الصفحات

الصفحات

2025-11-12

غَزَّةُ والسُّودَان .. وَواجِبُ النُّصْرَة

غَزَّةُ والسُّودَان .. وَواجِبُ النُّصْرَة

خطبة الجمعة  16 جمادى الأولى 1447هـ

للشيخ زهير بن حسن حميدات

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا. مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا النَّجَاةَ مِنْ ظُلْمَةِ دِيَاجِيرِهِ، وَنَعْوَلُ عَلَيْهَا فِي شِدَّةِ سَاعَةِ الْحَشْرِ وَتَقَارِيرِهِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، وَكَانَ لِصَوْتِ الْحَقِّ خَيْرَ مُنَادِ. فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّاهِرِينَ، مَا تَوَالَتْ الْأَزْمَانُ وَتَعَاقَبَتْ السّنونَ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اِتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَتَزَوَّدُوا مِنْ أَيَّامِكُمْ لِآخِرَتِكُمْ، فَهِيَ وَصِيَّةُ اللَّهِ لِلْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} (النِّسَاءُ: 131).

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،

إِنَّ الْقَلْبَ الْيَوْمَ لَيَعْتَصِرُ أَلَمًا، وَإِنَّ الْعَيْنَ لَتَذْرِفُ دَمًا، وَإِنَّ الضَّمِيرَ لَيَصْرُخُ أَنِينًا وحسرة، وَهُوَ يَرَى جَسَدَ الْأُمَّةِ يَتَقَطَّعُ ويتمزق، وَأَوْصَالَهُ تَتَنَاثَرُ وتتباعد. لَقَدْ أَثْقَلَتْنَا الْفَوَاجِعُ، وَتَتَالَتْ عَلَيْنَا الْمِحَنُ، حَتَّى بَاتَ الْجُرْحُ الْوَاحِدُ يَسْتَدْعِي جُرْحًا، وَبَاتَتْ النَّارُ الْوَاحِدَةُ تُشْعِلُ نَارًا، وَصَارَتْ الْمَأْسَاةُ الْوَاحِدَةُ تُفَجِّرُ مَآسِي!

يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْغَيُورُونَ،

إِنَّ الْفَاجِعَةَ الْكُبْرَى الْيَوْمَ تَحُلُّ عَلَى أَرْضِ السُّودَانِ الطَّيِّبَةِ، عَلَى تِلْكَ الدِّيَارِ الْمُبَارَكَةِ الَّتِي كَانَتْ مَنَارَةً لِلْعِلْمِ وَالسَّلَامِ، وَصَارَتْ الآن شَاهِدًا عَلَى الْقَتْلِ وَالِانْتِقَامِ. إِنَّهَا مَجَازِرُ مُرَوِّعَةٌ، تُسْتَبَاحُ فِيهَا الْأَرْوَاحُ الْمَعْصُومَةُ، وَتُنْتَهَكُ فِيهَا الْحُرُمَاتُ الْمُقَدَّسَةُ، وَتُسْفَكُ فِيهَا الدِّمَاءُ الزَّكِيَّةُ، لَا لِذَنْبٍ اقْتَرَفُوهُ، وَلَا لِجُرْمٍ ارْتَكَبُوهُ، إِلَّا لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.

نَسْمَعُ الْيَوْمَ عَنْ بُيُوتٍ دُمِّرَتْ بِأَصْحَابِهَا، وَعَنْ أَحْيَاءَ أُبِيدَتْ بِكَمَالِهَا، وَعَنْ أَهْلٍ يُقْتَلُونَ عَلَى هُوِيَّتِهِمْ وَانْتِمَائِهِمْ، يُهَجَّرُونَ وَيُشَرَّدُونَ، وَتَتَطَايَرُ أَشْلَاءُ ضُعَفَائِهِمْ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَيُيَتَّمُ أَطْفَالُهُمْ عَلَى مَرْأَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ. فَيَا وَيْحَ أُمَّةٍ تَرَى نَزِيفَ دَمِهَا فَلَا تَغَارُ، وَتَسْمَعُ صَرْخَةَ ضَعِيفِهَا فَلَا تَجِيبُ وَلَا تُثَارُ!

أَيُّهَا النَّاسُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

إِنَّ هَذِهِ الْفَاجِعَةَ لَيْسَتْ قَضِيَّةً سِيَاسِيَّةً عَابِرَةً، بَلْ هِيَ امْتِحَانٌ إِلَهِيٌّ لِصِدْقِ إِيمَانِنَا، وَمِحَكٌّ لِقُوَّةِ أُخُوَّتِنَا. لَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ دَمَ الْمُسْلِمِ حَرَمًا عَظِيمًا، وَجَعَلَ زَوَالَ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ.

قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا جَمِيعًا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، صَحِيحٌ).

فَكَيْفَ بِقَتْلِ الْأُلُوفِ، وَتَشْرِيدِ الْمَلَايِينِ، وَإِقَامَةِ الْمَذَابِحِ الَّتِي تُذَكِّرُنَا بِأَسْوَأِ صُوَرِ الْبَغْيِ وَالطُّغْيَانِ؟! إِنَّ صَرْخَةَ السُّودَانِ الْيَوْمَ، هِيَ نِدَاءٌ إِلَهِيٌّ لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَصُمَّ آذَانَنَا عَنْهُ، وَوَاجِبٌ شَرْعِيٌّ لَا يَسَعُنَا التَّخَلُّفُ عَنْهُ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، أَخْوَةَ الْعَقِيدَةِ،

لَقَدْ أَلْزَمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِرِبَاطِ الْأُخُوَّةِ، وَجَعَلَ نُصْرَةَ الْمَظْلُومِ فَرِيضَةً فِي أَعْنَاقِنَا. إِنَّهُ لَيْسَ خيَارًا، بَلْ هُوَ أَمْرٌ حَتْمِيٌّ، وَحُكْمٌ قَطْعِيٌّ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} (الْحُجُرَاتِ: 10).

فَإِذَا كَانَتْ الْأُخُوَّةُ تَسْتَلْزِمُ الْإِصْلَاحَ فِي حَالَةِ الْخُصُومَةِ، فَكَيْفَ تَكُونُ وَهُمْ فِي حَالَةِ الْقَتْلِ وَالْمَجْزَرَةِ؟! إِنَّهَا تَسْتَلْزِمُ الْمُنَاصَرَةَ بِالرُّوحِ وَالْمَالِ، وَالذَّوْدَ بِالْقُوَّةِ وَالْأَفْعَالِ.

وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ، فِي أَمْرٍ صَرِيحٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّسْوِيفَ: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} (الْأَنْفَالُ: 72).

تَأَمَّلُوا فِي هَذِهِ الْفَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الْفَوْرِيَّةِ وَالْوُجُوبِ. إِنَّ صَرْخَةَ الْبَرِيءِ فِي السُّودَانِ هِيَ الْيَوْمَ صَكٌّ شَرْعِيٌّ يُلْزِمُ الْأُمَّةَ بِأَسْرِهَا بِالنُّصْرَةِ وَالْإِغَاثَةِ. وَلَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْخذْلَانِ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ:

قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

وَلَقَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِمَنْ سَمِعَ نِدَاءَ الْإِخْوَةِ وَعَرَفَ الْمَظْلَمَةَ ثُمَّ تَوَانَى وَتَقَاعَسَ:

قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنَ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ يُحِبُّ فِيهَا نُصْرَتَهُ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

فَيَا وَيْحَ مَنْ يَخْذُلُ أَهْلَ السُّودَانِ الْيَوْمَ! أَيُّ نُصْرَةٍ يَنْتَظِرُهَا مِنْ رَبِّهِ غَدًا، فِي مَوْطِنِ الْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ، وَفِي مَوْقِفِ الْحَاجَةِ إِلَى الرَّحْمَةِ وَالْعَفْوِ؟!

يَا عِبَادَ اللَّهِ،

لَمْ تَكُنِ النُّصْرَةُ يَوْمًا فِي تَارِيخِنَا مُجَرَّدَ شِعَارٍ، بَلْ كَانَتْ سُلُوكًا رَاقِيًا، وَمَبْدَأً حَاكِمًا. لَقَدْ شَهِدَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِلْفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَدُّ مِيزَانًا لِلشَّهَامَةِ، وَهُوَ حِلْفُ الْفُضُولِ. حِينَ اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ فِي دَارِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ، وَتَعَاهَدُوا أَلَّا يُقِيمَ بِمَكَّةَ ظُلْمٌ، وَأَلَّا يَدَعُوا مَظْلُومًا إِلَّا أَخَذُوا لَهُ حَقَّهُ.

قَالَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ: «لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ لَأَجَبْتُ» (رَوَاهُ أَحْمَدُ).

إِذَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَتَحَالَفُ لِنُصْرَةِ رَجُلٍ لَا يَرْبِطُهَا بِهِ إِلَّا مِيزَانُ الشَّهَامَةِ وَوَزْنُ الْكَرَامَةِ، فَكَيْفَ بِنَا نَحْنُ الْيَوْمَ يَا أُمَّةَ الْإِسْلَامِ، وَنَحْنُ نَعْرِفُ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُونَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)!

وَانْظُرُوا إِلَى تِلْكَ النُّصْرَةِ الْبَاكِيَةِ الْخَالِدَةِ فِي عَهْدِ الْعَبَّاسِيِّينَ، حِينَ صَرَخَتْ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ فِي الْعِمُّورِيَّةِ مَأْسُوْرَة، فَصَاحَتْ: "وَامُعْتَصِمَاه!". فَمَا كَانَ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَصِمِ إِلَّا أَنْ جَهَّزَ جَيْشًا سَيَّارًا، وَقَالَ قَوْلَتَهُ الْخَالِدَةَ: "لَبَّيْكِ يَا أُخْتَاهُ!" فَفَتَحَ الْعِمُّورِيَّةَ وَأَخَذَ بِثَأْرِ الْمَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ. أَلَيْسَتْ صَرَخَاتُ الْأَطْفَالِ وَالثَّكَالَى فِي السُّودَانِ الْيَوْمَ أَشَدَّ أَلَمًا وَأَنْكَى مِنْ صَرْخَةِ امْرَأَةِ الْعِمُّورِيَّةِ؟!

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، يَا أَهْلَ الْغَيْرَةِ،

لَا يَزَالُ جُرْحُ غَزَّةَ نَازِفًا فِي قُلُوبِنَا، وَلَا تَزَالُ صُوَرُ الْأَشْلَاءِ الْمُتَنَاثِرَةِ فِي فِلَسْطِينَ تُؤَرِّقُ مَنَامَنَا. لَقَدْ شَهِدْنَا فِي غَزَّةَ ذَرْوَةَ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ، وَشَهِدْنَا فِي مُقَابِلِهَا تَرَاجُعَ الصَّوْتِ، وَتَقَاعُسَ الْفِعْلِ، وَخذْلَانَ العربِ والمسلمين، فَكَانَ أَلَمُنَا مُضَاعَفًا: أَلَمُ الْمَجْزَرَةِ، وَأَلَمُ الْعَجْزِ. لَقَدْ سَمِعَ أَهْلُ غَزَّةَ أَصْوَاتَنَا وَشَاهَدُوا تَضَامُنَنَا، لَكِنَّ يَدَ النُّصْرَةِ الْفَاعِلَةِ الَّتِي تَرُدُّ الْبَغْيَ لَمْ تُمْدَدْ بِالْقُوَّةِ الناصرة. وَصَارَتْ غَزَّةُ، تَذْكِرَةً أَبَدِيَّةً بِفِعْلِ الْخذْلَانِ والتقاعس.

هَذَا الْجُرْحُ الْقَدِيمُ لَمْ يَلْتَئِمْ بَعْدُ، بَلْ هُوَ شَاهِدٌ حَيٌّ عَلَى الْأُمَّةِ! وَمَا هِيَ إِلَّا أَشْهُرٌ قَلَائِلُ، حَتَّى نَجِدَ نَارَ السُّودَانِ تَشْتَعِلُ، وَمَجَازِرَهُ تَتَوَالَى، وَأَهْلَهُ يَسْتَصْرِخُونَ بِاللَّهِ، وَبِكُمْ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ.

فَلْنَتَّقِ اللَّهَ، أَيُّهَا الْأَحْبَابُ!

إِنَّ الْيَوْمَ، دِمَاءَ السُّودَانِ تَقُولُ لَنَا بِلِسَانٍ صَامِتٍ: "لَا تُكَرِّرُوا الْخَطِيئَةَ! لَا تُعِيدُوا مَشْهَدَ الْعَجْزِ وَالْخذْلَانِ الَّذِي وَقَعَ فِي غَزَّةَ!" لَا تُضِيفُوا وَجَعَ السُّودَانِ إِلَى أَلَمِ فِلَسْطِينَ! لَقَدْ تَلَاقَتْ فَاجِعَةُ الضّفَّتَيْنِ: ضِفَّةُ بِلَادِ النِّيلِ، وَضِفَّةُ بِلَادِ الْإِسْرَاءِ، وَكِلْتَاهُمَا تَنْزِفُ وَتَنْتَظِرُ الْغَيْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ.

أَيْنَ الْغَيْرَةُ الَّتِي كَانَتْ تُرْجِعُ الْمَجْدَ وَتُرِيقُ الْبَغْيَ؟!

ولَقَدْ قِيلَ فِي وَصْفِ الْحَالِ:

إِذَا الْقَلْبُ كَانَ الْقَلْبَ مِنْهُ مُقَطَّعًا *** فَلَيْسَ عَلَى الْمَجْرُوحِ مِنْهُ جُنَاحُ

وَكَيْفَ يَطِيبُ الْعَيْشُ وَالْجُرْحُ دَائِمٌ؟ *** فَلَا لَوْمَ إِنْ فَاضَتْ بِهِ الْأَرْوَاحُ

فَالْيَوْمَ، يُنَادِينَا الْقُرْآنُ لِنَنْفُضَ عَنَّا غُبَارَ الْيَأْسِ وَالْهَزِيمَةِ النَّفْسِيَّةِ. لِنَجْعَلْ مِنْ تَقْصِيرِ الْأَمْسِ دَافِعًا قَوِيًّا لِعَمَلِ الْيَوْمِ، وَلْنَبْدَأْ بِتَكْفِيرِ خَطَايَانَا بِالْفِعْلِ الصَّادِقِ. فَالْخِذْلَانُ عَلَى الْخِذْلَانِ يُورِثُ لَعْنَةً وَوَبَالًا، وَالسُّكُوتُ عَلَى الْمَجْزَرَةِ يُورِثُ سُكُوتَ اللَّهِ عَنَّا فِي مَوَاطِنِ حَاجَتِنَا إِلَيْهِ.

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ. أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،

إِنَّ وَاجِبَ النُّصْرَةِ الْيَوْمَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى أَهْلِ الْقُوَّةِ وَالْقَرَارِ، بَلْ هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْجَمِيعِ كُلٌّ حَسَبَ طَاقَتِهِ. إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ أَهْلُ السُّودَانِ يُوَاجِهُونَ الْمَوْتَ وَالْجُوعَ وَالتَّشْرِيدَ وَحْدَهُمْ، بَعْدَ أَنْ صَارَتْ صَوْرَتُهُمْ نَاصِعَةً لِوَاجِبِ النُّصْرَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ.

تَذَكَّرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى حِينَ أَوْجَبَ الْجِهَادَ مِنْ أَجْلِ الْمُسْتَضْعَفِينَ: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} (النِّسَاءُ: 75).

إِنَّ هَذَا الآيات هي أَقْوَى دَافِعٍ لِلْعَمَلِ، وَأَعْظَمُ حُجَّةٍ عَلَى الْمُتَقَاعِسِينَ. فَالنُّصْرَةُ الْيَوْمَ تَتَجَلَّى فِي خَمْسِ مَحَاوِرَ، لَا يَسْقُطُ مِنْهَا وَاحِدٌ إِلَّا بِالْعَجْزِ الْكَامِلِ:

1.   النُّصْرَةُ بِالدُّعَاءِ وَالِالْتِجَاءِ: وَهُوَ سِلَاحُ كُلِّ ضَعِيفٍ وَقَوِيٍّ. فَارْفَعُوا أَكُفَّكُمْ بِصِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَفِي كُلِّ سُجُودٍ، فَاللَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.

2.   النُّصْرَةُ بِالْمَالِ وَالْإِغَاثَةِ: أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَأَغِيثُوا الْمَلْهُوفَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ دِرْهَمًا الْيَوْمَ هُوَ نَجَاةٌ وَحَيَاةٌ لِأُسَرٍ بِأَكْمَلِهَا.

3.   النُّصْرَةُ بِالْكَلَامِ وَفَضْحِ الظَّالِمِ: بِالْكِتَابَةِ، وَبِبَيَانِ الْحَقِّ، وَبِإِبْقَاءِ قَضِيَّةِ السُّودَانِ حَيَّةً مُتَوَقِّدَةً فِي وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ وَغيرِها.

4.   النُّصْرَةُ بِالْجَهْدِ وَالْعَمَلِ السِّيَاسِيِّ: عَلَى أَهْلِ الْقَرَارِ وَالْقَادِرِينَ عَلَى التَّأْثِيرِ أَنْ يَتَحَرَّكُوا بِقُوَّةٍ لِوَقْفِ نَزِيفِ الدَّمِ الْمُهْدَرِ، وَإِجْبَارِ الْبَاغِي عَلَى التَّوَقُّفِ وَالِانْسِحَابِ.

5.   النُّصْرَةُ بِالنَّفْسِ وَالسِّلَاحِ وَالْقِتَالِ: وَهَذِهِ هِيَ ذِرْوَةُ سَنَامِ النُّصْرَةِ، حَيْثُ تَتَطَلَّبُ الْحَالَةُ الْإِقْدَامَ وَالْفِدَاءَ لِدَفْعِ الظُّلْمِ الْفَادِحِ، وَصَوْنِ الْأَعْرَاضِ وَالْأَرْوَاحِ الَّتِي لَا تُصَانُ إِلَّا بِالْقُوَّةِ. فَلْيَتَذَكَّرِ الْقَادِرُونَ عَلَى الْجِهَادِ أَنَّ إِخْوَانَهُمْ فِي السُّودَانِ يَسْتَصْرِخُونَ الْفَارِسَ الْمُغِيثَ، وَيَطْلُبُونَ مِنْكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَيْفَ اللَّهِ الْمَسْلُولَ عَلَى الظَّلَمَةِ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ،

إِنَّ تَرْكَ الْجَسَدِ الْمُسْلِمِ يَتَقَطَّعُ هُوَ إِيذَانٌ بِخَرَابِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا. فَالْيَوْمَ الْعَمَلُ، وَغَدًا الْحِسَابُ. فَكُونُوا أَهْلًا لِلْعَهْدِ، وَأَوْفِيَاءَ لِلْوَعْدِ.

اللَّهُمَّ يَا رَبَّ الْأَرْبَابِ، وَيَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ،

اللَّهُمَّ يَا مُنْجِيَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَيَا نَاصِرَ الْمَظْلُومِينَ،

اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا فِي السُّودَانِ وَغَزَّةَ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَكُنْ لَهُمْ وَلِيًّا وَنَصِيرًا.

اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالظَّالِمِينَ الْقَتَلَةِ، فَرِّقْ شَمْلَهُمْ، وَشَتِّتْ أَمْرَهُمْ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ بَأْسَكَ الَّذِي لَا يُرَدُّ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.

اللَّهُمَّ وَحِّدْ صُفُوفَ الْمُسْلِمِينَ، وَاجْمَعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالسَّدَادِ، وَأَلْهِمْنَا الرُّشْدَ فِي أَقْوَالِنَا وَأَفْعَالِنَا.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، وَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق