان..

وَقَرَّبَ وَجْهَهُ مِنْ وَجْهِي حَتَّى لَامَسَه..

كَانَ يَبْكِي بِحُرْقَة..

لَكِنَّهُ يُجَاهِدُ لِيُلَقِّنَنِي طَوْقَ النَّجَاةِ الْأَخِير..

"يَا أَبِي.. يَا أَبِي..

قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله..

أَسْأَلُكَ بِاللهِ أَنْ تَقُولَهَا..

قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله"..

سَمِعْتُهُ بِوُضُوح..

وَعَرَفْتُ أَنَّهَا تَذْكِرَةُ الْعُبُورِ إِلَى الْجَنَّة..

جَمَعْتُ كُلَّ إِرَادَتِي لِأَنْطِقَهَا..

وَلَكِنْ..

يَا لَهَوْلِ مَا حَدَث!

لِسَانِي.. ذَلِكَ الْعُضْوُ الصَّغِيرُ الَّذِي كَانَ طَلِيقًا..

أَصْبَحَ أَثْقَلَ مِنْ جَبَلِ أُحُد!

الْتَصَقَ بِسَقْفِ حَلْقِي كَالْخَشَبَةِ الْمُتَيَبِّسَة..

وَتَخَشَّبَ فَكِّي كَأَنَّهُ رُبِطَ بِسَلَاسِلَ مِنْ حَدِيد..

الْكَلِمَةُ تَدُورُ فِي عَقْلِي بِوُضُوح..

وَتَصْدَحُ فِي قَلْبِي بِقُوَّة..

لَكِنَّهَا تَأْبَى الْخُرُوجَ عَلَى لِسَانِي..

عَادَ الشَّيْطَانُ لِيَضْرِبَ ضَرْبَتَهُ الْقَذِرَةَ الْأَخِيرَة..

لَا يَكِلُّ وَلَا يَمَلُّ حَتَّى فِي النَّزْعِ الْأَخِير..

رَأَيْتُهُ بِبَصِيرَتِي يَقِفُ عِنْدَ قَدَمَيَّ شَامِتًا..

يَنْفُثُ سُمُومَهُ وَيُوَسْوِس:

"لَا تُتْعِبْ نَفْسَك..

لَنْ تَقْدِرَ عَلَى قَوْلِهَا أَبَدًا..

لَقَدْ فَاتَ الْأَوَان..

مُتْ عَلَى غَيْرِ الإسْلام..

أَنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّار..

فَاخْتِمْهَا بِالسَّخَطِ وَالْجُحُود!"..

كَادَ الْيَأْسُ أَنْ يَتَسَلَّلَ إِلَى قَلْبِيَ الضَّعِيف..

نَظَرْتُ إِلَى ابْنِي نَظْرَةَ اسْتِغَاثَةٍ صَامِتَة:

"سَاعِدْنِي.. لَسْتُ قَادِرًا عَلَى النُّطْق"..

فَزَادَ بُكَاءُ ابْنِي وَارْتَفَعَ نَحِيبُه..

وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِإِلْحَاحٍ وَحُرْقَةٍ أَشَدّ..

"يَا أَبِي.. إِنَّهَا مِفْتَاحُ الْجَنَّة..

قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله..

يَا رَبِّ يَسِّرْ لَه! يَا رَبِّ أَطْلِقْ لِسَانَه!"..

وَفِي قِمَّةِ الْعَجْزِ وَالضَّعْف..

وَحِينَ ظَنَّ الشَّيْطَانُ أَنَّهُ انْتَصَر..

تَحَرَّكَتِ الْكَتَائِبُ النُّورَانِيَّةُ فِي دَاخِلِي..

تِلْكَ الَّتِي أَعْدَدْتُهَا لِمِثْلِ هَذَا الْمَوْقِف..

لَمْ يَتْرُكْنِي رَبِّي وَحِيدًا لِلْعَدُوّ..

وَلَمْ يَذْهَبْ عَمَلِي هَبَاءً مَنْثُورا..

سَرَتْ قُوَّةٌ خَفِيَّةٌ فِي عُرُوقِي الْمَيِّتَة..

إِنَّهُ الْجِهَاد!

حَضَرَ عَمَلِي فِي سَبِيلِ اللهِ كَرُوْحٍ تَبُثُّ الْعَزِيمَةَ فِي أَوْصَالِي..

هَتَفَ فِي قَلْبِي بِقُوَّة:

"يَا عَبْدَ الله.. لَسْتَ جَبَانًا!

لَقَدْ بِعْتَ نَفْسَكَ للهِ مُنْذُ زَمَن..

وَالْيَوْمَ وَفَاءُ الْعَهْد..

اُثْبُتِ الآنَ كَمَا ثَبَتَّ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوّ فِي الْمَعَارِك!"..

اشْتَعَلَتْ فِي دَاخِلِي حَمِيَّةُ الْإِيمَان..

وَطُرِدَ خَوْفِي مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم..

ثُمَّ جَاءَتِ الصَّلَوَات..

رَكَعَاتُ اللَّيْلِ الْهَادِئَة.. وَسَجَدَاتُ السَّحَرِ الْخَاشِعَة..

جَاءَتْ كَالنُّورِ السَّاطِعِ لِتُذِيبَ الْجَلِيدَ عَنْ لِسَانِي..

وَجَاءَ الْقُرْآنُ وَالصَّدَقَة..

يَمْسَحَانِ عَلَى قَلْبِي:

"الْبُشْرَى.. الْبُشْرَى.. الثَّبَاتُ مِنَ الله"..

انْزَاحَ الثِّقَلُ عَنْ صَدْرِي..

وَتَرَاجَعَ الشَّيْطَانُ مَدْحُورًا خَاسِئًا ذَلِيلًا..

سَرَى الرِّيقُ فِي حَلْقِي الْمُتَيَبِّس..

وَلَانَ الْفَكُّ الْمُتَصَلِّب..

رَسَمْتُ ابْتِسَامَةً خَفِيفَة..

لَمْ يَلْحَظْهَا غَيْرُ وَلَدِي الَّذِي كَانَ يَرْتَقِب..

جَمَعْتُ كُلَّ ذَرَّةِ إِيمَانٍ فِي قَلْبِي..

وَقُلْتُهَا.. بِبُطْءٍ وَثِقَل..

نَعَمْ قُلْتُهَا..

قُلْتُهَا بِإِخْلَاصٍ وَيَقِينٍ خَالَطَ كُلَّ ذَرَّةٍ فِي كِيَانِي:

"أَشْهَدُ.. أَنْ.. لَا.. إِلَهَ.. إِلَّا.. الله"..

تَنَفَّسْتُ الصُّعَدَاءَ كَمَنْ يَتَزَوَّدُ لِلرِّحْلَةِ الطَّوِيلَة..

ثُمَّ أَكْمَلْت:

"وَأَشْهَدُ.. أَنَّ.. مُحَمَّدًا.. رَسُولُ.. الله"..

يَا الله!

مَا إِنْ غَادَرَتِ الْحُرُوفُ فَمِي..

حَتَّى غَمَرَ بَرْدُ الْيَقِينِ صَدْرِي..

انْطَفَأَتْ نَارُ الْخَوْف..

وَهَرَبَ وَحْشُ الْقَلَق..

نَزَلَتْ سَكِينَةٌ لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَوَسِعَتْهُم..

صَرَخَ ابْنِي فَرَحًا وَبُكَاءً وَهُوَ يَضُمُّنِي:

"قَالَهَا! .. لَقَدْ قَالَهَا!

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَتَمَ لَكَ بِخَيْر!"..

ضَجَّتِ الْغُرْفَةُ بِالتَّكْبِيرِ وَالْحَمْدِ وَالدُّمُوع..


أَمَّا أَنَا..

فَقَدْ انْقَطَعَتْ صِلَتِي بِهَذَا الْعَالَمِ تَمَامًا..

تَلَاشَتِ الْأَصْوَاتُ كَأَنَّهَا تَأْتِي مِنْ بِئْرٍ عَمِيق..

لَمْ أَعُدْ أَرَى السَّقْفَ وَلَا الْوُجُوه..

لَقَدْ انْشَقَّ الْبَصَرُ عَنْ عَالَمٍ جَدِيدٍ مُذْهِل..

تَلَاشَتِ الْجُدْرَانُ لِتَفْتَحَ الْمَجَالَ لِزُوَّارٍ جُدُدٍ لَمْ أَرَهُمْ مِنْ قَبْل..

رَأَيْتُ أَنْوَارًا تَتَنَزَّلُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا..

كَقِطَعِ السَّحَابِ الْأَبْيَضِ الْمُضِيء..

كَائِنَاتٌ لَيْسَتْ كَالْبَشَر..

جَمَالٌ يَخْطَفُ الْأَبْصَار..

وَهَيْبَةٌ تُرْجِفُ الرُّوحَ إِجْلَالًا..

لَقَدْ حَضَرَ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَة..

جَاءُوا يَحْمِلُونَ الْأَمَانَة..

وَيَسْتَلِمُونَ الْوَدِيعَة..

تَجَمَّعُوا حَوْلِي مَدَّ الْبَصَر..

وُجُوهُهُمْ مُشْرِقَةٌ كَالشَّمْس..

وَثِيَابُهُمْ بَيْضَاءُ نَاصِعَة..

مَعَهُمْ شَيْءٌ يَفُوحُ بِعَبَقٍ فَرِيد..

هَلْ هَذَا حَنُوطُ الْجَنَّة؟

نَظَرْتُ إِلَيْهِمْ فَلَمْ أَشْعُرْ بِغُرْبَة..

بَلْ كَأَنِّي أَعْرِفُهُم وَأَنْتَظِرُهُمْ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيد..

فِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الْمُقَدَّسَة..

صَمَتَ اللِّسَانُ عَنِ الْكَلَام..

ولَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَيْنَانِ شَاخِصَتَيْنِ تُرَاقِبَانِ الْمَشْهَد..

الْتَفَتَ الْمَلَائِكَةُ لِبَعْضِهِمْ يَتَهَامَسُون..

وَالْبَسْمَةُ تَعْلُو وُجُوهَهُم..

حَضَرَ السَّيِّد! حَضَرَ السَّيِّد!

حَضَرَ مَلَكُ الْمَوْت!

شَعَرْتُ بِحُضُورِهِ الْمَهِيب..

لَمْ أَرَهُ بِوُضُوحٍ بَعْد..

لَكِنَّ هَيْبَتَهُ مَلَأَتِ الْأَرْجَاءَ وَسَكَنَ لَهَا كُلُّ شَيْء..

لَقَدْ حَانَتْ لَحْظَةُ نَزْعِ الرُّوح..

اسْتَسْلَمْتُ لِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِه..

وَمَدَدْتُ رُوحِي مُسْتَعِدًّا لِلرَّحِيلِ الْأَبَدِيّ..

بَدَأَ الْعَالَمُ الْأَرْضِيُّ يَتَلَاشَى..

بُكَاءُ الزَّوْجَةِ وَالْأَبْنَاءِ أَصْبَحَ بَعِيدًا..

كَأَنَّهُ خَلْفَ جُدْرَانٍ سَمِيكَة..

لَمْ أَعُدْ أَعْبَأُ بِهِ وَلَا أَلْتَفِتُ إِلَيْه..

لِأَنَّ مَا أَرَاهُ أَمَامِي قَدْ سَلَبَ اللُّبَّ وَالْفُؤَاد..

انْشَقَّ سَقْفُ الْغُرْفَةِ فِي نَظَرِي..

رَأَيْتُ طَرِيقًا مَفْتُوحًا إِلَى السَّمَاء..

وَمِنْ هَذَا الطَّرِيقِ النُّورَانِيّ..

تَنَزَّلَتْ أُمَمٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يُحْصِيهِمْ عَدَد..

كَأَنَّهُمْ أَسْرَابُ حَمَامٍ أَبْيَض..

أَوْ قِطَعُ سَحَابٍ مُضِيء..

يَا لَهُ مِنْ جَمَال!

وُجُوهٌ تَتَلَأْلَأُ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَار..

نُورٌ لَطِيفٌ يُبْهِجُ الْقَلْب..

اتَّسَعَتِ الْغُرْفَةُ الضَّيِّقَةُ بِقُدْرَةِ الله..

حَتَّى صَارَتْ أَوْسَعَ مِنَ الصَّحْرَاءِ الْمُمْتَدَّة..

جَلَسُوا حَوْلِي مَدَّ الْبَصَر..

عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي..

يَنْظُرُونَ إِلَيَّ بِنَظْرَةِ تَوْقِيرٍ وَاحْتِرَام..

نَعَمْ.. يَنْظُرُونَ إِلَيَّ أَنَا!

الْعَبْدُ الْفَقِيرُ الْمَنْسِيُّ فِي الدُّنْيَا..

الْآنَ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ تَحْتَفِلُ بِقُدُومِي..

بِأَيْدِيهِمْ حَرِيرَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ جَنَّةِ الْخُلْد..

وَمَعَهُمْ آنِيَةٌ تَفُوحُ بِحَنُوطِ الْجَنَّة..

رَائِحَةٌ أَنْسَتْنِي رَائِحَةَ الْمُطَهِّرَاتِ وَالْمَوْتِ وَالدَّوَاء..

طِيبٌ لَوْ وُضِعَتْ مِنْهُ قَطْرَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْأَرْض..

لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ رَيْحَانًا وَعِطْرًا..

تَأَمَّلْتُهُمْ بِرُوحِي الْمُسْتَبْشِرَة..

مَنْ أَنْتُمْ؟ وَلِمَاذَا جِئْتُمْ؟

كَأَنَّهُمْ سَمِعُوا خَاطِرِي..

فَتَبَسَّمَ أَحَدُهُمْ قَائِلًا بِلُطْف:

"نَحْنُ زُوَّارُكَ وَخُدَّامُك..

كُنْتَ تَخْدِمُ دِينَ اللهِ فِي الدُّنْيَا..

وَالْيَوْمَ سَخَّرَنَا اللهُ لِإِكْرَامِكَ وَخِدْمَتِك"..

لَقَدْ تَحَقَّقَ وَعْدُ اللهِ الْحَقّ:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾..

صَدَقَ الله.. وَصَدَقَ الْمُرْسَلُون..


وَفِي قِمَّةِ هَذا الْمَشْهَدِ الْمَهِيْب..

سَادَ صَمْتٌ مُطْبِق..

وَخَشَعَتِ الْأَصْوَات..

لَقَدْ!  لَقَدْ!  لَقَدْ جَاءَ!  لَقَدْ حَضَرَ!  لَقَدْ دَخَلَ!

نَعَمْ! لَقَدْ دَخَلَ عَلَيّ!

لَا إِلَهَ إِلَّا الله!

لَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ مَلَكُ الْمَوْت!

نَعَمْ.. إِنَّهُ مَلَكُ الْمَوْت..

حَضَرَ لِيَقْبِضَ رُوحِي..

كُنْتُ أَتَخَيَّلُهُ فِي الدُّنْيَا مُرْعِبًا مُخِيفًا..

لَكِنْ مَا رَأَيْتُهُ الْآنَ كَذَّبَ كُلَّ ظُنُونِي..

رَأَيْتُ مَلَكًا يَمْلَأُ الْأُفُقَ هَيْبَةً وَنُورًا..

مَشَى بَيْنَ الصُّفُوفِ حَتَّى جَلَسَ عِنْدَ رَأْسِي..

جِلْسَةَ الطَّبِيبِ الْمُشْفِق..

أَوِ الْأَبِ الْحَنُونِ الرَّؤُوْف..

اقْتَرَبَ مِنْ أُذُنِي..

وَتَكَلَّمَ بِصَوْتٍ رَقِيقٍ نَدِيٍّ كَنَسَمَاتِ الْفَجْر..

يَحْمِلُ الْبِشَارَةَ الَّتِي انْتَظَرْتُهَا طِوَالَ عُمْرِي..

خَاطَبَ رُوحِيَ الْقَابِعَةَ فِي صَدْرِي:

«يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَة..»

تَوَقَّفَ قَلِيلًا لِيُطْرِبَ سَمْعِي بِكَلِمَةِ الطَّيِّبَة..

ثُمَّ أَكْمَل: «كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّب..»

شَهَادَةُ طَهَارَةٍ لِجَسَدِي الْمُسَجَّى!

جَسَدِي الَّذِي أَظْمَأْتُهُ بِالصِّيَام..

وَأَتْعَبْتُهُ بِالْقِيَام..

وَغَبَّرْتُهُ فِي سَبِيلِ الله..

زَكَّاهُ اللهُ الْيَوْمَ عَلَى لِسَانِ مَلَكِه..

ثُمَّ جَاءَ الْأَمْرُ بِالْخُرُوج:

«اُخْرُجِي حَمِيدَة..

اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَان..

وَرَبٍّ رَاضٍ غَيْرِ غَضْبَان»..

«يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَة..

كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّب..

اُخْرُجِي حَمِيدَة..

اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَان..

وَرَبٍّ رَاضٍ غَيْرِ غَضْبَان»..

رَبٌّ رَاضٍ غَيْرِ غَضْبَان؟!

كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ كَالْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الْكَبِدِ الْعَطْشَى..

إِذَنْ قُبِلْت!

وَلَمْ يَضِعْ جِهَادِي وَلَا صَلَاتِي هَبَاءً..

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَة..

اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَان..

مَا إِنْ سَمِعَتْ رُوحِي النِّدَاءَ الْمُبَارَك..

حَتَّى اشْتَاقَتْ لِلْخُرُوجِ وَاللِّقَاء..

لَمْ تَعُدْ تُرِيدُ الْبَقَاءَ فِي هَذَا الْجَسَدِ الضَّيِّقِ الْمُتْعَب..

وَلَمْ تَعُدْ تَهْتَمُّ بِأَهْلٍ وَلَا وَلَدٍ وَلَا مَال..

أَصْبَحَتْ تَتَوَثَّبُ لِلِقَاءِ الرَّبِّ الرَّحِيم..

بَدَأَ نَزْعُ الرُّوحِ سَلِسًا سَهْلًا..

عَلَى غَيْرِ مَا كُنْتُ أَخْشَى وَأَتَوَقَّع..

شُعُورٌ بِالْغَرَابَةِ وَالِانْفِصَال..

لَكِنْ بِلَا أَلَم..

صَدَقَ وَصْفُ النَّبِيِّ ﷺ:

«تَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ»..

كَقَطْرَةِ مَاءٍ انْسَابَتْ مِنْ فَمِ قِرْبَةٍ بِنُعُومَة..

هَكَذَا انْسَابَتْ رُوحِي..

خَرَجَتْ مِنَ الْقَدَمَيْن..

فَالرُّكْبَتَيْن..

ثُمَّ الْبَطْنِ وَالصَّدْر..

حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى الْحُلْقُوم..

أَلْقَيْتُ النَّظْرَةَ الْأَخِيرَةَ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا..

رَأَيْتُ زِلْزَالَ الْحُزْنِ الَّذِي ضَرَبَ الْبَيْت..

زَوْجَتِي صَرَخَتْ صَرْخَةً قَطَّعَتْ نِيَاطَ قَلْبِي..

وَخَرَّتْ عَلَى قَدَمَيَّ تُقَبِّلُهُمَا بِحُرْقَة..

ابْنَتِي ارْتَمَتْ عَلَى صَدْرِي تَنْتَحِب..

وَالْأُخْرَى وَقَفَتْ مَذْهُولَةً لَا تُصَدِّق..

أَبْنَائِي الرِّجَال..

الَّذِينَ كَانُوا كَالْجِبَال..

رَأَيْتُهُمُ الْيَوْمَ يَبْكُونَ بُكَاءَ الْأَطْفَال..

إِخْوَانِي أَسْنَدُوا ظُهُورَهُمْ عَلَى الْحَائِط..

وَأَجْهَشُوا بِالْبُكَاء..

وَسَمِعْتُ نَشِيجَ جِيرَانِي وَأَصْدِقَائِي وَأَبْنَاءِ عَمِّي..

أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُمْ:

"لَا تَبْكُوا.. أَنَا فِي نَعِيم!

لَوْ تَرَوْنَ مَا أَرَى لَفَرِحْتُمْ"..

لَكِنَّ الصَّوْتَ انْقَطَع..

وَالْحَبْلَ انْبَتّ..

خَرَجَتِ الرُّوحُ كَامِلَة..

وَصَارَتْ فِي يَدِ مَلَكِ الْمَوْت..

جَسَدِي الْآنَ جُثَّةٌ هَامِدَةٌ عَلَى السَّرِير..

شَاخِصُ الْبَصَر..

مَفْتُوحُ الْفَم..

أَمَّا أَنَا الْآن.. الرُّوْح..

حُرٌّ طَلِيقٌ بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الْمَلَكِ الْكَرِيم..

لَمْ يَتْرُكُونِي فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْن..

تَلَقَّفَتْنِي مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِشَوْقٍ وَلَهْفَة..

وَضَعُونِي فِي الْكَفَنِ السَّمَاوِيّ..

وَلَفُّونِي بِحَنُوطِ الْجَنَّة..

فَاحَتْ مِنْ رُوحِي رَائِحَةٌ عَطِرَة..

أَطْيَبُ رَائِحَةِ مِسْكٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْض..

مَزِيجٌ مِنْ رَائِحَةِ الصِّيَام..

وَدِمَاءِ الْجِهَاد..

وَغُبَارِ الْمَسَاجِد..

هَلَّلَ الْمَلَائِكَةُ وَكَبَّرُوا:

«اللهُ أَكْبَر.. مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيح!»..

أَنَا الْآنَ مُكَفَّنٌ بِكَفَنِ الْجَنَّة..

مَحْمُولٌ عَلَى أَكُفِّ الْمَلَائِكَة..

مُسْتَعِدٌّ لِأَغْرَبِ وَأَجْمَلِ رِحْلَةٍ فِي الْوُجُود..

انْتَهَى زَمَانُ الْأَلَم..

وَبَدَأَ زَمَانُ التَّشْرِيف..

سَأَرْتَقِي الْآنَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى..

حَيْثُ يَنْتَهِي الْخَلْقُ وَيَبْقَى الْخَالِق..

وَمِنْ هُنَا..

بَدَأَتْ رِحْلَةُ الْخُلُود..


وَدَّعْتُ الْأَرْض..

تِلْكَ الْكُرَةَ الصَّغِيرَة..

الَّتِي عِشْتُ فِيهَا سِنِينَ عَدَدًا..

أَرَاهَا تَصْغُرُ تَحْتَ قَدَمَيَّ شَيْئًا فَشَيْئًا..

لَسْتُ أَطِيرُ بِجَنَاحَيْن..

بَلْ مَحْمُولٌ عَلَى أَكُفِّ الرَّاحَةِ الْمَلَائِكِيَّة..

شُعُورٌ بِالْخِفَّةِ الْمُطْلَقَة..

لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِلُغَةِ الْبَشَر..

تَخَلَّصْتُ مِنْ ثِقَلِ الطِّين..

وَأَوْجَاعِ الْجَسَد..

لَا أَلَمَ مَفَاصِل..

لَا صُدَاع..

لَا ضِيقَ تَنَفُّس..

كُلُّ ذَلِكَ بَقِيَ مَعَ الْجُثَّةِ الْمُسَجَّاةِ هُنَاك..

أَمَّا أَنَا.. الرُّوحُ الْحَقِيقِيَّة..

فَأَنَا فِي رَيْعَانِ الشَّبَابِ وَقِمَّةِ الْقُوَّة..

مُلَفَّعٌ بِحَرِيرِ الْجَنَّة..

أَعْبَقُ بِعِطْرٍ يَصْعَقُ أَهْلَ الْأَرْضِ مِنْ طِيبِه..

انْطَلَقَ الْمَوْكِبُ يَشُقُّ عَنَانَ السَّمَاء..

نَمُرُّ بَيْنَ السَّحَاب..

وَنَتَجَاوَزُ الرِّيَاح..

الْفَضَاءُ يَعِجُّ بِأُمَمٍ مِنَ الْمَلَائِكَة..

لَا يُحْصِيهَا إِلَّا الله..

مَا مَرَرْنَا بِمَلَأٍ مِنْهُمْ إِلَّا وَتَوَقَّفُوا..

إِجْلَالًا لِلْمَوْكِب..

شَمُّوا الرَّائِحَةَ الزَّكِيَّةَ فَتَسَاءَلُوا بِدَهْشَة:

«مَا هَذِهِ الرُّوحُ الطَّيِّبَة؟

لِمَنْ هَذِهِ الرِّيحُ الْعَطِرَة؟»..

فَيَرُدُّ حَمَلَتِي بِفَخْرٍ وَاعْتِزَاز:

«هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَان..

الْمُصَلِّي.. الصَّائِم..

الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الله..

التَّالِي لِكِتَابِ الله»..

يُسَمُّونَنِي بِأَحْسَنِ أَسْمَائِي..

تِلْكَ الَّتِي كُنْتُ أُحِبُّهَا فِي الدُّنْيَا..

يَا الله..

كَمْ كَانَ اسْمِي مَغْمُورًا فِي الْأَرْض!

لَمْ يَعْرِفْنِي كُبَرَاء..

وَلَمْ تَذْكُرْنِي فَضَائِيَّات..

وَلَمْ يَحْتَفِلْ بِي أَحَد..

أَمَّا الْيَوْم..

فَاسْمِي يَتَرَدَّدُ فِي أَرْجَاءِ السَّمَاوَات..

الْآنَ عَرَفْتُ مَعْنَى:

خَامِلُ الذِّكْرِ فِي الْأَرْض..

مَشْهُورٌ فِي السَّمَاء..


وَصَلْنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا..

حِصْنٌ مَنِيع..

وَأَبْوَابٌ مُغْلَقَة..

وَحُرَّاسٌ شِدَاد..

طَرَقَ كَبِيرُ الْمَلَائِكَةِ الْبَاب..

نَادَى الْحَارِس: «مَنْ هَذَا؟»..

قِيل: «هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَان» .. بِأَطْيَبِ الْأَسْمَاء..

فَهَتَفَ الْحَارِسُ مُرَحِّبًا:

«مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَة..

كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّب..

نِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَتْ»..

فُتِحَتْ لَنَا الْأَبْوَاب..

يَا لَهُ مِنْ مَشْهَد!

رَأَيْتُ مِنْ نُورِهَا وَبَهَائِهَا مَا تَعْجِزُ عَنْهُ لُغَةُ الْبَشَر..

وَلَيْسَ ذَلِكَ فَحَسْب..

بَلْ حَصَلْتُ عَلَى تَشْرِيفٍ مَلَكِيّ..

خَرَجَ مُقَرَّبُو كُلِّ سَمَاءٍ لِيُشَيِّعُونِي إِلَى الَّتِي تَلِيهَا..

تَخَيَّلْ مَوْكِبًا يَنْضَمُّ إِلَيْهِ سَادَةُ كُلِّ سَمَاءٍ وَوُجَهَاؤُهَا!

أَنَا الْعَبْدُ الْمُقَصِّر.. يَحُفُّنِي هَؤُلَاءِ الْأَطْهَار؟!

كُلُّهُ بِفَضْلِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا الله).. وَرَحْمَةِ رَبِّي..

صَعِدْنَا لِلثَّانِيَةِ فَاسْتُفْتِحَ لِي.. وَرُحِّبَ بِي..

ثُمَّ الثَّالِثَة.. فَالرَّابِعَة..

وَفِي كُلِّ سَمَاءٍ يَزْدَادُ النُّورُ وَالْهَيْبَة..

رَأَيْتُ الْأَنْبِيَاءَ فِي طَرِيقِي..

لَكِنَّ شَوْقِي الْأَكْبَرَ كَانَ لِلْغَايَةِ الْعُظْمَى..

كُنْتُ مُتَلَهِّفًا لِسَمَاعِ الْحُكْمِ النِّهَائِيّ..


وَصَلْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَة..

حَيْثُ يَنْتَهِي عِلْمُ الْخَلَائِق..

وَتَقِفُ الْعُقُول..

عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى..

الَّتِي يَغْشَاهَا مِنَ النُّورِ مَا يَغْشَاهَا..

وَقَفَ بِيَ الْمَلَائِكَةُ فِي مَقَامِ الْقُرْب..

شَعَرْتُ أَنِّي بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ الْحَقِّ سُبْحَانَه..

خَشَعَتِ الْأَصْوَات..

وَوَجِلَتِ الْقُلُوب..

الْكُلُّ يَنْتَظِرُ الْكَلِمَةَ الْفَصْلَ مِنْ رَبِّ الْعِزَّة..

جَاءَ النِّدَاءُ الْعُلْوِيُّ الْجَلِيل..

صَوْتُ الْكِبْرِيَاءِ وَالرَّحْمَة..

«اُكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّين..

وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْض»..

«فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ..

وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ..

وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى»..

اُكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّين..

هَلْ تَعْلَمُونَ مَا عِلِّيُّون؟

لَقَدْ صَدَرَ الْقَرَار: أَنَا مِنَ الْأَبْرَار!

فَعِلِّيُّونَ مَرْتَبَةٌ لَا يَدْخُلُ سِجِلَّهَا إِلَّا الْمُقَرَّبُون..

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُون﴾..

تَمَّ الْخَتْمُ الْأَبَدِيُّ بِالسَّعَادَة..

لَا شَقَاء.. لَا خَوْف.. لَا نَارَ بَعْدَ الْيَوْم..

كِدْتُ أَطِيرُ فَرَحًا فَوْقَ طَيَرَانِي..

لَكِنْ.. جَاءَ الشَّطْرُ الثَّانِي:

«وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْض»..

يَا رَبِّ؟

هَلْ أَعُودُ لِلظُّلْمَةِ وَالضِّيقِ بَعْدَ هَذَا النُّور؟!

لَكِنَّهُ أَمْرُ اللهِ وَحِكْمَتُه..

يَجِبُ أَنْ يَعُودَ الْجَسَدُ لِلتُّرَاب..

وَتَعُودَ الرُّوحُ لِتَشْهَدَ الْمُسَاءَلَةَ الْأَخِيرَة..

لِيَكْتَمِلَ الْعَدْل..

وَتَقُومَ الْحُجَّة..

لِأَسْمَعَ قَرْعَ نِعَالِ أَهْلِي وَهُمْ يُغَادِرُون..

فَأُدْرِكَ قِيمَةَ أُنْسِي بِاللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْم..


هَبَطَ بِيَ الْمَلَائِكَةُ فَوْرًا..

هُبُوطًا أَسْرَعَ مِنَ الصُّعُود..

مَرَرْنَا بِالسَّمَاوَاتِ نَزُولًا..

وَقَلْبِي مُعَلَّقٌ بِعِلِّيِّين..

عُدْنَا إِلَى الْأَرْض..

إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي خَرَجْتُ مِنْه..

لَكِنَّ الْوَضْعَ هُنَاكَ تَغَيَّر..

انْتَهَى الصُّرَاخ..

وَبَدَأَ الْجِدّ..

رَأَيْتُهُمْ يُجَهِّزُونَ لِلْغُسْل..

قَدْ أُحْضِرَتِ الْخَشَبَة..

وَسُخِّنَ الْمَاء..

وَجِيءَ بِالسِّدْرِ وَالْكَافُور..

جَرَّدُونِي مِنْ ثِيَابِي الَّتِي كُنْتُ أَرْتَدِيهَا..

أَخَذُوهَا عَنِّي بَعِيدًا..

لَنْ أَلْبَسَهَا ثَانِيَة..

وَضَعُونِي عَلَى خَشَبَةِ الْغُسْل..

الْمُغَسِّلُ رَجُلٌ صَالِحٌ أَمِين..

رُوحِي الْعَائِدَةُ تُرَاقِبُ عَنْ قُرْب..

وَتَسْمَعُ مَا يُقَال..

بَدَأَ الْمُغَسِّلُ عَمَلَهُ بِرِفْقٍ شَدِيد..

وَضَعَ خِرْقَةً سَمِيكَةً عَلَى عَوْرَتِي لِيَسْتُرَهَا..

سَتَرَكَ اللهُ يَا أَخِي كَمَا سَتَرْتَنِي..

ثُمَّ بَدَأَ بِعَصْرِ بَطْنِي عَصْرًا رَفِيقًا..

لِتَخْرُجَ الْفَضَلَات.. فَلَا تُؤْذِيَنِي فِي قَبْرِي..

صَبَّ الْمَاءَ غَزِيرًا لِيُطَهِّرَ الْمَحَلّ..

لَفَّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً خَشِنَةً وَنَجَّانِي..

ثُمَّ خَلَعَهَا وَلَبِسَ أُخْرَى نَظِيفَة..

قَال: «بِسْمِ الله»..

وَنَوَى الْوُضُوء..

غَسَلَ كَفَّيَّ ثَلَاثًا..

ثُمَّ مَسَحَ أَسْنَانِي وَأَنْفِي بِأُصْبُعَيْهِ الْمُبَلَّلَتَيْنِ دُونَ إِدْخَالِ الْمَاء..

ثُمَّ غَسَلَ وَجْهِيَ الذَّابِلَ بِنُعُومَة..

وَغَسَلَ يَدَيَّ إِلَى الْمِرْفَقَيْن..

وَمَسَحَ رَأْسِي وَأُذُنَيّ..

وَغَسَلَ رِجْلَيّ..

إِنَّهُ وُضُوءُ الصَّلَاةِ كَامِلًا..

كَأَنِّي أَتَجَهَّزُ لِلِقَاءِ الْمَلِك..

ثُمَّ أَخَذَ مَاءً مَخْلُوطًا بِالسِّدْر..

وَغَسَلَ شَعْرِي وَلِحْيَتِي حَتَّى نَظُفَت..

ثُمَّ قَلَبَنِي عَلَى جَنْبِيَ الْأَيْسَر..

لِيَغْسِلَ شِقِّيَ الْأَيْمَنَ مِنَ الْأَمَامِ وَالْخَلْف..

ثُمَّ قَلَبَنِي عَلَى الْأَيْمَن..

لِيَغْسِلَ شِقِّيَ الْأَيْسَر..

يَدْلُكُ جَسَدِي دَلْكًا رَفِيقًا..

وَيَصُبُّ الْمَاءَ صَبّا..

كُنْتُ أَنْظُرُ لَهُ وَأَوَدُّ لَوْ أَقُولُ لَه:

"رِفْقًا بِالْجَسَدِ يَا أَخِي..

فَقَدْ كَانَ يُسَارِعُ فِي مَرْضَاةِ الله..

رِفْقًا بِيَدٍ جَاهَدَتْ..

وَقَدَمٍ قَامَتِ اللَّيْل"..

غَسَلَنِي الثَّانِيَةَ بِالْمَاءِ الْقَرَاح..

وَالثَّالِثَةَ بِالْمَاءِ وَالْكَافُور..

يَا لَهَا مِنْ رَائِحَةٍ بَارِدَةٍ مُنْعِشَة..

تُصَلِّبُ الْجَسَدَ وَتَطْرُدُ الْهَوَامّ..

ثُمَّ نَشَّفَنِي بِمِنْشَفَةٍ نَظِيفَة..

وَأَنَا أُصْغِي لِحَدِيثِ الْحَاضِرِين..

سَمِعْتُ ثَنَاءَ النَّاسِ عَلَيَّ وَهُمْ يَقُولُون:

"مَا شَاءَ الله.. وَجْهُهُ مُنِير.. مُبْتَسِم.. لَيِّنُ الْأَطْرَاف"..

فَزَادَتْنِي كَلِمَاتُهُمْ بَهْجَة..

لِأَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَرْضِ وَافَقَتْ شَهَادَةَ أَهْلِ السَّمَاء..


انْتَهَى الْغُسْل..

وَجَاءَ دَوْرُ التَّكْفِين..

أُحْضِرَتِ الْأَكْفَانُ الْبَيْضَاءُ النَّقِيَّة..

ثَلَاثُ لَفَائِفَ سَحُولِيَّة..

لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَة..

بَسَطُوهَا فَوْقَ بَعْضِهَا..

وَذَرُّوا بَيْنَهَا الْحَنُوطَ وَالْمِسْك..

حَمَلُونِي وَوَضَعُونِي فَوْقَهَا..

وَطَيَّبُوا مَوَاضِعَ سُجُودِي..

الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْن..

إِكْرَامًا لَهَا عَلَى السُّجُود..

ثُمَّ رَدُّوا طَرَفَ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا مِنَ الْجِهَةِ الْيُسْرَى عَلَى جَسَدِي..

ثُمَّ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَر..

وَهَكَذَا بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَة..

حَتَّى صِرْتُ فِي شَرْنَقَةٍ بَيْضَاء..

عَقَدُوا الْأَرْبِطَةَ بِإِحْكَام..

فَوْقَ الرَّأْسِ وَتَحْتَ الْقَدَمَيْن..

وَحِزَامًا فِي الْوَسَط..

أَصْبَحَ جَسَدِي طَاهِرًا.. مُعَطَّرًا.. مَلْفُوفًا بِالْبَيَاض..

الْآنَ تَسَاوَيْتُ مَعَ الْمُلُوكِ وَالصَّعَالِيك..

لَا يُمَيِّزُنَا إِلَّا التَّقْوَى..

أُذِنَ لِلنَّاسِ بِنَظْرَةِ الْوَدَاع..

وَهُنَا بَلَغَ الْحُزْنُ ذِرْوَتَه..

فُتِحَ الْبَابُ عَلَى مِصْرَاعَيْه..

وَتَدَافَعَ الْمُحِبُّونَ لِإِلْقَاءِ النَّظْرَةِ الْأَخِيرَة..

تَقَدَّمَتْ زَوْجَتِي مُنْهَارَةَ الْقِوَى..

تَسْتَنِدُ عَلَى كَتِفِ ابْنِهَا..

كَشَفُوا عَنْ وَجْهِي..

فَانْكَبَّتْ عَلَيْهِ تُقَبِّلُهُ وَتَبْكِي..

"هَنِيئًا لَكَ يَا زَوْجِي الْحَبِيْب..

رَضِيَ اللهُ عَنْكَ كَمَا رَضِيتُ عَنْك"..

بَكَتْ حَتَّى ابْتَلَّ كَفَنِي بِدُمُوعِهَا..

ثُمَّ جَاءَتِ الْبَنَات..

فَلِذَاتُ الْكَبِد..

يَصْرُخْنَ صُرَاخًا مَكْتُومًا..

"يَا أَبِي.. يَا سَنَدِي..

لِمَنْ تَتْرُكُنَا؟"..

وَجَاءَ الْأَبْنَاء..

قَبَّلُوا جَبِينِي وَهُمْ يُغَالِبُونَ الْقَهْر..

وَشِفَاهُهُمْ تَرْتَجِفُ عَلَى جَبْهَتِي..

وَجَاءَ الْإِخْوَانُ وَالْأَخَوَات..

عِزْوَةُ الدَّم..

دُمُوعُهُمْ صَادِقَةٌ حَارَّة..

يَبْكُونَ ذِكْرَيَاتِ الطُّفُولَةِ وَالْكِبَر..

وَتَقَدَّمَ أَبْنَاءُ الْعَمِّ وَالْعَشِيرَة..

وَأَصْهَارِي وَأَنْسَابِي..

نَظَرُوا إِلَيَّ نَظْرَةَ افْتِقَاد..

"رَحِمَكَ اللهُ يَا شَيْخَ الرِّجَال..

كُنْتَ وَصَّالًا لِلرَّحِم..

كَرِيمَ النَّفْس"..

وَوَقَفَ الْجِيرَانُ وَالْأَصْحَاب..

صَدِيقُ الْمَسْجِدِ يَمْسَحُ دَمْعَةً فَرَّتْ مِنْ عَيْنِه.. وَهُوَ يَقُوْل:

"سُبْحَانَ مَنْ قَهَرَ الْعِبَادَ بِالْمَوْت..

بِالْأَمْسِ كُنْتَ مَعَنَا.. وَالْيَوْمَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّك"..

حَالُهُمْ يُفَطِّرُ الْقَلْب..

حُزْنًا عَلَى فِرَاقِي..

نَظَرْتُ إِلَيْهِمْ بِإِشْفَاقٍ لَا بِحَسْرَة..

وَقُلْت:

"لَوْ عَلِمْتُمْ أَيْنَ أَنَا.. وَمَاذَا جُهِّزَ لِي.. لَسَجَدْتُمْ شُكْرًا لله"..


وَجَاءَتِ اللَّحْظَةُ الْحَاسِمَة..

غُطِّيَ الْوَجْهُ لِلْأَبَد..

وَحُمِلْتُ عَلَى النَّعْش..

مَرْكَبَةِ الْآخِرَة..

تَسَابَقَ الْأَحِبَّةُ لِحَمْلِي..

كُلٌّ يُرِيدُ نَيْلَ الشَّرَفِ وَالْأَجْر..

رَفَعُونِي عَلَى الْأَكْتَاف..

وَكَانَتْ رُوحِي تُرَفْرِفُ فَوْقَ النَّعْش..

خَرَجُوا بِي مِنْ بَابِ الدَّار..

الْعَتَبَةُ الَّتِي عَبَرْتُهَا آلَافَ الْمَرَّات..

أَجْتَازُهَا الْيَوْمَ لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَة..

بِلَا عَوْدَة..

الْتَفَتُّ لِلْوَرَاء..

وَدَّعْتُ الْجُدْرَانَ الَّتِي سَمِعَتْ تِلَاوَتِي..

وَالسَّجَّادَةَ الَّتِي بَلَّلَتْهَا دُمُوعِي..

وَدَاعًا أَيَّتُهَا الدَّارُ الْفَانِيَة.. إِلَى الدَّارِ الْبَاقِيَة..

انْطَلَقَ الْمَوْكِبُ إِلَى الْمَسْجِد..

وَتَسَارَعَتِ الْخُطُوَات..

أَصَابَنِي شَوْقٌ عَارِمٌ لَا يُوصَف..

رَأَيْتُ مَقْعَدِي فِي الْجَنَّة.. وَأَنَا مُتَّجِهٌ لِبَوَّابَةِ الْمَقْبَرَة..

صَرَخْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي الرُّوحَانِيّ:

«قَدِّمُونِي.. قَدِّمُونِي!»..

أَسْرِعُوا بِي! .. لِمَاذَا تَمْشُونَ بِبُطْء؟

أَمَامِي رَبٌّ غَفُور.. وَرَيْحَانٌ يَفُوح.. وَبَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ مَفْتُوح..

لَا تُؤَخِّرُونِي عَنْ مَوْعِدِ السَّعَادَة!

كَادَ النَّعْشُ يَطِيرُ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِي..

حَتَّى قَالُوا:

"سُبْحَانَ الله! مَا أَخَفَّه! كَأَنَّهُ يَطِير!"..


وَصَلْنَا الْمَسْجِد..

بَيْتِي الثَّانِي الَّذِي عَشِقْتُه..

أُنْزِلَ النَّعْشُ فِي الْمِحْرَاب.. أَمَامَ الْمُصَلِّين..

فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ الَّتِي طَالَمَا ارْتَجَفَتْ فِيهَا أَضْلُعِي مِنَ الْخُشُوع..

وَسَقَيْتُ مَوْضِعَ سُجُودِي فِيهَا بِعَبَرَاتِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاء..

تَكَاثَرَ النَّاسُ حَتَّى ضَاقَ الْمَسْجِد..

جَاءَ الْأَقَارِبُ وَالْأَبَاعِد..

كُلُّهُمْ يَشْهَدُونَ لِي بِالْخَيْر..

اصْطَفُّوا صُفُوفًا خَلْفَ جَسَدِي..

هُنَا..

كَمْ وَقَفْتُ أُصَلِّي عَلَى غَيْرِي..

وَالْيَوْمَ يُصَلَّى عَلَيّ..

سُبْحَانَ الَّذِي قَهَرَ الْعِبَادَ بِالْمَوْت!

سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوت!

نَادَى الْمُنَادِي:

"الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ يَرْحَمُكُمُ الله"..

تَقَدَّمَ الْإِمَام.. وَوَقَفَ عِنْدَ رَأْسِي..

خَشَعَ الْجَمِيع..

كَبَّرَ الْإِمَام: «اللهُ أَكْبَر»..

قَرَأَ الْفَاتِحَةَ سِرًّا..

ثُمَّ كَبَّرَ الثَّانِيَةَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ..

ثُمَّ كَبَّرَ الثَّالِثَة..

وَارْتَفَعَ هَزِيجُ الدُّعَاءِ الصَّامِت..

قُلُوبُهُمْ تَتَضَرَّعُ لِي بِالرَّحْمَة..

ثُمَّ كَبَّرَ الرَّابِعَةَ وَسَلَّم..

صَلَاةٌ بِلَا رُكُوعٍ وَلَا سُجُود..

خَفِيفَةٌ كَرَحِيلِ الْمُؤْمِن..

شَعَرْتُ بِدَعَوَاتِهِمْ تَنْهَمِرُ كَالْمَطَرِ الْبَارِد:

"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْه..

عَافِهِ وَاعْفُ عَنْه..

أَكْرِمْ نُزُلَه..

وَسِّعْ مُدْخَلَه"..

تَحَوَّلَتِ الدَّعَوَاتُ إِلَى ضِيَاءٍ يُحِيطُ بِكَفَنِي..

وَرَأَيْتُ أَرْوَاحًا مَلَائِكِيَّةً تُؤَمِّن:

"آمِين.. آمِين"..

فَمَا ظَنُّكَ بِعَبْدٍ دَعَا لَهُ أَهْلُ الْأَرْض..

وَأَمَّنَ عَلَى دُعَائِهِمْ أَهْلُ السَّمَاء؟!


انْتَهَتِ الصَّلَاة..

وَحُمِلْتُ إِلَى الْمَحَطَّةِ الْأَخِيرَة..

الْمَقْبَرَة..

الْخُطُوَاتُ تَتَسَارَع..

وَأَنَا أَسْتَعْجِلُهُمْ: «قَدِّمُونِي.. قَدِّمُونِي!»..

رَأَيْتُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ مَفْتُوحَةً فَوْقَ قَبْرِي..

تَنْتَظِرُ اللِّقَاء..

تَرَاءَتْ لِي مَشَاهِدُ أَعْمَالِي..

نَظَرْتُ لِقَدَمِي فِي الْكَفَن..

فَتَذَكَّرْتُ خُطَاهَا فِي الْجِهَادِ وَالْقِيَام..

أَبْشِرِي يَا قَدَمِي.. حَانَ وَقْتُ الرَّاحَة..

وَنَظَرْتُ لِيَدِي.. فَتَذَكَّرْتُ صَدَقَاتِهَا وَمُصَافَحَتَهَا لِلْإِخْوَان..

كُلُّ عُضْوٍ كَانَ يَشْهَدُ لِي وَيُبَشِّرُنِي..

وَصَلْنَا بَابَ الْمَقْبَرَة..

«السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ»..

دَخَلْنَا بَيْنَ الْقُبُور..

صَمْتٌ مُهِيب..

هُنَا يَرْقُدُ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَاد..

الْمُلُوكُ وَالْخَدَم..

الْكُلُّ تَحْتَ التُّرَاب..

لَكِنَّ قَبْرِي بَدَا مُخْتَلِفًا..

رَأَيْتُ نُورًا يَنْبَعِثُ مِنْ دَاخِلِ الْحُفْرَة..

تِلْكَ الَّتِي يَرَاهَا النَّاسُ مُظْلِمَة..

الْمَلَائِكَةُ فَرَشُوهَا بِالْحَرِيرِ وَالْإِسْتَبْرَق..

لَمْ تَكُنْ حُفْرَة..

بَلْ بَوَّابَةً لِعَالَمٍ فَسِيح..

أُنْزِلَ النَّعْش..

وَجَاءَ الْأَحِبَّةُ لِيَضَعُونِي فِي اللَّحْد..

لَحْظَةٌ يَرْتَجِفُ لَهَا الْحَيّ..

وَيَبْكِي مِنْهَا الْقَوِيّ..

لَكِنِّي قُلْتُ بِلِسَانِ الْحَال:

"لَا تَرْتَجِفُوا..

سَلِّمُونِي لِرَبِّي الرَّحِيم"..

تَنَاوَلَنِي أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيَّ وَنَزَلَ بِي..

أَدْخَلُونِي مِنْ جِهَةِ رِجْلِ الْقَبْرِ بِرِفْق..

وَقَالُوا: «بِسْمِ الله.. وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله»..

وَضَعُونِي فِي اللَّحْدِ الدَّاخِلِيّ..

أَضْجَعُونِي عَلَى جَنْبِيَ الْأَيْسَرِ قَلِيلًا..

ثُمَّ قَلَبُونِي لِلْأَيْمَن..

حَتَّى صِرْتُ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَة..

ثُمَّ حَلُّوا عُقَدَ الْكَفَن.. مِنْ عِنْدِ رَأْسِي وَقَدَمَيّ..

لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلْقُيُودِ بَعْدَ الْيَوْم..

وَكَشَفُوا عَنْ وَجْهِي قَلِيلًا.. لِيُلَامِسَ خَدِّيَ التُّرَاب..

يَا لَهُ مِنْ شُعُور!

خَدِّي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِي..

تَوَاضُعًا للهِ وَذُلًّا لِعَظَمَتِه..

بَدَأُوا بِوَضْعِ اللَّبِنِ خَلْفَ ظَهْرِي..

وَسَدُّوا فَتْحَةَ اللَّحْدِ حَجَرًا حَجَرًا..

وَطَيَّنُوا الْفَرَاجَاتِ بِالطِّين..

حَتَّى لَا يَنْهَالَ عَلَيَّ التُّرَاب..

تَلَاشَى النُّورُ الْأَرْضِيُّ تَدْرِيجِيًّا..

حَتَّى أُغْلِقَتِ الْفَتْحَةُ تَمَامًا..

صِرْتُ فِي ظَلَامٍ دَامِسٍ بِمَقَايِيسِ الدُّنْيَا..

لَكِنَّهُ نُورٌ سَاطِعٌ بِمِقْيَاسِ عَمَلِي..

سَمِعْتُ صَوْتَ التُّرَابِ يَنْهَالُ فَوْقِي..

ثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ كُلِّ مُشَيِّع..

﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾..

ارْتَفَعَ التُّرَابُ فَوْقِي وَثَقُل..

لَكِنَّهُ كَانَ عَلَى جَسَدِي بَرْدًا وَسَلَامًا..

انْتَهَى الدَّفْن..

وَاخْتَفَتْ مَعَالِمُ الدُّنْيَا عَنِّي إِلَى الْأَبَد..

وَقَفَ الْمُشَيِّعُونَ يَدْعُون:

«اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ عِنْدَ السُّؤَال»..

ثُمَّ بَدَأَتِ الْمُغَادَرَة..

سَمِعْتُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ يَبْتَعِد..

ذَهَبُوا وَتَرَكُونِي وَحِيدًا..

لَا زَوْجَةَ تُؤْنِس..

وَلَا وَلَدَ يَخْدِم..

وَلَا مَالَ يَنْفَع..

أَنَا وَحْدِي تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى..

لَقَدْ بَدَأَتِ الْحَيَاةُ الْبَرْزَخِيَّة..

المصدر : مدونة الشيخ زهير بن حسن حميدات

https://zuhayr-humaydat.blogspot.com/2026/01/blog-post_12.html

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق