فِي
ذِكْرَى هَلَاكِ أَتَاتُورْك .. وَفِتْنَةُ الْخَائِنِ الجُولَانِي
خطبة الجمعة 23 جمادى الأولى 1447هـ
للشيخ
زهير بن حسن حميدات
الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِي أَمَرَنَا بِالْوَلَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَحَذَّرَنَا مِنْ مُوَالَاةِ
الْكَافِرِينَ. وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ
لَهُ، إِقْرَارًا بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَإِذْعَانًا لِوَحْدَانِيَّتِهِ. وَنَشْهَدُ
أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِالسَّيْفِ
بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، وَجَعَلَ السَّيْفَ نَصِيرًا لِدِينِهِ. اللَّهُمَّ
صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى
نَهْجِهِ وَاسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَيُّهَا النَّاسُ، يا عِبَادَ
اللَّهِ،
إِنَّ خَيْرَ مَا نَسْتَهِلُّ بِهِ
خُطْبَتَنَا تَذْكِرَةٌ بِأَصْلِ الْأُصُولِ، وَمِحْوَرِ الْمَحَاوِرِ، الَّذِي
يَقُومُ عَلَيْهِ الدِّينُ كُلُّهُ، وَهُوَ: "الْوَلَاءُ
وَالْبَرَاءُ". هَذَا الْأَصْلُ هُوَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى
لِلْإِيمَانِ، الَّذِي لَا يَصِحُّ إِسْلَامُ عَبْدٍ إِلَّا بِتَحْقِيقِهِ.
فَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْنَا وَلَمْ يُرْسِلْ إِلَيْنَا الرُّسُلَ
وَيُنْزِلْ عَلَيْنَا الْكُتُبَ إِلَّا لِنَعْبُدَهُ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا،
وَلِنُوَالِيَ أَوْلِيَاءَهُ وَنُعَادِيَ أَعْدَاءَهُ.
لَقَدْ حَذَّرَنَا رَبُّنَا تَبَارَكَ
وَتَعَالَى تَحْذِيرًا شَدِيدًا قَاطِعًا لَا لَبْسَ فِيهِ، مِنَ الِانْحِرَافِ
عَنْ هَذَا الْأَصْلِ، وَالْوُقُوعِ فِي مُسْتَنْقَعِ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ
وَالظَّالِمِينَ. فَاسْتَمِعُوا بِقُلُوبِكُمْ قَبْلَ آذَانِكُمْ إِلَى قَوْلِ
رَبِّكُمْ، وَهُوَ يُنَادِيكُمْ:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ،
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإِنَّهُ
مِنْهُمْ، إِنَّ
اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا
دَائِرَةٌ، فَعَسَى
اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ
مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} (المائدة: ٥١-٥٢)
اللَّهُ أَكْبَرُ!
إِنَّهُ حُكْمٌ رَبَّانِيٌّ لَا يُرْفَعُ وَلَا يُبَدَّلُ. فَمَنْ تَوَلَّاهُمْ
مِنَّا، أَيْ: مَنِ اتَّخَذَهُمْ نُصَرَاءَ وَأَعْوَانًا وَظَهِيْرًا، فَهُوَ مِنْهُمْ. فَلَيْسَ الْأَمْرُ مُجَرَّدَ ذَنْبٍ أَوْ
مَعْصِيَةٍ، بَلْ هُوَ انْتِقَالٌ عَنِ الْمِلَّةِ وَانْسِلَاخٌ عَنْ
رَايَةِ التَّوْحِيدِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْمُوَحِّدُونَ،
إِنَّنَا نُشَاهِدُ الْيَوْمَ فَصْلًا
جَدِيدًا مِنْ فُصُولِ الْخِيَانَةِ الَّتِي تَتَوَالَى عَلَى جَسَدِ هَذِهِ
الْأُمَّةِ. نَرَى مَن يَتَّخِذُ مِنَ "الْجِهَادِ" قِنَاعًا، وَمِنَ
"التَّوْحِيدِ" شِعَارًا، ثُمَّ إِذَا مَا حَانَ وَقْتُ الِاخْتِبَارِ،
بَاعَ دِينَهُ، وَبَدَّلَ وَلَاءَهُ، وَانْقَلَبَ عَلَى عَقِبَيْهِ.
إِنَّ التَّنْسِيقَ مَعَ قَادَةِ "التَّحَالُفِ الصَّلِيبِيِّ" عَلَى ضَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، هُوَ بِعَيْنِهِ "التَّوَلِّي لِلْكُفْرِ" الَّذِي نَصَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ. فَمَن يَزْعُمُ أَنَّهُ "يُجَاهِدُ" ثُمَّ يَنْتَهِي بِهِ الْمَطَافُ "جُنْدِيًّا فِي الْحَمْلَةِ الصَّلِيبِيَّةِ عَلَى الْإِسْلَامِ"، فَهُوَ قَدْ بَاعَ دِينَهُ بِأَبْخَسِ الْأَثْمَانِ. لَقَدْ أَصْبَحَ الشَّرِيكَ رَقْمَ ٩٠ فِي تَحَالُفِهِمُ الْقَذِرِ! أَيُّ شَرَفٍ هَذَا؟!
لَقَدْ بَدَأَ هَذَا الْخَائِنُ
مَسِيرَتَهُ بِـ "الْجِهَادِ"، ثُمَّ "فَارَقَ الْجَمَاعَةَ"
لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ زَائِلَةٍ، ثُمَّ "صَالَحَ الْكُفَّارَ"
لِأَجْلِ اسْتِقْرَارٍ مَوْهُومٍ، وَهَا هُوَ الْيَوْمُ "يُجَاهِدُ تَحْتَ رَايَةِ
التَّحَالُفِ الصَّلِيبِيِّ لِأَجْلِ الشَّرْعِيَّةِ!". هَذَا هُوَ
مَسَارُ الضَّلَالِ، وَمَسْلَكُ الِانْتِكَاسِ.
لَقَدْ بَرْهَنَ هَذَا الْجَاسُوسُ
الدَّوْلِيُّ وَلَاءَهُ لِمُشَغِّلِيهِ "بِدِمَاءِ خِيَرَةِ
الْمُجَاهِدِينَ" الَّذِينَ قَتَلَهُمْ فِي سَبِيلِ تَثْبِيتِ رَايَةِ
التَّوْحِيدِ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَطْلُبَ "الشَّرْعِيَّةَ"
مِنْ تَرَامْب وَمِنَ الْقِيَادَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ!
يَا عِبَادَ اللَّهِ،
تَدَبَّرُوا هَذِهِ الْعِبْرَةَ:
إِنَّ أَمْرِيكَا لَمْ تَرْفَعِ الْعُقُوبَاتِ عَنْ شَخْصِ هَذَا الْخَائِنِ
إِلَّا بَعْدَ أَنْ "بَرْهَنَ بِوَلَائِهِ وَجَدَارَتِهِ"،
وَأَثْبَتَ أَنَّهُ "جَاسُوسٌ دَوْلِيٌّ" يَفْنَى
فِي تَحْقِيقِ أَهْدَافِهِمْ. لَقَدْ أَصْبَحَ ذِرَاعًا لِلْغَرْبِ
بِكُلِّ مَا تَعْنِيهِ الْكَلِمَةُ، يُقَدِّمُ لَهُمُ القرابينَ،
وَيُحَارِبُ لَهُمْ أَعْدَاءَهُمْ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ.
إِنَّ الْخِيَانَةَ لَيْسَتْ ظَاهِرَةً
عَابِرَةً، بَلْ هِيَ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ فِي الْأُمَمِ وَالدُّوَلِ، حَذَّرَنَا
مِنْهَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا
بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ لَهُ فِي أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ
وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا
تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ
مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ
جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ
مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ"
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
وَإِنَّ الْخَائِنِينَ الْمُعَاصِرِينَ،
قَدْ تَفَوَّقُوا عَلَى رُمُوزِ الْخِيَانَةِ التَّارِيخِيَّةِ:
إِنَّ هَذَا الْخَائِنَ
الْمُعَاصِرَ سَارَ عَلَى خُطَى أَتَاتُورْك، الَّذِي كَانَ رَمْزًا لِلْخِيَانَةِ
الْمُطْلَقَةِ. إِنَّ أَتَاتُورْك لَمْ يَكْتَفِ بِإِلْغَاءِ الْخِلَافَةِ
الْعُثْمَانِيَّةِ فِي عَامِ ١٩٢٤م، بَلْ سَعَى لِهَدْمِ أُسُسِ الدِّينِ مِنْ
جُذُورِهَا. لَقَدْ عَمِلَ عَلَى إِلْغَاءِ الشَّرِيعَةِ وَاسْتِبْدَالِهَا
بِالْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ السُّوِيسْرِيَّةِ وَالْإِيطَالِيَّةِ، وإِلْغَاءِ
الْأَوْقَافِ وَمُصَادَرَةِ الْأَمْوَالِ، وإِلْغَاءِ التَّدْرِيسِ
الدِّينِيِّ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَفَرْضِ الْأَبْجَدِيَّةِ
اللاتِينِيَّةِ لِمَنْعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وتَحْوِيلِ
الْأَذَانِ إِلَى اللُّغَةِ التُّرْكِيَّةِ لِقَطْعِ صِلَةِ النَّاسِ بِلِسَانِ
الْقُرْآنِ.
لَقَدْ كَانَ أَتَاتُورْك طَاغُوتًا هَدَمَ
أَسَاسَ الدِّينِ. فَإِذَا كَانَ ذَاكَ هَدَمَ الْخِلَافَةَ لِيُقِيمَ
جُمْهُورِيَّةً عَلْمَانِيَّةً، فَهَذَا الْخَائِنُ الْمُعَاصِرُ هَدَمَ مَشْرُوعَ
الْجِهَادِ وَالْخِلَافَةِ لِيُقِيمَ "سُورِيَا جَدِيدَةً" تَحْتَ
مِظَلَّةِ التَّحَالُفِ الصَّلِيبِيِّ! فَكِلَاهُمَا هَدَمَ
الدِّينَ لِأَجْلِ الطَّاغُوتِ، وَكِلَاهُمَا رَضَخَ لِأَوَامِرِ أعداءِ اللهِ المشركين.
أَيُّهَا الْمُوَحِّدُونَ،
هلْ تذكرونَ قِصَّةَ أَبِي
رِغَالٍ، الَّذِي كَانَ رَمْزًا لِلْخِيَانَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى صَارَ
يُرْجَمُ قَبْرُهُ. كَانَ دَلِيلاً لِأَبْرَهَةَ الْحَبَشِيِّ يَقُودُ جَيْشَ
الْأَفْيَالِ نَحْوَ مَكَّةَ، لِغَرَضٍ وَاحِدٍ هُوَ هَدْمُ الْكَعْبَةِ
الْمُشَرَّفَةِ. وَالْيَوْمَ، نَرَى أَحْفَادَهُ أَدِلَّاءَ أَذِلَّاءَ لِجَيْشِ
التَّحَالُفِ الصَّلِيبِيِّ، يَقُودُونَهُمْ نَحْوَ حُرُمَاتِ الْمُسْلِمِينَ
وَمَنَازِلِهِمْ، لِغَرَضٍ وَاحِدٍ هُوَ هَدْمُ رَايَةِ التَّوْحِيدِ،
وَإِقَامَةُ الْمَشْرُوعِ الْجَاهِلِيِّ.
لَقَدْ أَوْرَدَ الْإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ
فِي "الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ" قِصَّةَ هَذَا الْخَائِنِ وَكَيْفَ
أَنَّ الْعَرَبَ تَذُمُّ سِيرَتَهُ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا، فَكَيْفَ بِمَنْ
يَخُونُ إِخْوَانَهُ بَعْدَ أَنْ عَاشَ بَيْنَهُمْ وَتَنَفَّسَ نَسَائِمَ الْجِهَادِ؟
وَمِثْلُهُمُ
ابْنُ الْعَلْقَمِي، وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَعْصِمِ بِاللَّهِ، الَّذِي
سَاءَتْ سَرِيرَتُهُ فَمَالَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ. لَقَدْ تَآمَرَ هَذَا
الْخَائِنُ مَعَ التَّتَارِ وَالْمَغُولِ فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ
لِغَزْوِ بَغْدَادَ. فَكَانَ سَبَبًا فِي إِضْعَافِ جَيْشِ الْخِلَافَةِ،
وَإِيقَاعِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الدَّوْلَةِ، حَتَّى سَهَّلَ لِلْمَغُولِ
دُخُولَ بَغْدَادَ، وَالْقِيَامَ بِأَفْظَعِ مَذْبَحَةٍ فِي تَارِيخِ
الْمُسْلِمِينَ.
لَقَدْ أَوْرَدَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ هَذَا
الْخَائِنَ كَانَ سَبَبًا فِي قَتْلِ مِلْيُونِ مُسْلِمٍ فِي بَغْدَادَ وَحْدَهَا!
كُلُّ ذَلِكَ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ خَبِيثٍ فِي نَفْسِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،
إِنَّ الْخَائِنَ الْمُعَاصِرَ قَدْ
جَمَعَ فِي شَخْصِهِ خِصَالَهُمْ جَمِيعًا. إِنَّهُ يَهْدِمُ الْخِلَافَةَ
كَأَتَاتُورْك، وَيَدُلُّ الْأَعْدَاءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَأَبِي رِغَالٍ،
وَيَتَآمَرُ مَعَهُمْ كَابْنِ الْعَلْقَمِي. إِنَّهُ قَامُوسٌ مُحِيطٌ فِي
الْخِيَانَةِ!
أَيُّهَا الْمُوَحِّدُونَ فِي كُلِّ مَكَانٍ،
إِنَّ رَايَةَ الْإِسْلَامِ هِيَ رَايَةُ
التَّوْحِيدِ، وَرَايَةَ الْكُفْرِ هِيَ رَايَةُ الصَّلِيبِيَّةِ. لَا يُمْكِنُ
أَنْ يَجْتَمِعَ وَلَاؤُهُمَا فِي قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
نِدَاؤُنَا إِلَيْكَ أَيُّهَا الْمُقَاتِلُ
الَّذِي فَارَقْتَ الْجَمَاعَةَ لِأَجْلِ هَذَا الْخَائِنِ: هَلْ تَرْضَى أَنْ
تَكُونَ جُنْدِيًّا فِي الْحَمْلَةِ الصَّلِيبِيَّةِ؟ هَلْ تَرْضَى أَنْ تَمُوتَ
تَحْتَ رَايَةِ الطَّاغُوتِ الَّتِي يَسْعَى لِشَرْعَنَتِهَا مِنْ وَاشِنْطُنَ؟ إِنَّ رَايَةَ الْجِهَادِ الصَّافِيَةَ النَّقِيَّةَ، لَمْ
تَتَلَوَّثْ بِالْعِمَالَةِ وَالرِّدَّةِ. لَا تُكَرِّرُوا الْخَطَأَ
مَرَّتَيْنِ، فَتَبِيعُوا
آخِرَتَكُمْ بِدُنْيَا غَيْرِكُمْ.
اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ
وَالْأَبْصَارِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ
الثَّابِتِينَ عَلَى التَّوْحِيدِ، حَتَّى نَلْقَاكَ وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ
اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَغْفِرُوهُ
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ
عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا
لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ فِي اللَّهِ،
إِنَّ دِينَنَا قَائِمٌ عَلَى قَاعِدَةٍ
عَظِيمَةٍ، أَشَارَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَهِيَ الِاسْتِطَاعَةُ فِي الْأَمْرِ، وَالِاجْتِنَابُ الْمُطْلَقُ
فِي النَّهْيِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: "مَا
نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا
اسْتَطَعْتُمْ". فَالنَّهْيُ عَنْ مُوَالَاةِ
الْكَافِرِينَ هُوَ نَهْيٌ مُطْلَقٌ لَا رُخْصَةَ فِيهِ،
فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَن يُسَارِعُ إِلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ؟!
إِنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَانِ الْفِتَنِ،
فِتَنٍ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، كَمَا وَصَفَهَا النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ "يُصْبِحُ
الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ
كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا"
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
فيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُ،
تَدَبَّرْ قِصَّةَ هَذَا الْخَائِنِ
كَيْفَ بَدَّلَ دِينَهُ وَغَيَّرَ جَانِبَهُ، وَانْتَقَلَ مِنْ
صُفُوفِ أولياءِ اللهِ
الصالحينَ إِلَى صُفُوفِ أَعْدَاءِ اللهِ المشركينَ.
إِنَّ الْعِبْرَةَ دَوْمًا بِالْخَوَاتِيمِ؛
فَمَا قِيمَةُ جِهَادِ سِنِينَ، إِذَا كَانَتِ الْخَاتِمَةُ هِيَ الْمَوْتُ تَحْتَ
رَايَةِ الْعمَالَةِ وَالرِّدَّةِ؟
إِنَّ الْإِمَامَ ابْنَ الْقَيِّمِ
الْجَوْزِيَّةَ، عِنْدَمَا وَصَفَ حَالَ مَن نَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ،
كَأَنَّهُ كَانَ يَصِفُ حَالَ هَذَا الْخَائِنِ وَزُمْرَتِهِ،
فَقَالَ: "بَرَزُوا إِلَى الْبَيْدَاءِ مَعَ رَكْبِ الْإِيمَانِ،
فَلَمَّا رَأَوْا طُولَ الطَّرِيقِ وَبُعْدَ الشُّقَّةِ نَكَصُوا عَلَى
أَعْقَابِهِمْ وَرَجَعُوا... فَكَيْفَ حَالُهُمْ عِنْدَ اللِّقَاءِ؟ وَقَدْ
عَرَفُوا ثُمَّ أَنْكَرُوا، وَعَمُوا بَعْدَ مَا عَايَنُوا الْحَقَّ
وَأَبْصَرُوا".
يا أهلَنا فِي الشَّامِ،
إِنَّ رَايَتَكُمْ الْيَوْمَ لَيْسَتْ
رَايَةً إِسْلَامِيَّةً، بَلْ هِيَ رَايَةٌ جَاهِلِيَّةٌ وَوَطَنِيَّةٌ خَاسِرَةٌ، يُحْرَقُ فِيهَا
شَبَابُ الْمُسْلِمِينَ خِدْمَةً لأجندةِ وَاشِنْطُنَ
وَأَنْقَرَةَ وَتَلْ أَبِيبَ.
عُودُوا إِلَى رَايَةِ التَّوْحِيدِ الصَّافِيَةِ،
رَايَةِ الْجِهَادِ الصَّادِقِ، الَّتِي لَا تَسْأَلُ إِلَّا عَنْ رِضَا رَبِّ
الْعَالَمِينَ!
اعْلَمُوا أَنَّ رَايَةَ الْإِسْلَامِ لَا
تَتَحَالَفُ مَعَ رايةِ الكفرِ. لَا تَبْقَوْا فِي صَفِّ الْخَوَنَةِ،
بَلِ توبوا
إِلَى ربكم
قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، وَقَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بِكُمْ مَا حَلَّ بِغَيْرِكُمْ
مِنَ الْمَصِيرِ الْمَحْتُومِ لِلْخَائِنِينَ.
اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ،
ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ وَدِينِكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ
الثَّابِتِينَ عَلَى رَايَةِ التَّوْحِيدِ. اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْخَوَنَةِ
وَالْعُمَلَاءِ، مَزِّقْ شَمْلَهُمْ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُمْ تَدْمِيرًا
عَلَيْهِمْ.
اللَّهُمَّ انْصُرِ الْمُوَحِّدِينَ،
وَأَعْلِ كَلِمَةَ الْحَقِّ وَالدِّينِ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق