الصفحات

الصفحات

2007-10-05

وإذا استُنفِرتم فانفِروا

وإذا استُنفِرتم فانفِروا

عنوان الخطبة: وإذا استُنفرتم فانفِروا.

الخطيب: زهير بن حسن حميدات.

المسجد: بلال بن رباح.

الدولة: فلسطين، الخليل، صوريف.

تاريخ الخطبة: ‏23/‏رمضان/‏1428هـ (5/10/2007م).

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أمّا بعد:

أيها المسلمون، أيها الصائمون، لقد فرضَ علينا ربُّنا _تباركَ وتعالى_ فريضةً جليلةً فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}([i])، وقال مُبَيِّناً فضلَه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}([ii]).

فهنيئاً لكم يا عبادَ اللهِ أنْ بَلَّغَكُمُ اللهُ هذا الشهرَ، وفَسَحَ لكمْ في عمرِكم لِتَسْتَدْرِكُوا ما فاتَكم، وتَلْحقوا من سَبَقَكم.

نعم أيها الأحبة {كُتبَ عليكم الصيام}، وإن اللهَ الذي قال: {كُتِب عليكم الصيام} هو نفسُهُ من قالَ في قرآنِه الهادي: {كُتب عليكم القتال}؛ ففَرَضَ ربُّ العزةِ عليكمُ القتالَ كما فَرَضَ عليكم الصيام، وأَوْلاكُم أمانةَ نصرِ دينِه وجهادِ أعدائِه؛ فارْبَؤُوا بأنفسِكم عن تضييعِ هذه الأمانةِ، ولا تُلْقُوا بأنفسكم إلى التهلكة.

أمةَ الإسلام، ها هو كلُّ حقيرٍ ذليلٍ قد تَجَرَّأَ علينا؛ مِن إخوان القردة والخنازير إلى عُبّادِ الصليبِ وعُبَّادِ الشيطانِ، مرورا بعُبَّاد البقرِ، وغيرهم من الطواغيت، تجرؤوا على أمتنا حتى صارتْ أعراضُنا ودماؤُنا أرخصَ شيءٍ في هذه الدنيا، وما ذلك إلا بسبب بعدنا عن دين الله وعن ذروة سنامه، ولن نستعيد مجدنا وعز أسلافنا ما لم ننهض من سُبَاتِنا، ولن يكون ذلك بغير الجهاد في سبيل الله.

أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، أيها المرابطون في هذه الديار، إن الجهاد في سبيل الله هو السبيل الذي لا سبيل غيره لرفع الحرج عن الأمة، والذود عن الملة، وإنها لحياة واحدة، فلتكن في سبيل الله؛ لتكون أشرف وأرفع، وأبقى وأدوم، وإنما يجاهد المؤمن في الله جهاده؛ فإن أخفق فإفادة، أو أوذي فإرادة، أو نفي فريادة، أو سجن فعبادة، أو عاش فقيادة، أو مات فشهادة، فله الحسنى وزيادة.

أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يقيم صلاح الأرض على قانون الدفع فقال سبحانه: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:251]، أي أن الله عز وجل تفضل على البشرية بأن سن لهم قانون الدفع، أو بعبارة أخرى الصراع بين الحق والباطل؛ وذلك من أجل صلاح البشرية وسيادة الحق وانتشار الخير.

وهذا القانون (قانون الدفع) احتل صفحات كثيرة من كتاب الله عز وجل؛ لأن الحق لا بد له من قوة تحميه، فكم من حق وُضع بسبب خذلان أهله له، وكم من باطل رُفع لأن له أنصارا ورجالا يضحون من أجله.

ولقد مرت أزمان على سلفنا الصالح أخذوا بهذا القانون فسادوا الدنيا وأصبحوا أساتذة الأنام، {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:24].

ثم جاءت ذراري المسلمين وأهملت قوانين الله ونسيت ربها فنسيها، وضيعوا أحكامه فضاعوا، {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم:59].

أمةَ الإسلام، إن من أهم الفرائض الغائبة والواجبات المنسية فريضة الجهاد، فريضة الجهاد التي غابت عن واقع المسلمين؛ فأصبحوا غثاء كغثاء السيل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ ‏ ‏تَدَاعَى ‏ ‏عَلَيْكُمْ كَمَا ‏ ‏تَدَاعَى ‏ ‏الْأَكَلَةُ ‏ ‏إِلَى ‏ ‏قَصْعَتِهَا ‏ ‏فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ ‏ ‏غُثَاءٌ ‏ ‏ كَغُثَاءِ ‏ ‏السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)) ([iii]).

أيها الناس، لقد اتفق السلف والخلف وفقهاء المذاهب الأربعة والمحدِّثون والمفسرون في جميع العصور الإسلامية إطلاقا أن الجهاد يصبح فرض عين على أهل البلدة التي هاجمها الكفار وعلى من قرب منهم، بحيث يخرج الولد دون إذن والده، والزوجة دون إذن زوجها، والمدين دون إذن دائنه، فإن لم يكف أهل تلك البلدة أو قصروا أو تكاسلوا أو قعدوا يتوسع فرض العين على شكل دوائر الأقرب فالأقرب، فإن لم يكفوا أو قصروا فعلى من يليهم ثم على من يليهم حتى يعم فرض العين الأرض كلها.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، واجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط _كالزاد والراحلة_ بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم).

ويقول أيضا: (إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا) ([iv]). وهذه الحالة تعرف بالنفير العام.

قال الله عز وجل: {انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة:41]، وقد جاءت الآية قبلها: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة:39].

قال أبو طلحة رضي الله عنه في معنى قوله تعالى: {خفافا وثقالا}: (كهولا وشبابا ما سمع الله عذر أحد) ([v]). وقال الحسن البصري: (في العسر واليسر).

وقال الزهري: (خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنك عليل. فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل؛ فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع) ([vi]).

أيها الأخوة الأحباب، وبناء على ما تقدم فإن الإثم باق في رقاب المسلمين جميعا ما دامت بلاد المسلمين في يد الكفار. ويزداد الإثم طرديا حسب القدرة والإمكانية والطاقة، فإثم العلماء والقادة والدعاة البارزين في مجتمعاتهم أشد من إثم الدَّهْماء والعامة.

أيها المسلمون، إن ترك الجهاد كترك الصلاة والصيام، بل ترك الجهاد أشد في هذه الأيام. ونقل ابن رشد الاتفاق على أن الجهاد إذا تعين أقوى من الذهاب إلى حجة الفريضة.

فالصلاة تؤخر وتجمع، أو تختصر ركعاتها، أو تتغير هيئتها بوجود الجهاد، والمجاهد يفطر في رمضان، كما روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر وهو في طريقه إلى فتح مكة.

أيها المؤمنون، يا أحباب محمد صلى الله عليه وسلم، ألا يتبين لنا بعد إجماع السلف وأئمة المذاهب الأربعة وكبار علماء الإسلام، وبعد التوصيف الواقعي لحال البلاد، واتحاد الصائل في بلاد الإسلام من يهود وصليبيين وحكام مرتدين ومنافقين معاضدين لهم، ألا يتبين لنا الحكم الشرعي في الوجوب والفرض العيني بالجهاد لدفع هذا الصائل، بل الصوائل المتكالبة على دين أهل الإسلام وأراضيهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم وعقولهم.

والله الذي لا اله إلا هو لو طبق المسلمون أمر ربهم ونفذوا حكم شريعتهم في النفير أسبوعا واحدا لفلسطين، لتطهرت فلسطين نهائيا من اليهود، وكذلك أفغانستان والعراق والشيشان وكل بلاد المسلمين. ولكننا ننتظر في كل مرة، ونبقى ننظر إلى الإقليم الإسلامي الذي وقع تحت سيطرة الكفار حتى يُبتلع، ثم نؤبنه بخطب رنانة، ودموع هتانة، وحوقلات حَرَّى، وتأوهات كثيرة.

أيها الناس، لقد أصبحنا نفكر بالإسلام تفكيرا إسلاميا قوميا، فلا تتعدى نظراتنا الحدود الجغرافية التي رسمتها لنا معاهدة سايكس بيكو، أو خطها لنا اليهود والصليبيون.

أمةَ الإسلام، قد نُسأل بعد هذا العرض السؤال التالي: هل نجاهد وليس لنا أمير واحد؟ وهل نجاهد إذا انعدم الخليفة؟

والجواب: نعم نجاهد وليس لنا أمير واحد، ولم يقل أحد من العلماء أن عدم اتحاد المسلمين على أمير واحد يسقط فرضية الجهاد.

ولم يقل أحد من العلماء أن هذا الحال الهزيل لأمة الإسلام يُسقط فرضية الجهاد للدفاع عن أرض المسلمين، بل يُضاعِف واجبهم، بل كان أعيان العلماء في مقدمة الصفوف في الأندلس.

بل قد تخلو المعركة من قائد شرعي معه الولاية من الأمير العام كما حدث في غزوة مؤتة، فقام خالد بن الوليد واستلم الراية، وأنقذ الله به الجيش المسلم، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه.

وقد يكون الإمام أو أمير المؤمنين غير موجود، وهذا لا يُسقط فرضية القتال والدفاع عن أرض المسلمين، ولا ننتظر حتى تقوم الولاية الكبرى وتُستأنف الخلافة، لأن الخلافة لا تأتي نظريا بالثقافة والدراسة، ولا بالثرثرة وكثرة الكلام، بل الجهاد أسلم طريقة لكي تصبح الولاية الخاصة ولاية عامة وخلافة، والمجاهدون يختارون أميرا للجهاد من بينهم؛ يصلح أمرهم، ويلم شعثهم، ويرد قويهم عن ضعيفهم. ففي الحديث الصحيح عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَعَجَزْتُمْ إِذْ بَعَثْتُ رَجُلًا فَلَمْ يَمْضِ لِأَمْرِي أَنْ تَجْعَلُوا مَكَانَهُ مَنْ ‏ ‏يَمْضِي لِأَمْرِي)) ([vii])، فالرسول صلى الله عليه وسلم حرضهم على تغيير أمير السرية الذي عقد له الراية بيده الشريفة، فكيف إذا لم يكن أميرا أصلا؟! إن الحاجة أشد إلى تأمير أمير للحرب.

قال ابن قدامة في المغني([viii]): (فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره).

عباد الله، نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية :

الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علماً، وجعل لكل أمة منسكاً وأجلاً مسمى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

إخوة الإسلام، إن ما يسمى بالتغيير السلمي ثبت فشله على مدى قرن كامل من الزمان، وإن ما يقال بأن الكفاح السياسي والصراع الفكري المجردَّين عن الجهاد في سبيل الله هو الطريق الأسلم والأضمن والأقرب للوصول للخلافة الراشدة كلام غير صحيح، ولا هو بطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، للأسباب الآتية:

1.         لأن آيات الجهاد والقتال ناسخة وليست منسوخة.

2.         لأن المرحلة المدنية هي التي نسخت المرحلة المكية وليس العكس.

3.   لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالقتال قبل الهجرة، بينما أمرنا نحن به، ولم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خالف أمرا أمره الله به.

4.   لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في مجتمع كافر يعبد الأصنام، فبدأ بهم من الصفر، وبدأ بالعقيدة، ورغم ذلك أقام دولته بعد ثلاثة عشر عاما، وفُرض عليه القتال بعدها بعامين فقط، أما نحن ففي مجتمع مسلم، ولم نُقِم دولتا رغم مرور أكثر من ثمانين سنة.

5.   بسبب قلة عدد المسلمين في مكة وقلة عتادهم. قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ}([ix]). وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكفار قريش في مكة بعد أن أعلن إسلامه: (اصنعوا ما بدا لكم، فأقسم بالله لو قد كنا ثلاث مائة رجل لقد تركتموها لنا أو تركناها لكم) ([x]). أي لو كنا ثلاث مائة رجل لقاتلناكم بالسيف إلى أن يُخرج أحد الطرفين الآخر من مكة. فماذا نقول نحن وقد بلغ تعداد الأمة ما يربو على المليار مسلم؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ)) ([xi]).

6.   ورغم ذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يهدد كفار مكة بالذبح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يَا مَعْشَرَ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏ ‏أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏بِيَدِهِ ‏ ‏لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ)).

7.   لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا ‏ ‏اسْتُنْفِرْتُمْ ‏ ‏فَانْفِرُوا)) ([xii]).

8.   لان الخلافة لن تعود بغير قتال. فهل يتوقع هؤلاء أن يقدم لنا طواغيت البلاد الإسلامية الحكم على طبق من ذهب؟!! وهل يعتقد هؤلاء بأن يتنازل فرعون مصر أو عدو الله الثاني أو عدو الله آل سلول أو غيرهم، هل يعتقد البعض بأن يتنازل هؤلاء عن الحكم بالطرق السلمية؟!! لا والله لن يكون ذلك بغير قتال، قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه}، وهل هناك فتنة على وجه الأرض أكبر من تغييب حاكمية الشريعة والحكم بشرعة الطاغوت؟!!

عجبا لمن يقرأ آيات الحاكمية ولا يقرأ آيات القتال، {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}، وعجبا لمن يريد ولادة بغير مخاض، عجبا ثم عجبا لمن يريد ولادة الخلافة بالكلام وهو نفسه لم يلد ولم يولد بالكلام.

ثم لماذا لا يأخذون الأحكام المكية كاملة؟!! لماذا لا يأخذون منها غير عدم فرضية الجهاد؟!! لماذا يصومون رمضان؟! فصيام رمضان فُرض بعد الهجرة. ولماذا يُزكُّون؟! فالزكاة فُرضت في المدينة. ولماذا يحجون؟! فالحج من الأحكام المدنية. بل ولماذا يُصلُّون الظهر والعصر والعشاء أربعا؟! فهذه الصلوات كانت في مكة ركعتان لكل صلاة، ثم زيدت في المدينة. لماذا لا يأخذون الأحكام المكية كاملة؟!! لماذا ينتقون منها انتقاء؟!!

أيها الأحبة في الله، لقد كافحنا سياسيا منذ ثمانين سنة، وها هي النتيجة؛ إلى الخلف در. وصارعنا فكريا منذ خمسين سنة، وها هي النتيجة؛ مكانك سر.

أيها الناس، إن الحل الوحيد لما تعانيه الأمة هو فقط باتباع الكتاب والسنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ)).

عباد الله، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90], فاذكروا الله يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق