الحُورُ العِينُ
مِنْ
كِتَابِ
﴿ نَعِيمُ الْجَنَّة ﴾
للشيخ
زهير بن حسن حميدات
وتَأْتِيكَ الأَزْوَاجُ المُطَهَّرَةُ، وَالعِينُ الغُنْجَاتُ، بِوَشْيِ الكَرَامَةِ مُتَزَيِّنَاتٍ،
بِالمِسْكِ مُتَزَمِّلَاتٍ؛ حَدَقُ أَعْيُنِهِنَّ كَاحِلَاتٌ، وَأَطْرَافُهُنَّ
خَاشِعَاتٌ، وَفُرُوقُهُنَّ مُكَلَّلَةٌ بِالدُّرِّ، مُرَكَّبَةٌ بِاليَاقُوتِ.
يُنَادِينَ بِأَصْوَاتٍ غُنْجَةٍ، رَخِيمَةٍ لَذِيذَةٍ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الخَالِدَاتُ؛ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا! وَنَحْنُ الغَانِجَاتُ؛ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا! وَنَحْنُ المُقِيمَاتُ؛ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا! وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ؛ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا! وَنَحْنُ الحُورُ الحِسَانُ؛ أَزْوَاجُ أَقْوَامٍ كِرَامٍ، وَنَحْنُ الأَبْكَارُ السَّوَامُ؛ لِلعِبَادِ المُؤْمِنِينَ. طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ!
أَنْشَأَهُنَّ اللهُ
إِنْشَاءً، فَجَعَلَهُنَّ أَبْكَارًا، عَاشِقَاتٍ لأَزْوَاجِهِنَّ،
مُسْتَوِيَاتٍ فِي الأَسْنَانِ، حِسَانَ جَمَالٍ،
كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، كَأَنَّهُنَّ اليَاقُوتُ وَالمَرْجَانُ. مَشْيُهَا هَرْوَلَةٌ،
وَنَغْمَتُهَا شَهِيَّةٌ بَهِيَّةٌ، فَائِقَةٌ وَامِقَةٌ، لِزَوْجِهَا عَاشِقَةٌ،
وَعَلَيْهِ مَحْبُوسَةٌ، وَعَنْ غَيْرِهِ مَحْجُوبَةٌ، قَاصِرَةُ الطَّرْفِ عَنِ
الرِّجَالِ؛ فَلَا تَنْظُرُ إِلَى غَيْرِ زَوْجِهَا. لَمْ يَطْمِثْهَا إِنْسٌ قَبْلَهُ وَلَا جَانٌّ، كُلَّمَا
أَصَابَهَا زَوْجُهَا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ، عَلَيْهَا
سَبْعُونَ حُلَّةً، مُخْتَلِفَةَ الوُشِيِّ وَالأَلْوَانِ، حَمْلُهَا أَهْوَنُ
عَلَيْهَا وَأَخَفُّ مِنْ شَعْرِهَا.
فَمَا مِنْ أَحَدٍ
يُدْخِلُهُ اللهُ الجَنَّةَ إِلَّا زَوَّجَهُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ
زَوْجَةً: اثْنَتَيْنِ مِنَ الحُورِ العِينِ، وَسَبْعِينَ مِنْ مِيرَاثِهِ
مِنْ أَهْلِ النَّارِ. (مِيرَاثُهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَعْنِي: رِجَالًا
دَخَلُوا النَّارَ، فَوَرِثَ أَهْلُ الجَنَّةِ نِسَاءَهُمْ كَمَا وُرِثَتْ
امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ). مَا مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ إِلَّا وَلَهَا قُبُلٌ شَهِيٌّ، وَلَهُ ذَكَرٌ لَا يَنْثَنِي،
وَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ شَابٍّ فِي الجِمَاعِ، فَيُجَامِعُ مِقْدَارَ
أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةُ عَذْرَاءَ؛
بِذَكَرٍ لَا يُمَلُّ وَلَا يَنْثَنِي، وَفَرْجٍ لَا يُحْثَى وَلَا يُمْنَى. عَلَى
كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ
الثِّيَابِ.
أَصْنَافُ الحُورِ العِينِ
وَلَكَ يَا وَلِيَّ اللهِ مَا
اشْتَهَتْ نَفْسُكَ مِنَ الحُورِ العِينِ، فَهُنَّ أَصْنَافٌ:
·
فَفِيهِنَّ
حَوْرَاءُ يُقَالُ لَهَا اللُّعْبَةُ، كُلُّ حُورِ الجَنَّاتِ
يُعْجَبْنَ بِهَا، يَضْرِبْنَ بِأَيْدِيهِنَّ عَلَى كَتِفِهَا وَيَقُلْنَ: طُوبَى
لَكِ يَا لُعْبَةُ! لَوْ يَعْلَمُ الطَّالِبُونَ لَكِ لَجَدُّوا! بَيْنَ
عَيْنَيْهَا مَكْتُوبٌ: {مَنْ كَانَ يَبْتَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ
مِثْلِي فَلْيَعْمَلْ بِرِضَاءِ رَبِّي} [في غير القرآن].
·
وَفِيهِنَّ
حَوْرَاءُ يَتَبَاهَى أَهْلُ الجَنَّةِ بِحُسْنِهَا، وَلَوْلَا أَنَّ
اللهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى أَهْلِ الجَنَّةِ أَنْ لَا يَمُوتُوا لَمَاتُوا مِنْ
حُسْنِهَا.
·
وَفِيهِنَّ
حَوْرَاءُ يُقَالُ لَهَا العَيْنَاءُ، إِذَا مَشَتْ مَشَى
حَوْلَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ وَصِيفٍ عَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ يَسَارِهَا كَذَلِكَ،
وَهِيَ تَقُولُ: أَيْنَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ؟!
فَتَخْتَارَ – يَا عَبْدَ اللهِ –
مِنْهُنَّ أَوْ مِنْ غَيْرِهِنَّ مَنْ تَشَاءُ، وَتُجَامِعَهَا مِقْدَارَ عُمُرِكَ
فِي الدُّنْيَا، فَلَا مَقْطُوعَةٌ وَلَا مَمْنُوعَةٌ.
أَوَّلُ لِقَاءٍ بِالحَوْرَاءِ
فَأَنْتَ – يَا وَلِيَّ
اللهِ – عِنْدَمَا تَخْرُجُ مِنْ قَبْرِكَ، تَتَلَقَّاكَ النَّجَائِبُ،
فَتَرْكَبُ وَتَأْكُلُ وَتَشْرَبُ وَتَتَنَخَّمُ، حَتَّى تَصِلَ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ. فَتَرَى عَيْنَيْنِ مِنْ عُيُونِ الجَنَّةِ:
فَتَشْرَبُ مِنْ إِحْدَاهُمَا، وَتَتَوَضَّأُ مِنَ الأُخْرَى، فَإِذَا أَنْتَ:
·
عَلَى
طُولِ آدَمَ؛ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ.
·
وَعَلَى
صَبْرِ أَيُّوبَ.
·
وَعَلَى
جَمَالِ يُوسُفَ.
·
وَعَلَى
سِنِّ عِيسَى؛ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ عَامًا.
·
وَعَلَى
أَخْلَاقِ مُحَمَّدٍ، عَلَيْهِمْ جَمِيعًا الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ.
فَإِذَا جِئْتَ
لِتَدْخُلَ مِنْ بَابِ الجَنَّةِ، جَاءَتْ أَزْوَاجُكَ مِنَ الحُورِ العِينِ يَتَلَقَّوْنَكَ بِالغِنَاءِ وَالمُعَانَقَةِ وَالتَّقْبِيلِ.
وَإِذَا خَرَجْتَ مِنْ
قَبْرِكَ اسْتُقْبِلْتَ بِنُوقٍ بِيضٍ لَهَا أَجْنِحَةٌ، عَلَيْهَا رِحَالُ
الذَّهَبِ، شِرَاكُ نَعْلِكَ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، كُلُّ خُطْوَةٍ مِنْهَا مِثْلُ
مَدِّ البَصَرِ، فَتَنْتَهِي إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا حَلْقَةٌ مِنْ
يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ عَلَى صَفَائِحِ الذَّهَبِ، وَإِذَا شَجَرَةٌ عَلَى بَابِ
الجَنَّةِ يَنْبُعُ مِنْ أَصْلِهَا عَيْنَانِ: فَإِذَا شَرِبْتَ مِنْ إِحْدَاهُمَا
جَرَتْ فِي وَجْهِكَ بِنَضْرَةِ النَّعِيمِ، وَإِذَا تَوَضَّأْتَ مِنَ الأُخْرَى
لَمْ يَشْعَثْ شَعْرُكَ أَبَدًا. فَتَضْرِبُ الحَلْقَةَ
بِالصَّفِيحَةِ، فَيَبْلُغُ كُلَّ حَوْرَاءَ أَنَّ زَوْجَهَا قَدْ أَقْبَلَ، فَتَسْتَخِفُّهَا العَجَلَةُ، فَتَبْعَثُ قَيِّمَهَا فَيَفْتَحُ لَكَ البَابَ، فَلَوْلَا أَنَّ اللهَ
عَزَّ وَجَلَّ عَرَّفَكَ نَفْسَكَ لَخَرَرْتَ لَهُ سَاجِدًا، مِمَّا تَرَى مِنَ النُّورِ وَالبَهَاءِ. فَيَقُولُ القَيِّمُ: أَنَا قَيِّمُكَ
الَّذِي وُكِّلْتُ بِأَمْرِكَ! فَتَتْبَعُهُ، وَتَقْفُو أَثَرَهُ، فَتَأْتِي
زَوْجَتَكَ، فَتَسْتَخِفُّهَا العَجَلَةُ، فَتَخْرُجُ مِنَ الخَيْمَةِ، فَتُعَانِقُكَ، وَتَقُولُ لَكَ: أَنْتَ حَبِّي وَأَنَا حُبُّكَ!
وَأَنَا الرَّاضِيَةُ فَلَا أَسْخَطُ أَبَدًا! وَأَنَا النَّاعِمَةُ فَلَا
أَبْأَسُ أَبَدًا! وَأَنَا الخَالِدَةُ فَلَا أَظْعَنُ أَبَدًا!
فَتَدْخُلُ بَيْتًا مِنْ أَسَاسِهِ،
وَطَرَائِقَ صُفْرٍ مَا مِنْهَا طَرِيقَةٌ تُشَاكِلُ صَاحِبَتَهَا، فَتَأْتِي
الأَرِيكَةَ، فَإِذَا عَلَيْهَا سَرِيرٌ، عَلَى السَّرِيرِ سَبْعُونَ فِرَاشًا،
عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ سَبْعُونَ زَوْجَةً، عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً،
تُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ بَاطِنِ الحُلَلِ، تُفْضِي جِمَاعَهُنَّ فِي مِقْدَارِ
لَيْلَةٍ! تَجْرِي مِنْ تَحْتِكُمْ أَنْهَارٌ مُطَّرِدَةٌ:
·
وَأَنْهَارٌ
مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ؛ صَافٍ لَيْسَ فِيهِ كَدَرٌ.
·
وَأَنْهَارٌ
مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى؛ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بُطُونِ النَّحْلِ.
·
وَأَنْهَارٌ
مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ؛ لَمْ تَعْصِرْهُ الرِّجَالُ
بِأَقْدَامِهَا.
·
وَأَنْهَارٌ
مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ؛ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ
بُطُونِ المَاشِيَةِ.
فَإِذَا اشْتَهَيْتَ الطَّعَامَ
جَاءَتْكَ طَيْرٌ بِيضٌ، فَتَرْفَعُ أَجْنِحَتَهَا، فَتَأْكُلُ مِنْ جُنُوبِهَا
مِنْ أَيِّ الثِّمَارِ شِئْتَ؛ إِنْ شِئْتَ قَائِمًا، وَإِنْ شِئْتَ مُتَّكِئًا.
وَبَيْنَ يَدَيْكَ خَدَمٌ كَاللُّؤْلُؤِ، يُطِيعُونَكَ، وَلَا يَعْصُونَ لَكَ
أَمْرًا.
وَيُسَاقُ الَّذِينَ
اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الجَنَّةِ زُمَرًا، حَتَّى إِذَا
انْتَهَوْا إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا، وَجَدُوا عِنْدَهُ شَجَرَةً يَخْرُجُ
مِنْ تَحْتِ سَاقِهَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ، فَعَمَدُوا إِلَى إِحْدَاهُمَا،
كَأَنَّمَا أُمِرُوا بِهَا، فَشَرِبُوا مِنْهَا، فَأَذْهَبَتْ مَا فِي بُطُونِهِمْ
مِنْ أَذًى أَوْ قَذًى أَوْ بَأْسٍ، ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى الأُخْرَى، فَتَطَهَّرُوا
مِنْهَا، فَجَرَتْ عَلَيْهِمْ بِنَضْرَةِ النَّعِيمِ، فَلَنْ
تَتَغَيَّرَ أَبْشَارُهُمْ تَغْيِيرًا بَعْدَهَا أَبَدًا، وَلَنْ تَشْعَثَ أَشْعَارُهُمْ، كَأَنَّمَا دُهِنُوا بِالدِّهَانِ.
ثُمَّ انْتَهَوْا إِلَى خَزَنَةِ الجَنَّةِ، فَقَالُوا: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ
فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ). ثُمَّ يَلْقَاهُمُ الوِلْدَانُ، يُطِيفُونَ
بِهِمْ كَمَا يُطِيفُ وِلْدَانُ أَهْلِ الدُّنْيَا بِالحَمِيمِ، فَيَقُولُونَ:
أَبْشِرْ بِمَا أَعَدَّ اللهُ لَكَ مِنَ الكَرَامَةِ!
ثُمَّ يَنْطَلِقُ غُلَامٌ
مِنْ أُولَئِكَ الوِلْدَانِ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِكَ مِنَ الحُورِ العِينِ،
فَيَقُولُ: قَدْ جَاءَ فُلَانٌ، بِاسْمِهِ الَّذِي يُدْعَى بِهِ فِي الدُّنْيَا،
فَتَقُولُ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَيَقُولُ: أَنَا رَأَيْتُهُ، وَهُوَ ذَا بِأَثَرِي!
فَتَسْتَخِفُّ إِحْدَاهُنَّ الفَرَحُ، حَتَّى تَقُومَ عَلَى
أُسْكُفَّةِ بَابِهَا.
فَإِذَا انْتَهَيْتَ
إِلَى مَنْزِلِكَ نَظَرْتَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ أَسَاسُ بُنْيَانِهِ، فَإِذَا جَنْدَلُ اللُّؤْلُؤِ، فَوْقَهُ صَرْحٌ أَخْضَرُ وَأَصْفَرُ
وَأَحْمَرُ، وَمِنْ كُلِّ لَوْنٍ، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَنْظُرُ إِلَى
سَقْفِهِ، فَإِذَا مِثْلُ البَرْقِ، لَوْلَا أَنَّ اللهَ قَدَّرَ لَكَ لَذَهَبَ
بِبَصَرِكَ! ثُمَّ تُطَأْطِئُ رَأْسَكَ، فَتَنْظُرُ إِلَى أَزْوَاجِكَ، وَإِلَى أَكْوَابٍ مَوْضُوعَةٍ، وَنَمَارِقَ مَصْفُوفَةٍ،
وَزَرَابِيَّ مَبْثُوثَةٍ، فَتَنْظُرُ إِلَى تِلْكَ
النِّعْمَةِ، ثُمَّ تَتَّكِئُ وَتَقُولُ: (الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا
لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ). ثُمَّ
يُنَادِي مُنَادٍ: تَحْيَوْنَ فَلَا تَمُوتُونَ أَبَدًا،
وَتُقِيمُونَ فَلَا تَظْعَنُونَ أَبَدًا، وَتَصِحُّونَ فَلَا تَمْرَضُونَ أَبَدًا!
وَعِنْدَمَا تَدْخُلُ يَا
وَلِيَّ اللهِ مِنْ بَابِ الجَنَّةِ، يَتَلَقَّاكَ غِلْمَانُكَ، فَيَقُولُونَ:
مَرْحَبًا بِسَيِّدِنَا! قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَزُورَنَا! فَتُمَدُّ لَكَ الزَّرَابِيُّ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ تَنْظُرُ عَنْ
يَمِينِكَ وَشِمَالِكَ، فَتَرَى الجِنَانَ، فَتَقُولُ: لِمَنْ مَا هَاهُنَا؟
فَيُقَالُ: لَكَ! حَتَّى إِذَا انْتَهَيْتَ رُفِعَتْ لَكَ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ،
أَوْ زَبَرْجَدَةٌ خَضْرَاءُ، لَهَا سَبْعُونَ شِعْبًا، فِي كُلِّ شِعْبٍ
سَبْعُونَ غُرْفَةً، فِي كُلِّ غُرْفَةٍ سَبْعُونَ بَابًا، فَيُقَالُ لَكَ: اقْرَأْ وَارْقَ! فَتَقْرَأُ وَتَرْقَى، حَتَّى إِذَا
انْتَهَيْتَ إِلَى سَرِيرِ مُلْكِكَ اتَّكَأْتَ عَلَيْهِ،
سَعَتُهُ مِيلٌ فِي مِيلٍ، وَلَكَ فِيهِ قُصُورٌ. فَيَسْعَى إِلَيْكَ غِلْمَانُكَ
بِسَبْعِينَ صَحْفَةً مِنْ ذَهَبٍ، لَيْسَ فِيهَا صَحْفَةٌ فِيهَا مِنْ لَوْنِ
أُخْتِهَا، تَجِدُ لَذَّةَ آخِرِهَا كَمَا تَجِدُ لَذَّةَ أَوَّلِهَا، ثُمَّ
يَسْعَوْنَ إِلَيْكَ بِأَلْوَانِ الأَشْرِبَةِ، فَتَشْرَبُ مِنْهَا مَا
اشْتَهَيْتَ. ثُمَّ يَقُولُ الغِلْمَانُ: اتْرُكُوهُ وَأَزْوَاجَهُ!
فَيَنْطَلِقُ الغِلْمَانُ.
ثُمَّ تَنْظُرُ، فَإِذَا
حَوْرَاءُ مِنَ الحُورِ العِينِ جَالِسَةٌ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهَا، عَلَيْهَا
سَبْعُونَ حُلَّةً، لَيْسَ مِنْهَا حُلَّةٌ مِنْ لَوْنِ صَاحِبَتِهَا، فَتَرَى
مُخَّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ وَالدَّمِ وَالعَظْمِ، وَالكِسْوَةُ فَوْقَ
ذَلِكَ! فَتَنْظُرُ إِلَيْهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، لَا تَصْرِفُ بَصَرَكَ عَنْهَا،
لِشِدَّةِ جَمَالِهَا، ثُمَّ تَرْفَعُ بَصَرَكَ إِلَى الغُرْفَةِ، فَإِذَا أُخْرَى
أَجْمَلُ مِنْهَا، فَتَقُولُ الحَوْرَاءُ: أَمَا آنَ لَكَ أَنْ يَكُونَ
لَنَا مِنْكَ نَصِيبٌ؟! فَتَرْقَى إِلَيْهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، لَا
تَصْرِفُ بَصَرَكَ عَنْهَا.
ثُمَّ إِذَا بَلَغَ
النَّعِيمُ مِنَّا كُلَّ مَبْلَغٍ، وَظَنَنَّا أَنْ لَا نَعِيمَ أَفْضَلَ مِنْهُ، تَجَلَّى لَنَا الرَّبُّ تَبَارَكَ اسْمُهُ، فَنَنْظُرُ إِلَى
وَجْهِهِ الكَرِيمِ، فَيَقُولُ جَلَّ فِي عُلَاهُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ،
هَلِّلُونِي! فَنَتَجَاوَبُ بِتَهْلِيلِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا دَاوُدُ،
قُمْ فَمَجِّدْنِي كَمَا كُنْتَ تُمَجِّدُنِي فِي الدُّنْيَا! فَيُمَجِّدُ دَاوُدُ
رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، بِصَوْتٍ لَمْ تَسْمَعِ الخَلَائِقُ مِثْلَهُ.
صِفَةُ الحُورِ العِينِ
وَإِنَّكَ – يَا وَلِيَّ
اللهِ – لَتَتَّكِئُ فِي الجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً، قَبْلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ،
ثُمَّ تَأْتِيكَ امْرَأَتُكَ، فَتَضْرِبُ عَلَى مَنْكِبَيْكَ، فَتَرَى وَجْهَكَ
فِي خَدِّهَا أَصْفَى مِنَ المِرْآةِ، وَتَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقِهَا
مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً، حَتَّى تَرَى مُخَّهَا، كَأَنَّهُنَّ
اليَاقُوتُ وَالمَرْجَانُ، وَإِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْهَا لَتُضِيءُ
مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ! فَتُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَتَرُدُّ السَّلَامَ،
وَتَسْأَلُهَا: مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ لَكَ: أَنَا مِنَ المَزِيدِ،
عَلَيْهَا سَبْعُونَ ثَوْبًا، أَدْنَاهَا مِثْلُ النُّعْمَانِ مِنْ طُوبَى،
فَيُنْفِذُهَا بَصَرُكَ حَتَّى تَرَى مُخَّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، وَإِنَّ
عَلَيْهَا مِنَ التِّيجَانِ، وَإِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْهَا لَتُضِيءُ مَا
بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ.
وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ، لَوِ اطَّلَعَتْ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا،
وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا بِرِيحِهَا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
فَإِنْ سَأَلْتَ عَنْ
أَزْوَاجِكَ وَحَبِيبَاتِكَ يَا عَبْدَ اللهِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُنَّ الكَوَاعِبُ الأَتْرَابُ، اللَّاتِي جَرَى فِي أَعْضَائِهِنَّ
مَاءُ الشَّبَابِ:
·
فَلِلْوَرْدِ
وَالتُّفَّاحِ مَا لَبِسَتْهُ الخُدُودُ.
·
وَلِلرُّمَّانِ
مَا تَضَمَّنَتْهُ النُّهُودُ.
·
وَلِلُّؤْلُؤِ
المَنْظُومِ مَا حَوَتْهُ الثُّغُورُ.
·
وَلِلرِّقَّةِ
وَاللَّطَافَةِ مَا دَارَتْ عَلَيْهِ الخُصُورُ.
تَجْرِي الشَّمْسُ مِنْ مَحَاسِنِ
وَجْهِهَا إِذَا بَرَزَتْ، وَيُضِيءُ البَرْقُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهَا إِذَا
ابْتَسَمَتْ.
إِذَا قَابَلَتْ حِبَّهَا
فَقُلْ مَا تَشَاءُ فِي تَقَابُلِ النُّورَيْنِ، وَإِذَا
حَادَثَتْهُ فَمَا ظَنُّكَ بِمُحَادَثَةِ الحَبِيبَيْنِ، وَإِنْ
ضَمَّهَا إِلَيْهِ فَمَا ظَنُّكَ بِتَعَانُقِ الغُصْنَيْنِ؟ يَرَى
وَجْهَهُ فِي صَحْنِ خَدِّهَا كَمَا يُرَى فِي المِرْآةِ الَّتِي جَلَاهَا
صَيْقَلُهَا، وَيَرَى مُخَّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَلَا يَسْتُرُهُ
جِلْدُهَا، وَلَا عَظْمُهَا، وَلَا حُلَلُهَا. لَوِ اطَّلَعَتْ عَلَى الدُّنْيَا
لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ رِيحًا، وَأَفْوَاهَ الخَلَائِقِ تَهْلِيلًا
وَتَكْبِيرًا وَتَسْبِيحًا، وَلَتَزَخْرَفَتْ لَهَا مَا بَيْنَ الخَافِقَيْنِ،
وَلَأَغْمَضَتْ عَنْ غَيْرِهَا كُلُّ عَيْنٍ، وَلَطَمَسَتْ ضَوْءَ الشَّمْسِ كَمَا
تَطْمِسُ الشَّمْسُ ضَوْءَ النُّجُومِ، وَلَآمَنَ مَنْ عَلَى ظَهْرِهَا بِاللهِ
الحَيِّ القَيُّومِ، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا
فِيهَا، وَوِصَالُهَا أَشْهَى إِلَيْكَ مِنْ جَمِيعِ أَمَانِيهَا.
وَلَا تَزْدَادُ عَلَى
طُولِ الأَحْقَابِ إِلَّا حُسْنًا وَجَمَالًا، وَلَا تَزْدَادُ
لَهَا طُولُ المَدَى إِلَّا مَحَبَّةً وَوِصَالًا. مُبَرَّأَةٌ مِنَ الحَبَلِ وَالوِلَادَةِ، وَالحَيْضِ وَالنِّفَاسِ،
مُطَهَّرَةٌ مِنَ المُخَاطِ وَالبُصَاقِ، وَالمَذْيِ وَالمَنِيِّ، وَالبَوْلِ
وَالغَائِطِ، وَسَائِرِ الأَدْنَاسِ. مُطَهَّرَةٌ مِنَ الأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ،
وَالصِّفَاتِ المَذْمُومَةِ، وَالفُحْشِ وَالبَذَاءِ، وَمِنَ النَّظَرِ إِلَى
غَيْرِ زَوْجِهَا. لَا يَفْنَى شَبَابُهَا، وَلَا تَبْلَى
ثِيَابُهَا، وَلَا يَخْلَقُ ثَوْبُ جَمَالِهَا، وَلَا
يُمَلُّ طِيبُ وِصَالِهَا، قَدْ قُصِرَتْ عَلَى زَوْجِهَا، فَلَا
تَطْمَحُ لِأَحَدٍ سِوَاهُ. وَقُصِرَ طَرْفُكَ عَلَيْهَا، فَهِيَ غَايَةُ
أُمْنِيَّتِكَ وَهَوَاكَ: إِنْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإِنْ أَمَرْتَهَا
بِطَاعَتِكَ أَطَاعَتْكَ، وَإِنْ غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ، فَأَنْتَ مِنْهَا فِي
غَايَةِ الأَمَانِي. لَمْ يَطْمِثْهَا قَبْلَكَ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ،
كُلَّمَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا مَلَأَتْ قَلْبَكَ سُرُورًا، وَكُلَّمَا حَدَّثَتْكَ
مَلَأَتْ أُذُنَكَ لُؤْلُؤًا مَنْظُومًا، وَإِذَا بَرَزَتْ مَلَأَتِ القَصْرَ
وَالغُرْفَةَ نُورًا.
وَإِنْ سَأَلْتَ عَنِ
السِّنِّ فَـأَتْرَابٌ فِي أَعْدَلِ مِنَ الشَّبَابِ، وَإِنْ سَأَلْتَ
عَنِ الحُسْنِ فَهَلْ رَأَيْتَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ؟ وَإِنْ سَأَلْتَ عَنِ
الحَدَقِ فَأَحْسَنُ سَوَادٍ فِي أَصْفَى بَيَاضٍ فِي أَحْسَنِ جَوْرٍ،
وَإِنْ سَأَلْتَ عَنِ القُدُودِ فَهَلْ رَأَيْتَ أَحْسَنَ الأَغْصَانِ؟ وَإِنْ
سَأَلْتَ عَنِ النُّهُودِ فَمِنَ الكَوَاعِبِ، وَنُهُودُهُنَّ
كَأَلْطَفِ الرُّمَّانِ، وَإِنْ سَأَلْتَ عَنِ اللَّوْنِ فَكَأَنَّهُ
اليَاقُوتُ وَالمَرْجَانُ، وَإِنْ سَأَلْتَ عَنْ حُسْنِ الخُلُقِ فَهُنَّ الخَيْرَاتُ الحِسَانُ، اللَّاتِي جَمَعْنَ بَيْنَ الحُسْنِ
وَالإِحْسَانِ، فَأُعْطِينَ جَمَالَ البَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، فَهُنَّ أَفْرَاحُ
النُّفُوسِ وَقُرَّةُ النَّوَاظِرِ، وَإِنْ سَأَلْتَ عَنْ حُسْنِ العِشْرَةِ
وَلَذَّةِ مَا هُنَالِكَ، فَهُنَّ العُرُبُ المُحَبَّبَاتُ إِلَى
الأَزْوَاجِ، بِلَطَافَةِ التَّبَعُّلِ الَّتِي تَمْتَزِجُ بِالرُّوحِ أَيَّ
امْتِزَاجٍ.
فَمَا ظَنُّكَ
بِامْرَأَةٍ إِذَا ضَحِكَتْ فِي وَجْهِكَ أَضَاءَتِ الجَنَّةُ مِنْ
ضَحْكِهَا، وَإِذَا انْتَقَلَتْ مِنْ قَصْرٍ إِلَى قَصْرٍ قُلْتَ: هَذِهِ
الشَّمْسُ مُتَنَقِّلَةٌ فِي بُرُوجِ فَلَكِهَا، وَإِذَا حَاضَرَتْكَ فَيَا حُسْنَ تِلْكَ المُحَاضَرَةِ! وَإِنْ خَاصَرَتْكَ فَيَا لَذَّةَ المُعَانَقَةِ وَالمُخَاصَرَةِ! وَإِنْ غَنَّتْ
لَكَ فَيَا لَذَّةَ الأَبْصَارِ وَالأَسْمَاعِ! وَإِنْ آنَسَتْكَ
وَأَمْتَعَتْكَ فَيَا حَبَّذَا تِلْكَ المُؤَانَسَةُ وَالإِمْتَاعُ! وَإِنْ
قَبَّلَتْكَ فَلَا شَيْءَ أَشْهَى إِلَيْكَ مِنَ التَّقْبِيلِ، وَإِنْ نِلْتَهَا فَلَا أَلَذَّ وَلَا أَطْيَبَ مِنْ ذَلِكَ التَّنْوِيلِ!
أَمَّا يَوْمُ المَزِيدِ، وَزِيَارَةُ العَزِيزِ الحَمِيدِ،
وَرُؤْيَةُ وَجْهِهِ المُنَزَّهِ عَنِ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ، فَإِنَّهُ
اليَوْمُ الأَعْظَمُ وَالأَجْمَلُ، فَفِيهِ تَرَى الرَّبَّ الرَّحِيمَ،
كَمَا تَرَى الشَّمْسَ فِي الظَّهِيرَةِ، وَالقَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ. فَالجَنَّةُ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ، فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ،
وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
وَاسْمَعْ – يَا عَبْدَ اللهِ –
وَصْفَ الحُورِ العِينِ، الَّتِي قَصَّ اللهُ عَلَيْكَ ذِكْرَهَا، وَبَيَّنَ لَكَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصْفَهَا، وَلْنَأْخُذْ فِي
وَصْفِهَا عُضْوًا عُضْوًا، مَا اسْتَطَعْنَا إِلَى هَذَا سَبِيلًا، وَمَا
وَجَدْنَا نَصًّا وَدَلِيلًا، وَلْنَبْدَأْ بِأَعْلَاهَا حَتَّى نَنْتَهِيَ إِلَى
أَسْفَلِهَا.
أَمَّا طُولُهَا فَيَتَنَاسَبُ مَعَ طُولِ حَبِيبِهَا، وَأَمَّا عَرْضُهَا فَيَتَلَاءَمُ مَعَ عَرْضِ زَوْجِهَا. وَأَمَّا الحُلَلُ الَّتِي عَلَيْهَا فَهِيَ مِنْ سُنْدُسٍ
وَإِسْتَبْرَقٍ وَحَرِيرٍ، بِأَلْوَانٍ خَضْرَاءَ وَحَمْرَاءَ وَغَيْرِ ذَلِكَ،
مَعَ الشَّفَافِيَّةِ وَالصَّفَاءِ، مُكَلَّلَةٌ بِاليَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ
وَاللُّؤْلُؤِ. أَمَّا التِّيجَانُ عَلَى رَأْسِهَا فَخَيْرٌ
مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، عَلَيْهِ أَلْوَانٌ وَأَنْوَاعٌ لَا تُحْصَى مِنَ
الجَوَاهِرِ. وَخِمَارُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا
فِيهَا. وَشَعْرُهَا طَوِيلٌ نَاعِمٌ، صُفَّ بِطَرِيقَةٍ فَاتِنَةٍ
سَاحِرَةٍ، يَنْفَجِرُ مِنْهُ الرِّيحُ، وَيَنْبَثِقُ مِنْهُ النُّورُ
وَالجَمَالُ، لَوْ أَنَّ طَاقَةً مِنْ شَعْرِهَا بَدَتْ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَ
المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا.
وَأَمَّا وَجْهُهَا فَيَعْجِزُ اللِّسَانُ عَنْ وَصْفِهِ، وَيَعْجِزُ
الكَلَامُ عَنْ بَيَانِهِ، وَيَعْجِزُ العَقْلُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، فَلَوْ
أَخْرَجَتِ الحُورُ وَجْهَهَا لَأَضَاءَ حُسْنُهَا مَا بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَنُورُ وُجُوهِهِنَّ مِنْ نُورِ اللهِ عَزَّ
وَجَلَّ. وَلَوْ أَنَّ يَدًا مِنَ الحُورِ، بَيَاضَهَا وَخَوَاتِيمَهَا، دُلِّيَتْ
مِنَ السَّمَاءِ، لَأَضَاءَتْ لَهَا الأَرْضُ كَمَا تُضِيءُ الشَّمْسُ لِأَهْلِ
الدُّنْيَا، هَذِهِ يَدُهَا، فَكَيْفَ بِالوَجْهِ بَيَاضِهِ وَحُسْنِهِ
وَجَمَالِهِ، وَتَاجِهِ وَيَاقُوتِهِ، وَلُؤْلُؤِهِ وَزَبَرْجَدِهِ؟
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الجَبْهَةُ اتِّسَاعًا وَجَمَالًا وَنُورًا، ثُمَّ مَا
أَدْرَاكَ مَا العَيْنُ؟ إِنَّهَا الحَوْرَاءُ العَيْنَاءُ،
شَدِيدَةُ بَيَاضِ بَيَاضِ العَيْنِ، شَدِيدَةُ سَوَادِ سَوَادِ العَيْنِ، يَحَارُ
الطَّرْفُ فِي حُسْنِ عَيْنِهَا، عَظِيمَةُ العَيْنِ مَعَ اتِّسَاعٍ، وَمَعَ كُلِّ
هَذَا فَهِيَ قَاصِرَةُ الطَّرْفِ عَلَى زَوْجِهَا. أَمَّا الحَاجِبُ فَرَقِيقٌ وَاسِعٌ أَسْوَدُ، وَالأَنْفُ ضَيِّقٌ، وَالفَمُ أَيْضًا،
فَمُجْمَعُ الجَمَالِ وَالحُسْنِ، جَمَالُ الشَّفَةِ، وَجَمَالُ الأَسْنَانِ،
وَجَمَالُ الصَّوْتِ وَالنَّغَمَاتِ. يَسْطَعُ نُورٌ فِي الجَنَّةِ، لَمْ يَبْقَ
مَوْضِعٌ مِنَ الجَنَّةِ إِلَّا دَخَلَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ، فَإِذَا رَفَعُوا
رُؤُوسَهُمْ وَجَدُوهُ مِنْ ثَغْرِ حَوْرَاءَ، ضَحِكَتْ فِي
وَجْهِ زَوْجِهَا.
وَأَمَّا رِيقُهَا فَعَذْبٌ، أَحْلَى مِنَ العَسَلِ،
وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ المِسْكِ، لَوْ أَنَّ حَوْرَاءَ بَزَقَتْ فِي بَحْرٍ
لَعَذُبَ ذَلِكَ البَحْرُ مِنْ عُذُوبَةِ رِيقِهَا، بَلْ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً
مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ بَصَقَتْ فِي سَبْعَةِ أَبْحُرٍ، لَكَانَتْ تِلْكَ
الأَبْحُرُ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ. وَأَمَّا كَلَامُهَا فَهُوَ
السِّحْرُ الحَلَالُ، وَهِيَ قَصِيرَةُ اللِّسَانِ عَنْ كَثْرَةِ الكَلَامِ.
وَأَمَّا صَوْتُهَا وَغِنَاؤُهَا، فَلَوْ أَنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى
أَوْلِيَائِهِ المَوْتَ لَمَاتُوا جَمِيعًا مِنْ جَمَالِ صَوْتِهَا، فَيَا لَرَوْعَةِ نَغَمَاتِهَا، وَيَا لِجَمَالِهِ! وَأَمَّا رَائِحَةُ فَمِهَا، فَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ
أَهْلِ الجَنَّةِ أَشْرَقَتْ لَمَلَأَتِ الأَرْضَ رِيحَ مِسْكٍ، وَلَأَذْهَبَتْ
ضَوْءَ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ.
وَأَمَّا عُنُقُهَا، فَكَأَنَّهُ اليَاقُوتُ وَالمَرْجَانُ، تَرَى
وَجْهَكَ فِي جِيدِهَا، أَصْفَى مِنَ المِرْآةِ، وَإِنَّ لُؤْلُؤَةً عَلَيْهَا
لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ عَلَيْهَا
سَبْعُونَ ثَوْبًا، يَنْفُذُهَا بَصَرُكَ حَتَّى تَرَى مُخَّ سَاقِهَا مِنْ
وَرَاءِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الثَّدْيُ، فَـكَوَاعِبُ أَتْرَابًا،
فَثَدْيُ الحَوْرَاءِ لَا يَتَدَلَّى، وَإِنَّمَا هُوَ كَالتُّفَّاحِ، مُكَعَّبٌ
بِدُونِ زَوَايَا، نَوَاهِدُ مُسْتَدِيرَةٌ، كَالرُّمَّانِ. وَأَمَّا الكَبِدُ فَمِرْآةٌ صَافِيَةٌ، كَبِدُكَ لَهَا مِرْآةٌ،
وَكَبِدُهَا لَكَ مِرْآةٌ.
وَأَمَّا صَدْرُهَا وَوَسَطُهَا وَسُرَّتُهَا، أَعْلَاهَا
وَأَسْفَلُهَا، وَفَخِذَاهَا، وَكَتِفَاهَا، وَعَضُدُهَا، وَمِرْفَقَاهَا، وَسَاعِدَاهَا، وَرُكْبَتَاهَا، وَقَدَمُهَا، فَشَيْءٌ يَعْلُو عَلَى الخَيَالِ، وَلِذَا لَمْ
يَرِدْ فِيهِ وَصْفٌ عَنِ الكَبِيرِ المُتَعَالِ، وَلَا النَّبِيِّ سَيِّدِ
الرِّجَالِ. وَأَمَّا أَصَابِعُهَا، فَأَحَدُهَا أَجْمَلُ
وَأَشَدُّ ضَوْءًا مِنَ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ، لَوْ أَنَّ بَعْضَ بَنَانِهَا بَدَا
لَغَلَبَ ضَوْؤُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ. وَأَمَّا أَسْفَلُهَا فَهِيَ عَظِيمَةُ جِسْمِ المَقْعَدَةِ، مَعَ
رِقَّةٍ وَصَفَاءٍ، وَلِينٍ وَلُطْفٍ، وَإِنَّ الوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ لَتَأْخُذُ
مَقْعَدَتُهَا قَدْرَ مِيلٍ.
وَإِنَّكَ يَا أَخِي
لَتُمْسِكُ التُّفَّاحَةَ مِنْ تُفَّاحِ الجَنَّةِ، فَتَنْفَلِقُ فِي يَدِكَ، فَتَخْرُجُ مِنْهَا حَوْرَاءُ، لَوْ نَظَرَتْ لِلشَّمْسِ
لَأَخْجَلَتِ الشَّمْسَ مِنْ حُسْنِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنَ
التُّفَّاحَةِ، كَالسِّرَاجِ الَّذِي يُوقَدُ مِنْهُ سِرَاجٌ آخَرُ فَلَا يَنْقُصُ،
وَاللهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ.
فَالحُورُ العِينُ خُلِقَتْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَسْفَلُهُنَّ مِنَ
المِسْكِ، وَأَوْسَطُهُنَّ مِنَ العَنْبَرِ، وَأَعْلَاهُنَّ مِنَ الكَافُورِ،
وَشُعُورُهُنَّ وَحَوَاجِبُهُنَّ سَوَادُ خَطٍّ مِنْ نُورٍ. يَخْلُقُهُنَّ اللهُ
مِنْ قُضْبَانِ العَنْبَرِ وَالزَّعْفَرَانِ، مَضْرُوبَاتٌ
عَلَيْهِنَّ الخِيَامُ. أَوَّلُ مَا يَخْلُقُ اللهُ مِنْهُنَّ نَهْدًا مِنْ مِسْكٍ أَذْفَرَ أَبْيَضَ، عَلَيْهِ يَلْتَامُ البَدَنُ.
وَمِنْهُنَّ مَنْ خَلَقَ اللهُ مِنْ أَصَابِعِ رِجْلَيْهَا إِلَى رُكْبَتَيْهَا
مِنَ الزَّعْفَرَانِ، وَمِنْ رُكْبَتَيْهَا إِلَى ثَدْيَيْهَا مِنَ المِسْكِ
الأَذْفَرِ، وَمِنْ ثَدْيَيْهَا إِلَى عُنُقِهَا مِنَ العَنْبَرِ الأَشْهَبِ،
وَمِنْ عُنُقِهَا إِلَى رَأْسِهَا مِنَ الكَافُورِ الأَبْيَضِ، عَلَيْهَا
سَبْعُونَ أَلْفَ حُلَّةٍ، مِثْلُ شَقَائِقِ النُّعْمَانِ. إِذَا أَقْبَلَتْ
يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهَا نُورًا سَاطِعًا كَمَا
تَتَلَأْلَأُ الشَّمْسُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا، وَإِذَا أَدْبَرَتْ يُرَى كَبِدُهَا
مِنْ رِقَّةِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا، فِي رَأْسِهَا سَبْعُونَ أَلْفَ ذُؤَابَةٍ
مِنَ المِسْكِ الأَذْفَرِ، لِكُلِّ ذُؤَا1بَةٍ مِنْهَا وَصِيفَةٌ تَرْفَعُ ذَيْلَهَا.
مَكْتُوبٌ فِي نَحْرِهَا:
أَنْتَ حَبِّي وَأَنَا حُبُّكَ، لَسْتُ أَبْغِي بِكَ بَدَلًا، وَلَا
عَنْكَ مَعْدَلًا، كَبِدُهَا مِرْآتُكَ، وَكَبِدُكَ مِرْآتُهَا، تَرَى
مُخَّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ لَحْمِهَا وَحُلِيِّهَا، كَمَا تَرَى الشَّرَابَ
الأَحْمَرَ فِي الزُّجَاجَةِ البَيْضَاءِ، وَكَمَا تَرَى السَّلْكَ الأَبْيَضَ فِي
جَوْفِ اليَاقُوتَةِ الصَّافِيَةِ.
وَإِنَّ نِسَاءً مِنَ
الحُورِ العِينِ فِي خَيْمَةٍ مِنْ دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ، حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الخِيَامِ، عَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ
مِنْهُنَّ سَبْعُونَ حُلَّةً، لَيْسَ مِنْهَا حُلَّةٌ عَلَى لَوْنِ الأُخْرَى،
وَتُعْطَى سَبْعِينَ لَوْنًا مِنَ الطِّيبِ، لَيْسَ مِنْهُنَّ لَوْنٌ عَلَى رِيحِ
الآخَرِ، لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ سَبْعُونَ سَرِيرًا مِنْ يَاقُوتَةٍ
حَمْرَاءَ، مُوَشَّحَةٍ بِالدُّرِّ وَاليَاقُوتِ، عَلَى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ
فِرَاشًا، عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ أَرِيكَةٌ، وَلِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ
سَبْعُونَ أَلْفَ وَصِيفَةٍ لِحَاجَتِهَا، وَسَبْعُونَ أَلْفَ وَصِيفٍ، مَعَ كُلِّ
وَصِيفٍ صَحْفَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، فِيهَا لَوْنٌ مِنْ طَعَامٍ، تَجِدُ لِآخِرِ
لُقْمَةٍ لَذَّةَ مَا لَا تَجِدُ لِأَوَّلِهِ، وَتُعْطَى يَا زَوْجَهَا مِثْلَ
ذَلِكَ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ، عَلَيْكَ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ،
مُوَشَّحٌ بِيَاقُوتٍ أَحْمَرَ، هَذَا بِكُلِّ يَوْمٍ صُمْتَهُ مِنْ شَهْرِ
رَمَضَانَ، سِوَى مَا عَمِلْتَ مِنَ الحَسَنَاتِ.
غِنَاءُ الحُورِ العِينِ
فَتَأَمَّلْ – يَا
وَلِيَّ اللهِ – مَا أَنْتَ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ العَمِيمِ، مِنْ
سَمَاعِ صَوْتِهَا الَّذِي لَا مَثِيلَ لَهُ فِي الوُجُودِ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ
فِي الخُلُودِ، فَمَا أَرْوَعَ صَوْتَهَا، وَمَا أَجْمَلَ طَرَبَهَا!
فَأَنْتَ تَسْتَمِعُ لِغِنَاءِ الحُورِ العِينِ عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ، فَهُنَّ
يَتَلَقَّيْنَ أَزْوَاجَهُنَّ عِنْدَ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَيَقُلْنَ: طَالَمَا انْتَظَرْنَاكُمْ! فَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا
نَسْخَطُ، وَنَحْنُ المُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ، وَنَحْنُ الخَالِدَاتُ فَلَا
نَمُوتُ، بِأَحْسَنِ أَصْوَاتٍ سُمِعَتْ، وَتَقُولُ: أَنْتَ حَبِّي وَأَنَا حُبُّكَ،
لَيْسَ دُونَكَ تَقْصِيرٌ، وَلَا وَرَاءَكَ مَعْدَلٌ.
فَإِذَا مَا دَخَلْتَ
قَصْرَكَ، اسْتَمَعْتَ إِلَى غِنَاءِ الحُورِ العِينِ، فَفِي الجَنَّةِ مُجْتَمَعٌ
لِلْحُورِ العِينِ، يَرْفَعْنَ بِأَصْوَاتٍ لَمْ تَسْمَعِ الخَلَائِقُ
بِمِثْلِهَا، وَيَقُلْنَ: نَحْنُ الخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ، وَنَحْنُ
النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى
لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ. وَتَسْتَمْتِعُ بِلَذَّةِ السَّمَاعِ
عِنْدَ الأَنْهَارِ وَأَنْتَ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ، فَفِي الجَنَّةِ نَهْرٌ طُولُهُ
طُولُ الجَنَّةِ، حَافَتَاهُ العَذَارَى، قِيَامٌ مُتَقَابِلَاتٌ، يُغَنِّينَ
بِأَصْوَاتٍ حَتَّى يَسْمَعَهَا الخَلَائِقُ، مَا نَرَى لَذَّةً مِثْلَهَا،
وَإِنَّهُ – إِنْ شَاءَ اللهُ – التَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّقْدِيسُ،
وَالثَّنَاءُ عَلَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ.
وَلِزَوْجَاتِكَ – يَا
عَبْدَ اللهِ – لِقَاءٌ أُسْبُوعِيٌّ لِلطَّرَبِ وَالسَّمَاعِ، فَأَنْتَ
تَتَزَوَّجُ فِي الجَنَّةِ أَرْبَعَةَ آلَافِ بِكْرٍ، وَثَمَانِيَةَ آلَافِ
أَيِّمٍ، وَمِائَةَ حَوْرَاءَ، فَيَجْتَمِعْنَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ،
فَيَقُلْنَ بِأَصْوَاتٍ حِسَانٍ لَمْ تَسْمَعِ الخَلَائِقُ بِمِثْلِهِنَّ: نَحْنُ الخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا
نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، وَنَحْنُ المُقِيمَاتُ فَلَا
نَظْعَنُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ.
وَلَنَا فِي الجَنَّةِ
لِقَاءَاتٌ عِنْدَ بَعْضِ الأَشْجَارِ، تَحْتَهَا الجَوَارِي الحِسَانُ،
يُغَنِّينَ بِأَصْوَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَلْحَانٍ مُتَنَوِّعَةٍ. مِنْهَا أَنَّ
فِي الجَنَّةِ شَجَرٌ حَمْلُهُ اللُّؤْلُؤُ وَالزَّبَرْجَدُ، وَتَحْتَهُ جَوَارٍ
نَاهِدَاتٌ، يَتَغَنَّيْنَ بِأَلْوَانٍ، يَقُلْنَ: نَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا
نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ
الشَّجَرُ صَفَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَأَجَبْنَ الجَوَارِيَ، فَلَا نَدْرِي
أَأَصْوَاتُ الجَوَارِي أَحْسَنُ أَمْ أَصْوَاتُ الشَّجَرِ؟ يَا اللهُ!! وَيَمْتَدُّ أَثَرُ صَوْتِ الحَوْرَاءِ الجَمِيلِ
إِلَى أَشْجَارِ الجَنَّةِ، حَتَّى إِنَّ الأَشْجَارَ لَتُزْهِرُ
وَتُورِدُ مِنْ تَسْبِيحِ الحَوْرَاءِ، بَلْ إِذَا سَبَّحَتِ المَرْأَةُ
مِنَ الحُورِ العِينِ لَمْ يَبْقَ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا وَرَدَّتْ.
أَمَّا يَوْمُ القِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ
الَّذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَسْمَاعَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَنْ مَجَالِسِ
اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ؟ أَسْكِنُوهُمْ رِيَاضَ المِسْكِ،
أَسْمِعُوهُمْ تَمْجِيدِي وَتَحْمِيدِي. وَيَأْمُرُ بِمِنْبَرٍ رَفِيعٍ، فَيُوضَعُ
فِي الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا دَاوُدُ مَجِّدْنِي بِذَلِكَ الصَّوْتِ
الرَّخِيمِ الحَسَنِ الَّذِي كُنْتَ تُمَجِّدُنِي بِهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا،
فَيَسْتَفْرِغُ صَوْتُ دَاوُدَ نَعِيمَ أَهْلِ الجِنَانِ. وَيَقُولُ اللهُ عَزَّ
وَجَلَّ لِلْمَلَائِكَةِ: أَنَّ عِبَادِي كَانُوا يُحِبُّونَ الصَّوْتَ الحَسَنَ
فِي الدُّنْيَا، فَيَدَعُونَهُ مِنْ أَجْلِي، فَأَسْمِعُوا عِبَادِي، فَيَأْخُذُوا
بِأَصْوَاتٍ مِنْ تَهْلِيلٍ وَتَسْبِيحٍ وَتَكْبِيرٍ، لَمْ يَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ
قَطُّ.
وَفِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ، ثَمَرُهَا
زَبَرْجَدٌ وَيَاقُوتٌ وَلُؤْلُؤٌ، فَيَبْعَثُ اللهُ رِيحًا فَتُصَفِّقُ،
فَتُسْمَعُ لَهَا أَصْوَاتٌ لَمْ يُسْمَعْ أَلَذُّ مِنْهَا. وَفِيهَا آكَامٌ مِنْ
قَصَبٍ مِنْ ذَهَبٍ، حَمْلُهَا اللُّؤْلُؤُ، فَإِذَا اشْتَهَى أَهْلُ الجَنَّةِ
أَنْ يَسْمَعُوا صَوْتًا حَسَنًا بَعَثَ اللهُ عَلَى تِلْكَ الآكَامِ رِيحًا،
فَتَأْتِيهِمْ بِكُلِّ صَوْتٍ يَشْتَهُونَهُ.
وَلَنَا سَمَاعٌ أَعْلَى
مِنْ هَذَا، يَضْمَحِلُّ دُونَهُ كُلُّ سَمَاعٍ، وَذَلِكَ حِينَ نَسْمَعُ كَلَامَ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ، وَخِطَابَهُ وَسَلَامَهُ
عَلَيْنَا، وَمُحَاضَرَتَهُ لَنَا، يَقْرَأُ عَلَيْنَا كَلَامَهُ، فَإِذَا
سَمِعْنَاهُ مِنْهُ فَكَأَنَّنَا لَمْ نَسْمَعْهُ مِنْ قَبْلُ،
تَلَذُّ بِهِ آذَانُنَا، وَتَقَرُّ بِهِ أَعْيُنُنَا، إِذْ لَيْسَ فِي الجَنَّةِ
لَذَّةٌ أَعْظَمُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ الرَّبِّ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى، وَسَمَاعِ كَلَامِهِ مِنْهُ، وَلَا نُعْطَى فِي الجَنَّةِ
شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ، حَيْثُ نَدْخُلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ
عَلَى الجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ، فَيَقْرَأُ عَلَيْنَا القُرْآنَ، وَقَدْ جَلَسَ
كُلُّ امْرِئٍ مِنَّا مَجْلِسَهُ الَّذِي هُوَ لَهُ، عَلَى مَنَابِرِ الدُّرِّ،
وَاليَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ، وَالذَّهَبِ وَالزُّمُرُّدِ، فَلَمْ تَقَرَّ أَعْيُنُنَا
بِشَيْءٍ أَجْمَلَ مِنْهُ، وَلَمْ نَسْمَعْ شَيْئًا قَطُّ أَعْظَمَ وَلَا أَحْسَنَ
مِنْهُ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ إِلَى رِحَالِنَا نَاعِمِينَ، قَرِيرَةً أَعْيُنُنَا
إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الغَدِ.
دَلَالُ الحُورِ العِينِ
وَبَيْنَمَا أَنْتَ يَا
وَلِيَّ اللهِ فِي الجَنَّةِ مَعَ زَوْجَتِكَ مِنَ الحُورِ العِينِ، عَلَى سُرُرٍ
مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ، وَعَلَيْكَ قُبَّةٌ مِنْ نُورٍ، فَتَقُولُ لَهَا: قَدِ
اشْتَقْتُ إِلَى مِشْيَتِكِ! فَتَنْزِلُ مِنْ سَرِيرِ اليَاقُوتِ الأَحْمَرِ إِلَى
رَوْضَةِ مَرْجَانٍ أَخْضَرَ، فَيُنْشِئُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهَا فِي تِلْكَ
الرَّوْضَةِ طَرِيقَيْنِ مِنْ نُورٍ، أَحَدُهُمَا نَبْتُ الزَّعْفَرَانِ،
وَالآخَرُ نَبْتُ الكَافُورِ، فَتَمْشِي فِي نَبْتِ الزَّعْفَرَانِ، وَتَرْجِعُ
فِي نَبْتِ الكَافُورِ، وَتَمْشِي بِسَبْعِينَ أَلْفَ لَوْنٍ مِنَ الغُنْجِ. وَتَضْحَكُ فِي وَجْهِكَ، فَيَسْطَعُ نُورٌ مِنْ
بَيْنِ ثَنَايَاهَا يَمْلَأُ الجَنَّةَ.
جِمَاعُ الحُورِ العِينِ
وَتَلْقَى امْرَأَةً
أَجْمَلَ مِنَ القَمَرِ، جَمَعَتْ لَكَ كُلَّ دَوَاعِي الجِمَاعِ، وَمَعَ هَذَا
تُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الجِمَاعِ. وَكَمَا أَنَّ
الحَوْرَاءَ طَاهِرَةٌ مُطَهَّرَةٌ، فَأَنْتَ أَيْضًا طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ، لَا
تَلْحَقُكَ الأَمْرَاضُ، وَلَا تَنْزِلُ عَلَيْكَ المَصَائِبُ، وَلَا يَلْحَقُكَ
ضَعْفٌ وَلَا انْحِلَالُ قُوَّةٍ، وَلَوْ جَامَعْتَهَا مِلْيَارَ مَرَّةٍ. إِنَّهُ
وَطْءُ التَّلَذُّذِ، وَمُتْعَةٌ وَنَعِيمٌ، لَا آفَةَ فِيهِ
بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، شَهْوَتُكَ دَفْعًا دَفْعًا، لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا،
وَلَا مَنِيَّ وَلَا مَنِيَّةَ، وَلَا جَنَابَةَ وَلَا مَلَلَ، وَهَذِهِ
المُتْعَةُ شُغْلُكَ الشَّاغِلُ، وَهَذِهِ الشَّهْوَةُ عَمَلُكَ الدَّائِمُ، مَعَ
غَيْرِهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، (إِنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ
اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ، هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى
الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ). فَشُغْلُهُمُ الشَّاغِلُ افْتِضَاضُ الأَبْكَارِ.
وَكَيْفَ لَا تُشْغَلُ
عَنِ الغُمُومِ وَالهُمُومِ، وَالكُرُوبِ وَالمَصَائِبِ، وَعَذَابِ أَهْلِ
النَّارِ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنْ عِقَابٍ أَلِيمٍ؟ وَقَدْ أُعْطِيتَ كُلَّ
وَسَائِلِ التَّرَفِ وَالتَّمَتُّعِ، وَمُنِعَ عَنْكَ أَبَدِيًّا كُلُّ آفَةٍ
وَنَقْصٍ وَشَقَاءٍ، وَمَلَلٍ وَتَعَبٍ؟ وَكَيْفَ لَا تُشْغَلُ بِوَطْءِ الحُورِ
العِينِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ فِيكَ كُلُّ مَا يَدْعُو إِلَى هَذِهِ المُتْعَةِ: مِنْ
رَاحَةِ الصَّدْرِ، وَسَلَامَةِ القَلْبِ، وَهُدُوءِ البَالِ، وَقُوَّةِ البَدَنِ،
وَطُولِ الجَسَدِ، مَعَ قُوَّةِ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الجِمَاعِ،
وَشَهْوَتُكَ تَجْرِي فِي جَسَدِكَ سَبْعِينَ عَامًا! فَتَطَأُهَا دَحْمًا دَحْمًا، وَإِذَا قُمْتَ عَنْهَا رَجَعَتْ
مُطَهَّرَةً بِكْرًا.
وَكَيْفَ لَا تُشْغَلُ
بِلَذَّةِ جِمَاعِ الحَوْرَاءِ وَهِيَ مَنْ هِيَ فِي جَمَالِهَا؟ وَهِيَ مَنْ هِيَ
فِي حُسْنِهَا؟ لَوْ أَخْرَجَتْ كَفَّهَا عَلَى الدُّنْيَا لَافْتُتِنَ الخَلَائِقُ بِحُسْنِهَا، وَلَوْ ظَهَرَتْ
أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ مِنَ اللُّؤْلُؤِ الَّذِي عَلَيْهَا لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَ
المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، وَلَوِ اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ لَمَلَأَتْهَا رِيحًا، وَتَرَى بَيَاضَ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ
سَبْعِينَ حُلَّةً، إِنَّهَا الحَوْرَاءُ العَيْنَاءُ، البَيْضَاءُ الحَسْنَاءُ.
وَكَيْفَ لَا تُشْغَلُ
الحَوْرَاءُ بِكَ وَأَنْتَ عَلَى جَمَالِ يُوسُفَ، أَمْرَدُ أَكْحَلُ، لَا يَفْنَى شَبَابُكَ، وَلَا تَبْلَى
ثِيَابُكَ، عَلَى قَلْبِ أَيُّوبَ، وَعَلَى طُولِ آدَمَ، سِتُّونَ
ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ، ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ عَامًا. تَعُودُ إِلَيْكَ
الحُورُ مُطَهَّرَةً مِنَ الجَنَابَةِ، مُطَهَّرَةً مِنَ
النَّجَاسَةِ، مُطَهَّرَةً مِنَ الحَدَثِ الأَصْغَرِ وَالأَكْبَرِ، مُطَهَّرَةً
مِنَ البَوْلِ وَالغَائِطِ، مُطَهَّرَةً مِنَ الحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، مُطَهَّرَةً
مِنَ المَنِيِّ وَالمَذْيِ وَالوَدْيِ، مُطَهَّرَةً مِنَ التَّفْلِ وَالبُصَاقِ
وَالنُّخَامَةِ، مُطَهَّرَةً مِنَ النَّظَرِ إِلَى غَيْرِكَ، مُطَهَّرَةً مِنَ الفُحْشِ
وَالتَّفَحُّشِ، وَالبَذَاءِ وَاللَّعْنِ وَالسَّبِّ، مُطَهَّرَةً مِنَ
الأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ، وَالصِّفَاتِ المَذْمُومَةِ، وَمُطَهَّرَةً مِنْ كُلِّ
أَذًى وَقَذَرٍ.
وَأَكْمَلُ النَّاسِ فِي
هَذِهِ اللَّذَّةِ أَصْوَنُهُمْ لِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا،
عَنِ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ، وَالمُعَانَقَةِ وَالتَّقْبِيلِ، وَالمَسِّ
وَالمُصَافَحَةِ، وَالنَّظَرِ إِلَى الحَرَامِ. فَكَمَا أَنَّ مَنْ شَرِبَ
الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ
فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ أَكَلَ فِي صِحَافِ
الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَأْكُلْ فِيهَا فِي الآخِرَةِ، فَهِيَ
لِلْكُفَّارِ فِي الدُّنْيَا، وَلِلْمُؤْمِنِينَ فِي الآخِرَةِ. فَكَذَلِكَ مَنْ
لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا عَنِ الزِّنَا وَمُقَدِّمَاتِهِ يُحْرَمُ أَنْ يَكُونَ كَمَنْ عَفَّ وَاسْتَعَفَّ، وَصَانَ نَفْسَهُ
وَزَكَّاهَا. فَمَنْ تَرَكَ اللَّذَّةَ المُحَرَّمَةَ لِلَّهِ
اسْتَوْفَاهَا يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْمَلَ مَا تَكُونُ، وَمَنِ اسْتَوْفَاهَا
هُنَا حُرِمَهَا هُنَاكَ، أَوْ نَقَصَ كَمَالُهَا، فَلَا يَجْعَلُ اللهُ لَذَّةَ
مَنْ وَقَعَ فِي مَعَاصِيهِ، كَلَذَّةِ مَنْ تَرَكَ شَهْوَتَهُ لِلَّهِ أَبَدًا.
وَالَّذِي بَعَثَ
نَبِيَّهُ بِالحَقِّ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ
بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ بِأَزْوَاجِهِمْ
وَمَسَاكِنِهِمْ. حَيْثُ تَدْخُلُ – يَا عَبْدَ اللهِ – عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِمَّا يُنْشِئُ اللهُ،
وَاثْنَتَيْنِ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ
اللهُ، لِعِبَادَتِهِمَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدُّنْيَا. تَدْخُلُ عَلَى
الأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ،
مُكَلَّلٍ بِاللُّؤْلُؤِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُسٍ
وَإِسْتَبْرَقٍ، فَتَضَعُ يَدَكَ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ تَنْظُرُ إِلَى يَدِكَ
مِنْ صَدْرِهَا، وَمِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا، وَتَنْظُرُ
إِلَى وَجْهِكَ فِي خَدِّهَا، أَصْفَى مِنَ المِرْآةِ، وَإِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى
مُخِّ سَاقِهَا، كَمَا تَنْظُرُ إِلَى السَّلْكِ فِي قَصَبَةِ اليَاقُوتِ،
كَبِدُكَ لَهَا مِرْآةٌ، وَكَبِدُهَا لَكَ مِرْآةٌ.
فَبَيْنَمَا أَنْتَ
عِنْدَهَا لَا تَمَلُّهَا وَلَا تُمَلُّكَ، وَلَا تَأْتِيهَا مَرَّةً
إِلَّا وَجَدْتَهَا عَذْرَاءَ، لَا يَفْتُرُ ذَكَرُكَ، وَلَا يَشْتَكِي قُبُلُهَا، فَتُنَادِيكَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ
لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ، إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنِيَّةَ، إِلَّا
أَنْ تَكُونَ لَكَ أَزْوَاجٌ غَيْرُهَا، فَتَخْرُجُ إِلَيْهِنَّ،
فَتَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، كُلَّمَا جَاءَتْ وَاحِدَةٌ قَالَتْ: وَاللهِ
مَا فِي الجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَمَا فِي الجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ
إِلَيَّ مِنْكَ.
وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ شَهْوَتِكَ يَا وَلِيَّ اللهِ؟ إِنَّ شَهْوَتَكَ لَتَجْرِي
فِي جَسَدِكَ سَبْعِينَ عَامًا، تَجِدُ اللَّذَّةَ، وَلَا يَلْحَقُكَ بِذَلِكَ
الجَنَابَةُ، وَلَا ضَعْفٌ، وَلَا انْحِلَالُ قُوَّةٍ، وَلَا يَلْحَقُكَ تَعَبٌ
وَلَا مَشَقَّةٌ، بَلْ وَطْؤُكَ وَطْءُ التَّلَذُّذِ،
وَنَعِيمٌ لَا آفَةَ فِيهِ. وَهَلْ أَتَاكَ أَنَّ شَهْوَتَكَ عِنْدَ اللِّقَاءِ
بِحَبِيبَتِكَ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا؟ فَتُجَامِعُ بِذَكَرٍ لَا يُمَلُّ،
وَشَهْوَةٍ لَا تَنْقَطِعُ، دَحْمًا دَحْمًا، بِلَا مَنِيٍّ وَلَا مَنِيَّةٍ؛ أَيْ لَا إِنْزَالَ وَلَا
مَوْتَ.
فَيَا حُسْنَ مُوَاقَعَتِهَا
وَمُلَاطَفَتِهَا عِنْدَ الجِمَاعِ! وَيَا حُسْنَ عِشْقِهَا وَطَاعَتِهَا
لِزَوْجِهَا! وَيَا حُسْنَ صُورَتِهَا وَعِشْرَتِهَا لِحَبِيبِهَا! وَيَا
حَلَاوَةَ حُبِّهَا وَغُنْجِهَا لِبَعْلِهَا!
لِمَ لَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا غَايَةُ مَا نَطْلُبُ مِنَ النِّسَاءِ،
وَبِهِ تَكْتَمِلُ لَذَّتُنَا بِهِنَّ. فَالعَجَبُ العُجَابُ لَوْ تَرَى عَيْنَاكَ
الحَوْرَاءَ المَشْحُونَةَ بِأَسْرَارٍ لَا تَسْتَطِيعُ لَهَا إِحَاطَةً، وَلَوْ
حَاوَلْتَ تَفْسِيرًا لَهَا لَمَا اسْتَطَعْتَ، وَمِنْ هَذَا أَنَّكَ بَعْدَ أَنْ
تُجَامِعَهَا تَعُودُ بِكْرًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق