غَزَّةُ
الجَرِيحَةُ: بَيْنَ لَهِيْبِ النَّارِ وَصَقِيعِ الإِعْصَارِ
خطبة الجمعة
للشيخ زهير بن حسن حميدات
الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ
الخَلْقَ فَقَدَّرَهُمْ تَقْدِيرًا، وَأَوْدَعَ فِي بَعْضِهِمْ شَرًّا وَفِي
بَعْضِهِمْ خَيْرًا لِيَبْلُوَهُمْ بَلَاءً كَبِيرًا. الحَمْدُ للهِ الَّذِي
جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ مَمَرٍّ لَا دَارَ مَقَرٍّ، وَجَعَلَ الآخِرَةَ هِيَ الحَيَوَانُ
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
نَحْمَدُهُ
-سُبْحَانَهُ- حَمْدَ مَنْ أَيْقَنَ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى،
وَأَنَّ سِلْعَةَ اللهِ غَالِيَةٌ، وَأَنَّ ثَمَنَهَا بَذْلُ المُهَجِ
وَالأَرْوَاحِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ
لَهُ، وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ، وَنَاصِرُ المُسْتَضْعَفِينَ، وَمُهْلِكُ الطُّغَاةِ
وَالظَّالِمِينَ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ
سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ
المُجَاهِدِينَ، وَسَيِّدُ الصَّابِرِينَ، الَّذِي أُوذِيَ فِي اللهِ وَمَا
يُؤْذَى أَحَدٌ، وَخِيفَ فِي اللهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، فَظَلَّ كَالطَّوْدِ
الأَشَمِّ لَا يَتَزَعْزَعُ. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ،
اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا،
إِنَّنَا نَقِفُ اليَوْمَ فِي مَقَامٍ يَعْجِزُ فِيهِ اللَّسَانُ
عَنِ البَيَانِ، وَتَتَضَاءَلُ فِيهِ الكَلِمَاتُ خَجَلًا أَمَامَ عَظَمَةِ
التَّضْحِيَاتِ وَهَوْلِ المَأْسَاةِ. إِنَّنَا نَتَحَدَّثُ عَنْ غَزَّةَ؛ تِلْكَ
البُقْعَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا اللهُ لِتَكُونَ مِيزَانًا لِهَذَا العَالَمِ،
تَكْشِفُ إِيمَانَ المُؤْمِنِ، وَنِفَاقَ المُنَافِقِ، وَإِجْرَامَ المُجْرِمِ.
انْظُرُوا إِلَى
حَالِكُمْ وَحَالِهِمْ.. نَحْنُ نَنَامُ عَلَى الأَسِرَّةِ الوَثِيرَةِ، وَهُمْ
يَنَامُونَ عَلَى أَصْوَاتِ الانْفِجَارَاتِ وَرَائِحَةِ البَارُودِ. نَحْنُ
نَتَقَلَّبُ بَيْنَ أَلْوَانِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ
فُتَاتِ الخُبْزِ وَشَرْبَةِ مَاءٍ غَيْرِ مُلَوَّثَةٍ. نَحْنُ نَشْعُرُ
بِالأَمْنِ بَيْنَ أَهْلِينَا، وَهُمْ يُوَدِّعُونَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ حَبِيبًا
أَوْ قَرِيبًا، بَلْ يُوَدِّعُونَ عَائِلَاتٍ بِأَكْمَلِهَا!
يَا عِبَادَ اللهِ،
لَيْسَ مَا تَرَوْنَهُ عَلَى
الشَّاشَاتِ إِلَّا جُزْءًا يَسِيرًا مِنَ الحَقِيقَةِ. إِنَّ مَا يَجْرِي هُنَاكَ
هُوَ إِبَادَةٌ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الوَحْشِيَّةِ. لَقَدْ تَجَرَّدَ العَدُوُّ
مِنْ كُلِّ مَعَانِي الإِنْسَانِيَّةِ، فَصَبَّ جَامَ غَضَبِهِ عَلَى الحَجَرِ
وَالشَّجَرِ وَالبَشَرِ.
بُيُوتٌ آمِنَةٌ
تُقْصَفُ فَوْقَ رُؤُوسِ سَاكِنِيهَا دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ. هَلْ رَأَيْتُمْ
أَطْفَالًا تُقَطَّعُ أَجْسَادُهُمْ أَشْلَاءً؟ هَلْ رَأَيْتُمْ رُؤُوسًا بِلَا
أَجْسَادٍ؟ الآبَاءُ يَحْمِلُونَ بَقَايَا أَبْنَائِهِمْ فِي أَكْيَاسٍ! نَعَمْ،
فِي أَكْيَاسٍ! لِأَنَّ الجَسَدَ لَمْ يَعُدْ جَسَدًا، بَلْ صَارَ قِطَعًا
مُتَنَاثِرَةً. يَقِفُ الأَبُ المَكْلُومُ يَبْحَثُ بَيْنَ الرُّكَامِ عَنْ يَدٍ
صَغِيرَةٍ كَانَ يُقَبِّلُهَا، أَوْ عَنْ وَجْهٍ ضَاحِكٍ كَانَ يُنِيرُ حَيَاتَهُ،
فَلَا يَجِدُ إِلَّا الدَّمَ وَالدَّمَارَ.
المَشَافِي الَّتِي
هِيَ مَلَاذُ الجَرْحَى، صَارَتْ هِيَ الأُخْرَى سَاحَةً لِلْقَتْلِ. يُقْصَفُ
الجَرِيحُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرِ الشِّفَاءِ، وَيُقْتَلُ الطَّبِيبُ وَهُوَ
يُحَاوِلُ إِنْقَاذَ الرُّوحِ. أَيُّ إِجْرَامٍ هَذَا؟ وَأَيُّ صَمْتٍ هَذَا
الَّذِي يُطْبِقُ عَلَى العَالَمِ؟!
وَلَمْ يَكْتَفِ
الطُّغَاةُ بِالْقَتْلِ بِالسِّلَاحِ، بَلْ اسْتَخْدَمُوا سِلَاحًا أَشَدَّ
فَتْكًا وَأَلَمًا: "سِلَاحَ التَّجْوِيعِ". تَخَيَّلُوا -يَا مَنْ
شَبِعَتْ بُطُونُكُمْ- أَنَّ إِخْوَانَكُمْ هُنَاكَ يَأْكُلُونَ أَعْلَافَ
الحَيَوَانَاتِ! نَعَمْ، لَقَدْ عَادُوا إِلَى زَمَنِ المَجَاعَاتِ الكُبْرَى.
يَطْحَنُونَ عَلَفَ الدَّوَابِّ وَحُبُوبَ الطُّيُورِ لِيَصْنَعُوا خُبْزًا مُرًّا
جَافًّا، لَا يَكَادُ يَمُرُّ فِي الحَلْقِ، لِيُسْكِتُوا بِهِ صُرَاخَ بُطُونِ
أَبْنَائِهِمْ.
الأَطْفَالُ
الرُّضَّعُ يَمُوتُونَ جُوعًا وَجَفَافًا بَيْنَ أَيْدِي أُمَّهَاتِهِمْ. الأُمُّ
تَنْظُرُ إِلَى وَلِيدِهَا وَهُوَ يَذْبُلُ كَالزَّهْرَةِ المَقْطُوعَةِ، لَا
تَجِدُ فِي ثَدْيِهَا لَبَنًا لِأَنَّهَا هِيَ جَائِعَةٌ، وَلَا تَجِدُ حَلِيبًا
صِنَاعِيًّا، وَلَا حَتَّى قَطْرَةَ مَاءٍ نَظِيفَةٍ. أَيُّ قَهْرٍ هَذَا
لِلْرِّجَالِ؟ وَأَيُّ وَجَعٍ هَذَا لِلْنِّسَاءِ؟
ثُمَّ يَأْتِي
فَصْلُ الشِّتَاءُ.. هَذَا الضَّيْفُ الَّذِي نَسْتَبْشِرُ بِهِ خَيْرًا، صَارَ
عِنْدَهُمْ كَابُوسًا. انْظُرُوا إِلَى مِئَاتِ الآلَافِ الَّذِينَ هُدِّمَتْ
دُورُهُمْ، وَخَرَجُوا بِمَلَابِسِهِمُ الَّتِي عَلَيْهِمْ فَقَطْ. لَا فِرَاشَ،
وَلَا غِطَاءَ، وَلَا مَأْوَى. نَصَبُوا خِيَامًا مِنْ قِطَعِ القُمَاشِ البَالِي
فِي العَرَاءِ. فَلَمَّا نَزَلَ المَطَرُ، وَاشْتَدَّتِ الرِّيحُ، غَرِقَتْ
خِيَامُهُمْ فِي الطِّينِ وَالوَحْلِ.
أَطْفَالٌ صِغَارٌ
يَرْتَجِفُونَ مِنَ الصَّقِيعِ، أَجْسَادُهُمْ زَرْقَاءُ، أَطْرَافُهُمْ
مُتَجَمِّدَةٌ. لَا يَجِدُونَ مَا يُدْفِئُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ. الأَبُ يَضُمُّ
أَوْلَادَهُ إِلَيْهِ لَعَلَّ حَرَارَةَ جَسَدِهِ تَقِيهِمْ مِنَ المَوْتِ
بَرْدًا. يَحْرِقُونَ مَا يَجِدُونَ مِنَ البَلَاسْتِيكِ وَالأَحْذِيَةِ
القَدِيمَةِ لِإِشْعَالِ نَارٍ يَتَحَلَّقُونَ حَوْلَهَا.. دُخَانُهَا
يَخْنِقُهُمْ، وَلَكِنَّ البَرْدَ أَقْسَى.
عِبَادَ اللهِ،
أَمَامَ هَذِهِ الصُّوَرِ
المُفْجِعَةِ، قَدْ يَهْتَزُّ اليَقِينُ فِي قُلُوبِ الضُّعَفَاءِ، وَيَسْأَلُونَ:
أَيْنَ نَصْرُ اللهِ؟ لَكِنَّ المُؤْمِنَ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ، فَيَرَى مَا
خَلْفَ الأَحْدَاثِ. إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَخْتَارُ مِنْ عِبَادِهِ
شُهَدَاءَ. إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَضَوْا لَمْ يَذْهَبُوا فَنَاءً، بَلْ انْتَقَلُوا
مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَةِ الجَنَّةِ كَمَا نَحْسَبُهُمْ.
إِنَّهُ
الِاجْتِبَاءُ. اللهُ يَجْتَبِي غَزَّةَ لِتَكُونَ حُجَّةً عَلَى العَالَمِ.
هَؤُلَاءِ الأَطْفَالُ هُمْ طُيُورُ الجَنَّةِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَهَؤُلَاءِ
الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ هُمُ الصَّابِرُونَ الَّذِينَ يُوَفَّوْنَ أُجُورَهُمْ
بِغَيْرِ حِسَابٍ كَمَا نَحْسَبُهُمْ وَاللهُ حَسِيبُهُمْ. لَقَدْ كَرِهَتْ
أَنْفُسُهُمْ ذُلَّ الدُّنْيَا، فَاشْتَاقَتْ إِلَى كَرَامَةِ الآخِرَةِ، فَسَاقَ
اللهُ إِلَيْهِمْ أَسْبَابَ الشَّهَادَةِ لِيَرْفَعَهُمْ مَقَامًا عَلِيًّا.
فَلَا تَحْزَنُوا
عَلَيْهِمْ، بَلْ احْزَنُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْتُمْ! احْزَنُوا عَلَى قُلُوبٍ
قَسَتْ، وَعَلَى ضَمَائِرَ مَاتَتْ، وَعَلَى أُمَّةٍ غَثَائِيَّةٍ لَا تَضُرُّ
وَلَا تَنْفَعُ. لَقَدْ كَشَفَتْ غَزَّةُ زَيْفَ هَذَا العَالَمِ المُتَحَضِّرِ.
أَيْنَ دُعَاةُ حُقُوقِ الإِنْسَانِ؟ أَيْنَ الَّذِينَ يَتَبَاكَوْنَ عَلَى
حُقُوقِ الحَيَوَانِ وَالبِيئَةِ؟
لَقَدْ
رَأَيْنَاهُمْ يَقِفُونَ مَعَ القَاتِلِ، وَيَمُدُّونَهُ بِالسِّلَاحِ لِيَقْتُلَ
الطِّفْلَ وَالمَرْأَةَ. سَقَطَتِ الأَقْنِعَةُ عَنْ وُجُوهِ الغَرْبِ
وَالشَّرْقِ، وَبَانَتْ الحَقِيقَةُ وَاضِحَةً: لَا قِيمَةَ لِدَمِ المُسْلِمِ
عِنْدَهُمْ. إِنَّهُمْ يَرَوْنَ دِمَاءَنَا رَخِيصَةً مُبَاحَةً، وَلَوْ كَانَ مَا
يَحْدُثُ فِي غَزَّةَ حَدَثَ فِي بَلَدٍ آخَرَ لَقَامَتِ الدُّنْيَا وَلَمْ تَقْعُدْ.
لَكِنَّ اللهَ
أَرَادَ أَنْ يُمَحِّصَ الصُّفُوفَ، ﴿لِيَمِيزَ
اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.
فَلَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَجَالٌ لِلْحِيَادِ؛ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعَ الحَقِّ
وَأَهْلِهِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعَ البَاطِلِ وَخِذْلَانِهِ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ،
إِنَّ الأَلَمَ يَعْتَصِرُ القُلُوبَ،
وَلَكِنَّ اليَأْسَ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ المُؤْمِنِينَ. إِنَّ دِمَاءَ الشُّهَدَاءِ
هِيَ الوَقُودُ الَّذِي سَيُشْعِلُ جَذْوَةَ الإِيمَانِ فِي قُلُوبِ هَذِهِ
الأُمَّةِ النَّائِمَةِ. وَإِنَّ صُمُودَ أَهْلِ غَزَّةَ الأُسْطُورِيَّ هُوَ
رِسَالَةٌ لَنَا جَمِيعًا: أَنَّ العَقِيدَةَ أَقْوَى مِنَ الدَّبَّابَةِ، وَأَنَّ
الرُّوحَ الحُرَّةَ لَا يَقْهَرُهَا حِصَارٌ وَلَا نَارٌ. فَلا تَهِنُوا وَلَا
تَحْزَنُوا، وَثِقُوا بِوَعْدِ اللهِ، فَإِنَّ الفَجْرَ يَنْبَثِقُ مِنْ أَحْلَكِ سَاعَاتِ
اللَّيْلِ ظُلْمَةً.
أَقُولُ قَوْلِي
هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ
مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الحَمْدُ للهِ
رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ المَلْحَمَةِ
وَالمَرْحَمَةِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ،
فَيَا عِبَادَ اللهِ،
إِنَّ البُكَاءَ وَحْدَهُ لَا يَنْفَعُ، وَالتَّعَاطُفَ بِالقَلْبِ
دُونَ عَمَلٍ لَا يَكْفِي. إِنَّ اللهَ سَائِلُكُمْ عَنْ إِخْوَانِكُمْ، فَمَاذَا
أَعْدَدْتُمْ لِلسُّؤَالِ جَوَابًا؟ اعْلَمُوا أَنَّ النُّصْرَةَ مَرَاتِبُ
وَوَاجِبَاتٌ، أَعْلَاهَا وَأَوْجَبُهَا مَا يَلِي:
أَوَّلًا وَقَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ: النُّصْرَةُ بِالنَّفْسِ
وَالْمَالِ (الْجِهَادُ الْحَقِيقِيُّ):
إِنَّ ذِرْوَةَ سَنَامِ الإِسْلَامِ هُوَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ
اللهِ.
أَمَّا بِالنَّفْسِ: فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَ
إِلَيْهِ سَبِيلًا لِدَفْعِ الصَّائِلِ وَحِمَايَةِ المُقَدَّسَاتِ وَنُصْرَةِ
المَظْلُومِ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى الوُصُولِ وَالقِتَالِ دِفَاعًا عَنْ
إِخْوَانِهِ فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّخَلُّفِ، فَالمُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ
لَا يُسْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ.
وَأَمَّا بِالْمَالِ: فَهُوَ شَقِيقُ الجِهَادِ بِالنَّفْسِ، بَلْ
قَدَّمَهُ اللهُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ. ﴿إِنَّ
اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم﴾ [التوبة: 111].
يَا عِبَادَ اللهِ،
إِنْ حِيلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الجِهَادِ بِأَنْفُسِكُمْ، فَلَا
يَحُولَنَّ شَيْءٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ. هَذَا لَيْسَ
تَبَرُّعًا وَلَا صَدَقَةً تَفَضُّلِيَّةً، هَذَا جِهَادٌ وَوَاجِبٌ شَرْعِيٌّ.
إِنَّ أَمْوَالَكُمْ هِيَ الَّتِي تَشْتَرِي الدَّوَاءَ لِلْجَرِيحِ، وَالطَّعَامَ
لِلْجَائِعِ، وَالخَيْمَةَ لِلْمُشَرَّدِ، وَالثَّبَاتَ لِلْمُرَابِطِ. كُلُّ دِينَارٍ
تَبْخَلُ بِهِ هُوَ خِذْلَانٌ لِأَخِيكَ فِي سَاحَةِ المَعْرَكَةِ. ادْفَعُوا
أَمْوَالَكُمْ طِيبَةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ، وَابْحَثُوا عَنِ الطُّرُقِ
المَوْثُوقَةِ لِإِيصَالِهَا، فَهَذَا أَقَلُّ مَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ.
ثَانِيًا: المُقَاطَعَةُ الِاقْتِصَادِيَّةُ الصَّارِمَةُ:
إِنَّهُ لَعَارٌ عَلَى مُسْلِمٍ أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ لِشَرِكَاتٍ
تَدْعَمُ قَتْلَ إِخْوَانِهِ. حَرِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ بَضَائِعَ العَدُوِّ
وَدَاعِمِيهِ. اجْعَلُوهَا عَقِيدَةً رَاسِخَةً؛ "لَنْ أُغَذِّيَ عَدُوِّي
بِمَالِي".
ثَالِثًا: سِلَاحُ الدُّعَاءِ وَالْقُنُوتِ:
لَا تَسْتَهِينُوا بِدَعْوَةِ السَّحَرِ، وَلَا بِقُنُوتِ
النَّوَازِلِ. إِنَّ الدُّعَاءَ سَهْمٌ لَا يُخْطِئُ، وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى
يَدٍ نَقِيَّةٍ وَقَلْبٍ مُوقِنٍ. أَلِحُّوا عَلَى اللهِ أَنْ يَنْصُرَهُمْ
وَيُهْلِكَ عَدُوَّهُمْ.
رَابِعًا: نَشْرُ الوَعْيِ وَعَدَمُ اعْتِيَادِ الْمَشْهَدِ:
كُونُوا أَلْسِنَةَ الحَقِّ الَّتِي تَفْضَحُ إِجْرَامَ العَدُوِّ.
لَا تَمَلُّوا مِنَ الحَدِيثِ عَنْ غَزَّةَ، عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ حُبَّهَا
وَحُبَّ الأَقْصَى.
اللَّهُمَّ يَا
قَوِيُّ يَا مَتِينُ، يَا نَاصِرَ المُسْتَضْعَفِينَ.. اللَّهُمَّ كُنْ
لِلمُسْلِمِينَ فِي غَزَّةَ عَوْنًا وَنَصِيرًا، وَمُؤَيِّدًا وَظَهِيرًا.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ نُصْرَتَهُمْ فَوَفِّقْهُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَمَنْ
خَذَلَهُمْ فَخُذْهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ. اللَّهُمَّ عَلَيْكَ
بِالصَّهَايِنَةِ المُعْتَدِينَ وَمَنْ وَالَاهُمْ. اللَّهُمَّ شَتِّتْ
شَمْلَهُمْ، وَفَرِّقْ جَمْعَهُمْ، وَاجْعَلْ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدًا.
اللَّهُمَّ أَنْزِلِ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَالْهَزِيمَةَ فِي صُفُوفِهِمْ.
اللَّهُمَّ يَا
رَبَّ الجِيَاعِ أَطْعِمْ أَهْلَ غَزَّةَ، وَيَا رَبَّ العُرَاةِ اكْسُهُمْ، وَيَا
رَبَّ الخَائِفِينَ آمِنْهُمْ. اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنَا بِتَقْصِيرِنَا
تُجَاهَهُمْ، وَاسْتَعْمِلْنَا فِي نُصْرَتِهِمْ بِأَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا
وَأَلْسِنَتِنَا، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الخَاذِلِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي
الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ
رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ
للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق