الْفَرْقُ بَيْنَ الفَقِيهِ وَالْأُصُولِيّ
فِي رِحَابِ
الْعُلُومِ الْإِسْلَامِيَّةِ، يَبْرُزُ مُصْطَلَحَانِ يَتَدَاخَلَانِ فِي ذِهْنِ
الْقَارِئِ غَيْرِ الْمُتَخَصِّصِ، وَهُمَا: "الْفَقِيهُ"
وَ "الْأُصُولِيُّ". وَمَعَ أَنَّ الْعِلْمَيْنِ
(الْفِقْهَ وَأُصُولَ الْفِقْهِ) يُمَثِّلَانِ جَسَداً وَاحِداً فِي خِدْمَةِ
الشَّرِيعَةِ، إِلَّا أَنَّ بَيْنَ الْقَائِمِينَ عَلَيْهِمَا فَرْقاً
جَوْهَرِيّاً يُشْبِهُ الْفَرْقَ بَيْنَ صَانِعِ الْأَدَوَاتِ وَمَنْ
يَسْتَخْدِمُهَا، أَوْ بَيْنَ وَاضِعِ الْقَوَانِينِ وَمَنْ يُطَبِّقُهَا فِي
الْمَحَاكِمِ.
v
الْأُصُولِيُّ: وَاضِعُ الْقَوَاعِدِ:
الْأُصُولِيُّ هُوَ الْعَالِمُ الَّذِي يَنْصَبُّ اهْتِمَامُهُ
عَلَى "الْمَنْهَجِ"؛ إِنَّهُ لَا يَبْحَثُ فِي تَفَاصِيلِ الصَّلَاةِ
أَوِ الزَّكَاةِ أَوِ الْمُعَامَلَاتِ، بَلْ يَبْحَثُ فِي الْقَوَاعِدِ
الْكُلِّيَّةِ الَّتِي تَسْبِقُ ذَلِكَ. عَمَلُ الْأُصُولِيِّ يَتَرَكَّزُ فِي
الْإِجَابَةِ عَلَى سُؤَالٍ مِحْوَرِيٍّ: "كَيْفَ نَفْهَمُ النَّصَّ
الشَّرْعِيَّ؟".
فَهُوَ الَّذِي يُقَرِّرُ حُجِّيَّةَ الْأَدِلَّةِ، فَيَبْحَثُ فِي
الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ كَأَدِلَّةٍ عَامَّةٍ،
وَيَضَعُ الضَّوَابِطَ اللُّغَوِيَّةَ وَالْعَقْلِيَّةَ لِاسْتِنْبَاطِ
الْأَحْكَامِ. فَعِنْدَمَا يَضَعُ الْأُصُولِيُّ قَاعِدَةً مِثْلَ: "الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ"،
فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ مِفْتَاحاً ذَكِيّاً لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ، دُونَ أَنْ
يَنْشَغِلَ هُوَ بِذِكْرِ كُلِّ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا هَذَا
الْوُجُوبُ. إِنَّ عَمَلَهُ يَتَّسِمُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالتَّجْرِيدِ،
وَالشُّمُولِ.
v
الْفَقِيهُ: مُسْتَنْبِطُ الْأَحْكَامِ:
أَمَّا
الْفَقِيهُ، فَهُوَ الْعَالِمُ الَّذِي يَأْخُذُ تِلْكَ الْقَوَاعِدَ
وَالْمَفَاتِيحَ الَّتِي صَنَعَهَا الْأُصُولِيُّ لِيَعْمَلَ بِهَا فِي
"مُخْتَبَرِ الْوَاقِعِ". مَوْضُوعُ الْفِقْهِ هُوَ "أَفْعَالُ
الْمُكَلَّفِينَ"، وَالْفَقِيهُ هُوَ مَنْ يَبْحَثُ عَنِ الْحُكْمِ
الشَّرْعِيِّ لِكُلِّ فِعْلٍ جُزْئِيٍّ، فَيَقُولُ: هَذَا حَلَالٌ، وَهَذَا
حَرَامٌ، وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ.
إِذَا كَانَ الْأُصُولِيُّ قَدْ وَضَعَ قَاعِدَةَ "النَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ"، فَإِنَّ
الْفَقِيهَ يَذْهَبُ إِلَى نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ، فَيَجِدُ نَهْياً عَنِ الرِّبَا،
وَنَهْياً عَنِ الْغِشِّ، وَنَهْياً عَنِ الظُّلْمِ؛ فَيُطَبِّقُ الْقَاعِدَةَ
عَلَيْهَا وَيُخْرِجُ لَنَا "الْأَحْكَامَ
الْفِقْهِيَّةِ" الَّتِي تُنَظِّمُ حَيَاةَ النَّاسِ الْيَوْمِيَّةَ.
الْفَقِيهُ هُوَ الَّذِي يُوَاجِهُ الْمُسْتَجِدَّاتِ، وَيُفْتِي فِي
النَّوَازِلِ، وَيُحَوِّلُ النُّصُوصَ الْجَامِدَةَ إِلَى حُلُولٍ حَيَّةٍ
لِمُشْكِلَاتِ الْمُجْتَمَعِ.
v
قِمَمٌ
فِي سَمَاءِ الْعِلْمَيْنِ:
عَلَى مَرِّ
التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ، بَرَزَتْ قَامَاتٌ كُبْرَى تَخَصَّصَتْ فِي هَذَيْنِ
الْعِلْمَيْنِ، بَلْ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ جَمَعَ بَيْنَ الْإِبْدَاعِ فِي
التَّأْصِيلِ وَالْبَرَاعَةِ فِي التَّفْرِيعِ.
يُعَدُّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ أَوَّلَ مَنْ دَوَّنَ عِلْمَ الْأُصُولِ فِي كِتَابِهِ الشَّهِيرِ "الرِّسَالَةِ"، فَكَانَ أَوَّلَ أُصُولِيٍّ وَضَعَ الْمَنْهَجَ، كَمَا كَانَ فَقِيهاً صَاحِبَ مَذْهَبٍ مُسْتَقِلٍّ.
أَمَّا فِي
جَانِبِ الْفُقَهَاءِ، فَنَجِدُ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ (أَبُو حَنِيفَةَ،
وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) الَّذِينَ اسْتَقَرَّتِ
الْمَذَاهِبُ عَلَى آرَائِهِمْ، وَجَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ فُقَهَاءُ كِبَارٌ
طَبَّقُوا تِلْكَ الْأُصُولَ عَلَى وَقَائِعِ الْحَيَاةِ، مِثْلَ الْإِمَامِ
النَّوَوِيِّ، وَابْنِ قُدَامَةَ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ.
v التَّكَامُلُ الْوَظِيفِيُّ:
لَا يُمْكِنُ
لِلْفِقْهِ أَنْ يَسْتَقِيمَ دُونَ أُصُولٍ، كَمَا لَا يُمْكِنُ لِلْأُصُولِ أَنْ
تُثْمِرَ دُونَ فِقْهٍ. فَالْأُصُولِيُّ بِدُونِ فَقِيهٍ كَمَنْ يَصْنَعُ
أَدَوَاتٍ جِرَاحِيَّةً دَقِيقَةً جِدّاً ثُمَّ يَضَعُهَا فِي خِزَانَةٍ دُونَ
أَنْ يُدَاوِيَ بِهَا مَرِيضاً. وَالْفَقِيهُ بِدُونِ أُصُولِيٍّ كَمَنْ يُحَاوِلُ
إِجْرَاءَ عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ بِآلَاتٍ بَدَائِيَّةٍ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى
التَّخَبُّطِ وَالْفَوْضَى فِي فَهْمِ الدِّينِ.
إِنَّ الْأُصُولِيَّ يُمَثِّلُ "الْعَقْلَ
النَّاقِدَ" الَّذِي يَحْمِي الشَّرِيعَةَ مِنَ الِانْحِرَافِ فِي
الْفَهْمِ، بَيْنَمَا يُمَثِّلُ الْفَقِيهُ "الْقَلْبَ
النَّابِضَ" الَّذِي يَرْبِطُ الشَّرِيعَةَ بِحَيَاةِ النَّاسِ
وَمَصَالِحِهِمْ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق