الصفحات

الصفحات

2025-12-29

كتاب { حكاية مؤمن : من فراش الموت إلى رياض الجنّة } الفصل الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من كتاب

 

حكاية مؤمن

من فراش الموت .. إلى رياض الجنّة

 

الفصل الأول :

سكرات الموت وزيارة السماء

 

كتبه الشيخ :

زهير بن حسن حميدات

 

هَا هِيَ شَمْسُ الْعُمْرِ تَجْنَحُ نَحْوَ الْمَغِيب

وَسَفِينَةُ الْأَيَّامِ تَدْنُو مِنْ شَاطِئِ الرَّحِيل

أَنَا الْآنَ هُنَا.. بَيْنَ جُدْرَانِ غُرْفَتِي الَّتِي أَلِفْتُ صَمْتَهَا

وَحَفِظْتُ كُلَّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا

مُسَجًّى عَلَى فِرَاشِي.. ذَاكَ الَّذِي كَانَ مَلَاذَ الرَّاحَةِ بَعْدَ الْعَنَاء

لَكِنَّهُ الْيَوْمَ يَبْدُو لِي كَمَحَطَّةِ انْتِظَارٍ لِقِطَارٍ لَنْ يَعُود

إِنَّهُ الْمَرَض.. الضَّيْفُ الثَّقِيلُ الَّذِي حَلَّ بِسَاحَتِي

مُنْذُ أَيَّامٍ؟ أَمْ مُنْذُ أَسَابِيع؟

لَسْتُ أَدْرِي.. فَقَدْ تَلَاشَى الزَّمَن، وَاخْتَلَطَ اللَّيْلُ بِالنَّهَار

أَتَأَمَّلُ جَسَدِي.. هَذَا الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ قَلْعَةً لِلْفُتُوَّة

كَانَ يَخُوضُ الْمَعَارِك، وَيَطْوِي الْمَسَافَات، وَيُنَاجِي رَبَّهُ دُونَ كَلَل

أَرَاهُ الْيَوْمَ خَاوِيًا، ذَابِلًا، كَغُصْنٍ مَصَّتْهُ رَمْضَاءُ الْهَاجِرَة

أَنْظُرُ إِلَى يَدِي

تِلْكَ الْيَدُ الَّتِي طَالَمَا قَبَضَتْ عَلَى السِّلَاحِ فِي سَبِيلِ الله

وَطَالَمَا امْتَدَّتْ بِالْخَيْرِ لِلْفُقَرَاء

وَارْتَفَعَتْ بِالدُّعَاءِ فِي جَوْفِ الْأَسْحَار

أَرَاهَا الْآنَ تَرْتَعِشُ ضَعْفًا، تَعْجِزُ عَنْ حَمْلِ كُوبِ مَاء

*****

فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ الْفَاصِلَة، دَارَ شَرِيطُ الذِّكْرَيَاتِ كَالْبَرْق

لَيْسَ شَرِيطَ لَهْوٍ وَلَعِب، بَلْ هُوَ كِتَابُ الْحِسَابِ قَبْلَ الْحِسَاب

بَدَأْتُ مُحَاكَمَةَ نَفْسِي قَبْلَ الرَّحِيل

يَا نَفْسِي.. كَمْ مِنَ السَّاعَاتِ أَضَعْتِ؟

كَمْ مِنَ اللَّحَظَاتِ غَفَلْتِ؟

أَهَذِهِ هِيَ النِّهَايَةُ حَقًّا؟ هَلِ انْقَضَتِ الْمُهْلَة؟

كُنْتُ أَسْمَعُ عَنِ الْمَوْتِ كَثِيرًا

شَيَّعْتُ جَنَائِزَ لَا تُحْصَى، وَحَمَلْتُ النُّعُوشَ عَلَى كَتِفِي

وَوَارَيْتُ الْأَحِبَّةَ تَحْتَ الثَّرَى

لَكِنَّنِي لَمْ أَتَخَيَّلْ قَطُّ أَنَّ الدَّوْرَ سَيَأْتِينِي بِهَذِهِ السُّرْعَة

كُنْتُ أُمَنِّي النَّفْسَ أَنَّ فِي الْعُمْرِ بَقِيَّة

وَأَنَّ فِي الْوَقْتِ مُتَّسَعًا لِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ وَإِصْلَاح

وَلَكِنْ.. هَيْهَات! قَضَاءُ اللهِ إِذَا جَاءَ لَا يُرَدّ

*****

أَجَلْتُ بَصَرِي حَوْلِي.. فَرَأَيْتُ وُجُوهَ الْأَحِبَّة

زَوْجَتِي.. رَفِيقَةُ الدَّرْبِ الصَّابِرَةُ الْمُحْتَسِبَة

تَجْلِسُ بِجَانِبِي، تَمْسَحُ عَرَقَ الْجَبِينِ بِمِنْدِيلِهَا الْمُبَلَّل

تُجَاهِدُ لِتُخْفِيَ الدُّمُوع، لَكِنَّ أَنْفَاسَهَا الْمُضْطَرِبَةَ تُبْدِي حُزْنَ الْقَلْب

وَأَبْنَائِي.. فَلِذَاتُ الْكَبِد

يَتَحَلَّقُونَ حَوْلَ السَّرِيرِ كَالْحَيَارَى

أَقْرَأُ فِي عُيُونِهِمْ فَزَعًا لَمْ أَعْهَدْهُ مِنْ قَبْل

خَوْفُ الْيُتْم، وَوَحْشَةُ الْفِرَاق، وَفَقْدُ السَّنَد

تَمَنَّيْتُ لَوْ أَنْهَضُ لِأَضُمَّهُمْ ضَمَّةَ الْوَدَاع

وَدِدْتُ لَوْ أَمْسَحُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ قَائِلًا:

لَا تَخَافُوا.. اللهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكُم

لَكِنَّ الْقِوَى خَانَتْنِي.. وَلَمْ يَبْقَ لِي إِلَّا لُغَةُ الْعُيُون

*****

وَفِي خِضَمِّ هَذَا الْمَشْهَدِ الْمُؤَثِّر، كَانَتْ هُنَاكَ مَعْرَكَةٌ أُخْرَى تَدُورُ فِي الْخَفَاء

مَعْرَكَةٌ لَا يَسْمَعُ صَلِيلَهَا الْأَهْلُ وَلَا الْأَطِبَّاء

إِنَّهُ (عَدُوُّ الله).. الشَّيْطَان!

حَضَرَ اللَّعِينُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْحَرِجَةِ لِيَشُنَّ هُجُومَهُ الْأَخِير

لَقَدْ أَعْيَاهُ إِضْلَالِي فِي حَيَاتِي وَأَنَا فِي كَامِلِ قُوَّتِي _بِفَضْلِ الله_

فَجَاءَ الْيَوْمَ يَقْتَنِصُ فُرْصَةَ الضَّعْفِ وَالْكَرْب

رَاحَ يَقْذِفُ الْوَسَاوِسَ فِي قَلْبِي كَالْحِمَم:

"أَتَتْرُكُ هَذِهِ الدُّنْيَا الْجَمِيلَة؟

أَتَتْرُكُ الْمَالَ الَّذِي أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ فِي جَمْعِه؟

أَتَتْرُكُ أَوْلَادَكَ لِلضَّيَاعِ وَالْفَقْرِ مِنْ بَعْدِك؟"

لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِك، بَلْ حَاوَلَ زَعْزَعَةَ يَقِينِي بِرَحْمَةِ الله

هَمَسَ فِي أُذُنِ رُوحِي:

"لَقَدْ أَذْنَبْتَ كَثِيرًا.. هَيْهَاتَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَك

الْعَذَابُ مَصِيرُك.. لَوْ كَانَ رَبُّكَ رَحِيمًا لَمَا عَذَّبَكَ بِهَذَا الْمَرَض!"

يَا لَهُ مِنْ خَبِيثٍ مَاكِر!

يُرِيدُ أَنْ يُقَنِّطَنِي مِنْ رَحْمَةِ رَبِّي، لِأَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا سَاخِطًا، فَأَخْسَرَ الْمِيزَان

لَكِنَّنِي فِي تِلْكَ اللَّحْظَة، لَمْ أَسْتَنْجِدْ بِبَشَرٍ وَلَا بِدَوَاء

بَلْ اسْتَنْجَدْتُ بِذَخِيرَتِي الَّتِي خَبَّأْتُهَا لِهَذَا الْيَوْم

صَرَخَ يَقِينِي الدَّاخِلِيّ: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوب.. ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك"

فَإِذَا بِجُنُودِ الْحَقِّ تَتَرَاءَى لِي، لِتَسْحَقَ جُنُودَ الْبَاطِل

تَذَكَّرْتُ (الصَّلَاة)

تِلْكَ اللَّيَالِي الْبَارِدَةُ الَّتِي هَجَرْتُ فِيهَا الْفِرَاشَ الدَّافِئَ لِأَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُبْحَانَه

تَذَكَّرْتُ وُضُوئِي بِالْمَاءِ الْبَارِد، وَخُطَايَ فِي الظُّلْمَةِ إِلَى بَيْتِ الله

لَا أَرْجُو إِلَّا وَجْهَهُ وَالْجَنَّة

هَذَا النُّورُ الَّذِي مَشَيْتُ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الدُّنْيَا، جَاءَ الْآنَ لِيُبَدِّدَ ظُلُمَاتِ الْيَأْس

وَتَذَكَّرْتُ (الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ الله).. ذِرْوَةَ سَنَامِ الْإِسْلَام

يَا لَعَظَمَةِ هَذَا الرُّكْنِ فِي هَذِهِ السَّاعَة!

تَذَكَّرْتُ يَوْمَ حَمَلْتُ رُوحِي عَلَى رَاحَتِي

وَخُضْتُ غِمَارَ الْمَوْتِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا

تَذَكَّرْتُ غُبَارَ الْخَنَادِق، وَأَزِيزَ الرَّصَاص

وَخَوْفَ النَّفْسِ الَّذِي قَهَرْتُهُ بِحُبِّ الْوَاحِدِ الْأَحَد

هَلْ يُضَيِّعُ اللهُ عَبْدًا بَاعَ نَفْسَهُ لَه؟ كَلَّا وَرَبِّ الْكَعْبَة!

وَثَبَ (الْجِهَادُ) فِي ذَاكِرَتِي كَالْأَسَدِ الْهَصُور..

يَزْأَرُ فِي وَجْهِ الشَّيْطَان:

"اخْسَأْ يَا عَدُوَّ الله! هَذَا عَبْدٌ بَذَلَ الدَّمَ وَالرُّوح..

فَلَا سَبِيلَ لَكَ الْيَوْمَ عَلَى عَقِيدَتِه"

وَتَذَكَّرْتُ (الْقُرْآن).. أَنِيسَ الْوَحْشَة

كَمْ مِنْ آيَةٍ هَزَّتْ وِجْدَانِي؟

وَكَمْ مِنْ خَتْمَةٍ جَعَلْتُهَا خَالِصَةً لِوَجْهِهِ الْكَرِيم؟!

بَدَأَتِ الْآيَاتُ تَتَرَدَّدُ فِي أُذُنِي..

لَيْسَ بِصَوْتِ قَارِئ، بَلْ بِصَدَى الْإِيمَانِ فِي الْقَلْب

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾

أَلَّا تَخَافُوا مِمَّا هُوَ آت.. وَلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَات

وَتَذَكَّرْتُ (الصَّدَقَاتِ وَالْخَيْرَات)

يَدًا مَسَحْتُ بِهَا عَلَى رَأْسِ يَتِيم، وَدَمْعَةً كَفْكَفْتُهَا عَنْ خَدِّ فَقِيْر

وَدُمُوعًا ذَرَفْتُهَا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ فِي الْخَلَوَات

كُلُّ هَذَا تَجَمَّعَ الْآنَ لِيَنْسِجَ طَوْقَ نَجَاةٍ فِي بَحْرِ الِاحْتِضَارِ الْمُتَلَاطِم

هَدَأَتْ نَفْسِي.. وَاطْمَأَنَّ فُؤَادِي

انْقَشَعَتْ عَنِّي سَحَابَةُ الْوَسَاوِس، وَعَادَ الْيَقِينُ الرَّاسِخ

أَيْقَنْتُ أَنَّ رَبِّي أَرْحَمُ بِي مِنْ أُمِّي الَّتِي وَلَدَتْنِي

*****

الْتَفَتُّ بِعَيْنَيَّ الذَّابِلَتَيْنِ إِلَى أَخِي..

الْجَالِسِ عِنْدَ رَأْسِي يَتْلُو (سُورَةَ يس) بِصَوْتٍ خَاشِع

رَمَقْتُهُ بِنَظْرَةِ شُكْرٍ وَوَدَاع

جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا يَا أَخِي..

لَقَدْ تَرَضَّعْنَا مَعَاً لَبَنَ الْعَقِيدَةِ الصَّافِيَة، وَعِشْنَا عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْجِهَاد

ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى زَوْجَتِي..

وَأَشَرْتُ إِلَيْهَا بِإِصْبَعٍ مُرْتَعِشَةٍ أَنْ تَقْتَرِب

أَدْنَتْ أُذُنَهَا مِنْ فَمِي

جَمَعْتُ شَتَاتَ قُوَّتِي لِأَنْطِقَ بِالْوَصِيَّةِ الْأَخِيرَة

لَمْ تِكُنْ وَصِيَّةَ مَالٍ أَوْ تِجَارَة، فَكُلُّ ذَلِكَ إِلَى زَوَال

قُلْتُ بِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ يَكَادُ لَا يُبِين:

" يَا غَالِيَة.. يَا أُمَّ الْأَبْنَاء..

اللهَ اللهَ فِي الصَّلَاة..

اللهَ اللهَ فِي الْأَوْلَاد.. رَبِّيهِمْ عَلَى مَوَائِدِ الْقُرْآن

وَلَا تَنْسَوْنِي مِنْ صَالِحِ دُعَائِكُمْ..

فَإنِّي مُقْبِلٌ عَلَى سَفَرٍ بَعِيدٍ بِلَا زَادٍ إِلَّا رَحْمَةَ رَبِّي"

بَكَتْ.. فَبَكَيْتُ لِبُكَائِهَا..

سَالَتْ دَمْعَتُهَا عَلَى خَدِّي.. فَانْهَمَرَتْ دُمُوعِي عَلَى يَدِهَا

وَدَاعًا يَا رَفِيقَةَ دَرْبِي..

وَدَاعًا يَا شَرِيكَةَ عُمْرِي..

وَدَاعًا يَا حَبِيبَةَ قَلْبِي..

وَدَاعًا يَا أُمَّ وَلَدِي..

بَعْدَ حَيَاةٍ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ بَيْنَنَا.. هَا نَحْنُ نَفْتَرِق

لَكِنَّهُ فِرَاقٌ مُؤَقَّت.. وَاللِّقَاءُ هُنَاك..

نَعَمْ هُنَاك..

فِي جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين

لَا تَحْزَنِي..

فَأَنَا ذَاهِبٌ إِلَى مَنْ هُوَ أَرْحَمُ بِي مِنْكُمْ جَمِيعًا

غَدًا أَلْقَى رَبِّيَ الْغَفُورَ الرَّحِيم..

غَدًا أَلْقَى الْأَحِبَّة: مُحَمَّدًا وَصَحْبَه

لَا تَبْكُوا عَلَيّ.. بَلِ ادْعُوا لِي بِالثَّبَات

ارْتَفَعَ النَّحِيبُ فِي الْغُرْفَة.. وَسَالَتِ الْعَبَرَات

لَا إِلَهَ إِلَّا الله.. إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَات

*****

وَفَجْأَة..

انْقَلَبَ الْمَشْهَدُ رَأْسًا عَلَى عَقِب

سَرَى بَرْدٌ قَارِسٌ فِي أَطْرَافِي

بَدَأَ مِنْ أَصَابِعِ الْقَدَمَيْن، ثُمَّ زَحَفَ إِلَى السَّاقَيْن

حَاوَلْتُ تَحْرِيكَهُمَا.. فَلَمْ أَسْتَطِع

لَقَدْ مَاتَتِ الْأَطْرَافُ قَبْلَ الْجَسَد!

إِنَّهُ أَمْرُ اللهِ النَّافِذ

ثَقُلَ النَّفَس.. وَضَاقَ الصَّدْر..

كَأَنِّي أَتَنَفَّسُ مِنْ ثُقْبِ إِبْرَة

أَظْلَمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنَيّ

وَتَلَاشَتْ أَصْوَاتُ أَهْلِي..

كَأَنَّهُمْ يَتَحَدَّثُونَ مِنْ خَلْفِ جِدَارٍ سَمِيك

وُجُوهُهُمْ أَصْبَحَتْ أَشْبَاحًا تَتَحَرَّكُ فِي ضَبَاب

*****

لَكِنْ.. فِي مُقَابِلِ هَذَا الظَّلَامِ الْأَرْضِيّ..

لَاحَ فِي الْأُفُقِ نُورٌ لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الدُّنْيَا..

شُعُورٌ غَرِيبٌ مَزَجَ بَيْنَ الرَّهْبَةِ وَالسَّكِينَة

أَدْرَكْتُ أَنَّهَا (سَاعَةُ الْحَقّ)

إِنَّهُ مَلَكُ الْمَوْت.. لَقَدْ وَصَل

خَفَقَ قَلْبِي بِشِدَّة..

لَيْسَ جَزَعًا مِنَ الْمَوْت، بَلْ حَيَاءً مِنَ الله

كَيْفَ سَأَلْقَاه؟ وَبِأَيِّ وَجْهٍ سَأَقِفُ بَيْنَ يَدَيْه؟

نَاجَيْتُهُ فِي سِرِّي:

"يَا رَبِّ.. تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّكَ وَإِنْ عَصَيْتُك..

وَكُنْتُ أُحِبُّ نَبِيَّكَ وَإِنْ قَصَّرْتُ فِي سُنَّتِه..

وَكُنْتُ أُحِبُّ نُصْرَةَ دِينِكَ وَإِنْ كَبَتْ بِيَ الْخُطَى..

اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ حَوْلِي وَقُوَّتِي، وَأَلُوذُ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِك"

اشْتَدَّ النَّزْع.. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاق

صَرَخَ الْأَبْنَاء: أَبِي! أَبِي! رُدَّ عَلَيْنَا!

لَكِنَّنِي كُنْتُ فِي وَاد، وَهُمْ فِي وَادٍ آخَر

لَمْ يَعُدِ الْأَمْرُ مَرَضًا، بَلْ هَدْمًا لِأَرْكَانِ الْجَسَد

إِنَّهَا (سَكَرَاتُ الْمَوْت) الَّتِي أَقْسَمَ اللهُ بِهَا:

﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيد﴾

تَحِيد.. أَيْ تَهْرُبُ وَتَفِرّ

كَمْ فَرَرْتُ مِنْ ذِكْرِهَا! وَهَا هِيَ الْآنَ تَعْتَصِرُنِي اعْتِصَارًا

أَشْعُرُ بِرُوحِي الَّتِي كَانَتْ مُنْبَسِطَةً فِي الْجَسَد، تَنْقَبِضُ وَتَتَجَمَّع

تُسْحَبُ سَحْبًا مِنْ أَطْرَافِ الْأَنَامِل، ثُمَّ الْأَقْدَام، ثُمَّ السَّاقَيْن

كُلُّ مَوْضِعٍ تُغَادِرُهُ الرُّوحُ يَتَحَوَّلُ إِلَى كُتْلَةٍ هَامِدَةٍ بَارِدَة

الْأَلَمُ لَيْسَ مَوْضِعِيًّا، بَلْ هُوَ أَلَمُ اقْتِلَاعِ جُذُورِ الْوُجُود

كَأَنَّ السَّمَاءَ انْطَبَقَتْ عَلَى الْأَرْضِ وَأَنَا بَيْنَهُمَا

أُرِيدُ الصُّرَاخَ فَلَا أَسْتَطِيع

أُرِيدُ التَّنَفُّسَ فَتَتَكَسَّرُ الْأَنْفَاسُ فِي صَدْرِي..

لِتَخْرُجَ فِي حَشْرَجَةٍ مُخِيفَة.. (الْغَرْغَرَة)

*****

فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْفَاصِلَة، اخْتَرَقَ سَمْعِي صَوْتٌ حَبِيب

صَوْتُ ابْنِي..

ابني.. الَّذِي رَبَّيْتُهُ عَلَى مَوَائِدِ الْقُرْآن

أَمْسَكَ كَتِفِي بِقُوَّة، وَقَرَّبَ وَجْهَهُ مِنْ وَجْهِي

كَانَ يَبْكِي، لَكِنَّهُ يُجَاهِدُ لِيُلَقِّنَنِي طَوْقَ النَّجَاة

يَا أَبِي.. يَا أَبِي.. قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله

أَسْأَلُكَ بِاللهِ أَنْ تَقُولَهَا.. قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله

سَمِعْتُهُ بِوُضُوح.. وَعَرَفْتُ أَنَّهَا تَذْكِرَةُ الْعُبُور

جَمَعْتُ إِرَادَتِي لِأَنْطِقَهَا

وَلَكِنْ.. يَا لَهَوْلِ مَا حَدَث!

لِسَانِي.. ذَلِكَ الْعُضْوُ الصَّغِير، أَصْبَحَ أَثْقَلَ مِنْ جَبَلِ أُحُد!

الْتَصَقَ بِسَقْفِ حَلْقِي كَالْخَشَبَةِ الْمُتَيَبِّسَة

وَتَخَشَّبَ فَكِّي كَأَنَّهُ رُبِطَ بِسَلَاسِلَ مِنْ حَدِيد

الْكَلِمَةُ تَدُورُ فِي عَقْلِي، وَتَصْدَحُ فِي قَلْبِي

لَكِنَّهَا تَأْبَى الْخُرُوجَ عَلَى لِسَانِي

*****

عَادَ الشَّيْطَانُ لِيَضْرِبَ ضَرْبَتَهُ الْقَذِرَة

لَا يَكِلُّ وَلَا يَمَلُّ حَتَّى فِي النَّزْعِ الْأَخِير

رَأَيْتُهُ بِبَصِيرَتِي يَقِفُ عِنْدَ قَدَمَيّ، يَنْفُثُ سُمُومَه

"لَا تُتْعِبْ نَفْسَك.. لَنْ تَقْدِرَ عَلَى قَوْلِهَا.. لَقَدْ فَاتَ الْأَوَان

مُتْ عَلَى غَيْرِ الإسْلام.. أَنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّار.. فَاخْتِمْهَا بِالسَّخَط!"

*****

كَادَ الْيَأْسُ أَنْ يَتَسَلَّلَ إِلَى قَلْبِي

نَظَرْتُ إِلَى ابْنِي نَظْرَةَ اسْتِغَاثَة:

سَاعِدْنِي.. لَسْتُ قَادِرًا

فَزَادَ بُكَاءُ ابْنِي، وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِإِلْحَاحٍ وَحُرْقَة

يَا أَبِي.. إِنَّهَا مِفْتَاحُ الْجَنَّة..

قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله..

يَا رَبِّ يَسِّرْ لَه!

وَفِي قِمَّةِ الْعَجْز.. وَحِينَ ظَنَّ الشَّيْطَانُ أَنَّهُ انْتَصَر

تَحَرَّكَتِ الْكَتَائِبُ النُّورَانِيَّةُ الَّتِي أَعْدَدْتُهَا لِمِثْلِ هَذَا الْمِوْقِف

لَمْ يَتْرُكْنِي رَبِّي وَحِيدًا، وَلَمْ يَذْهَبْ عَمَلِي هَبَاءً

سَرَتْ قُوَّةٌ خَفِيَّةٌ فِي عُرُوقِي الْمَيِّتَة

إِنَّهُ (الْجِهَاد)!

حَضَرَ عَمَلِي فِي سَبِيلِ اللهِ كَرُوحٍ تَبُثُّ الْعَزِيمَة

هَتَفَ فِي قَلْبِي:

"يَا عَبْدَ الله.. لَسْتَ جَبَانًا لِتَسْتَسْلِمَ الْيَوْم!

لَقَدْ بِعْتَ نَفْسَكَ للهِ مُنْذُ زَمَن.. وَالْيَوْمَ وَفَاءُ الْعَهْد..

اثْبُتْ كَمَا ثَبَتَّ عِنْدَ اللِّقَاء!"

اشْتَعَلَتْ فِي دَاخِلِي حَمِيَّةُ الْإِيمَان، وَطُرِدَ خَوْفُ الشَّيْطَان

ثُمَّ جَاءَتِ (الصَّلَوَات).. رَكَعَاتُ اللَّيْلِ وَسَجَدَاتُ السَّحَر

جَاءَتْ كَالنُّورِ السَّاطِعِ لِتُذِيبَ الْجَلِيدَ عَنْ لِسَانِي

وَجَاءَ (الْقُرْآن) وَ (الصَّدَقَة) يَمْسَحَانِ عَلَى قَلْبِي:

الْبُشْرَى.. الْبُشْرَى

*****

انْزَاحَ الثِّقَل، وَتَرَاجَعَ الشَّيْطَانُ مَدْحُورًا خَاسِئًا

سَرَى الرِّيقُ فِي حَلْقِي، وَلَانَ الْفَكُّ الْمُتَصَلِّب

رَسَمْتُ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً لَمْ يَلْحَظْهَا غَيْرُ وَلَدِي

جَمَعْتُ كُلَّ ذَرَّةِ إِيمَانٍ فِي قَلْبِي..

وَقُلْتُهَا.. بِبُطْء..

نَعَمْ قُلْتُهَا.. لَكِنْ بِعُمْقٍ يَزِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض

أَشْهَدُ.. أَنْ.. لَا.. إِلَهَ.. إِلَّا.. الله..

تَنَفَّسْتُ الصُّعَدَاءَ كَمَنْ يَتَزَوَّدُ لِلرِّحْلَة، ثُمَّ أَكْمَلْت

.. وَأَشْهَدُ.. أَنَّ.. مُحَمَّدًا.. رَسُولُ.. الله

يَا الله!

مَا إِنْ غَادَرَتِ الْحُرُوفُ فَمِي، حَتَّى غَمَرَ بَرْدُ الْيَقِينِ صَدْرِي

انْطَفَأَتْ نَارُ الْخَوْف، وَهَرَبَ وَحْشُ الْقَلَق

نَزَلَتْ سَكِينَةٌ لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَوَسِعَتْهُم

صَرَخَ ابْنِي فَرَحًا وَبُكَاءً: "قَالَهَا! لقد قَالَهَا!

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَتَمَ لَكَ بِخَيْر!"

ضَجَّتِ الْغُرْفَةُ بِالتَّكْبِيرِ وَالْحَمْد

*****

أَمَّا أَنَا.. فَقَدْ انْقَطَعَتْ صِلَتِي بِهَذَا الْعَالَمِ الصَّاخِب

تَلَاشَتِ الْأَصْوَاتُ كَأَنَّهَا تَأْتِي مِنْ بِئْرٍ عَمِيق

لَمْ أَعُدْ أَرَى السَّقْفَ وَلَا الْوُجُوه

لَقَدْ (انْشَقَّ الْبَصَرُ) عَنْ عَالَمٍ جَدِيد

تَلَاشَتِ الْجُدْرَانُ لِتَفْتَحَ الْمَجَالَ لِزُوَّارٍ جُدُد

رَأَيْتُ أَنْوَارًا تَتَنَزَّلُ مِنَ السَّمَاءِ كَقِطَعِ السَّحَابِ الْأَبْيَض

كَائِنَاتٌ لَيْسَتْ كَالْبَشَر..

جَمَالٌ يَخْطَفُ الْأَبْصَار، وَهَيْبَةٌ تُرْجِفُ الرُّوح

لَقَدْ حَضَرَ (مَلَائِكَةُ الرَّحْمَة)

جَاءُوا يَحْمِلُونَ الْأَمَانَة، وَيَسْتَلِمُونَ الْوَدِيعَة

تَجَمَّعُوا حَوْلِي مَدَّ الْبَصَر، وُجُوهُهُمْ مُشْرِقَة، وَثِيَابُهُمْ بَيْضَاء

مَعَهُمْ شَيْءٌ يَفُوحُ بِعَبَقٍ لَمْ أَشَمَّ مِثْلَهُ قَطّ

هَلْ هَذَا حَنُوطُ الْجَنَّة؟

نَظَرْتُ إِلَيْهِمْ فَلَمْ أَشْعُرْ بِغُرْبَة

بَلْ كَأَنِّي أَعْرِفُهُمْ وَأَنْتَظِرُهُمْ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيد

الْآنَ..

*****

سَكَنَ الْجَسَدُ عَنِ الْحَرَام، وَصَمَتَ اللِّسَانُ عَنِ الْكَلَام

لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَيْنَانِ شَاخِصَتَيْنِ إِلَى هَذَا الْمَوْكِبِ الْمَهِيب

الْتَفَتَ الْمَلَائِكَةُ لِبَعْضِهِمْ يَتَهَامَسُونَ وَالْبَسْمَةُ تَعْلُو وُجُوهَهُم

وَفِي وَسَطِهِمْ.. شَعَرْتُ بِحُضُورِ (السَّيِّد).. مَلَكِ الْمَوْت

لَمْ أَرَهُ بِوُضُوحٍ بَعْد، لَكِنَّ هَيْبَتَهُ مَلَأَتِ الْأَرْجَاء

حَانَتْ لَحْظَةُ نَزْعِ الرُّوح

اسْتَسْلَمْتُ لِقَضَاءِ الله..

وَمَدَدْتُ رُوحِي مُسْتَعِدًّا لِلرَّحِيلِ مَعَ هَؤُلَاءِ الضُّيُوفِ الْكِرَام

*****

بَدَأَ الْعَالَمُ الْأَرْضِيُّ يَتَلَاشَى شَيْئًا فَشَيْئًا

بُكَاءُ الزَّوْجَةِ وَالْأَبْنَاءِ أَصْبَحَ بَعِيدًا، كَأَنَّهُ خَلْفَ جُدْرَانٍ سَمِيكَة

لَمْ أَعُدْ أَعْبَأُ بِهِ، وَلَا يُثِيرُ فِيَّ حَسْرَة

لِأَنَّ مَا أَرَاهُ أَمَامِي قَدْ سَلَبَ اللُّبَّ وَخَطَفَ الْبَصَر

انْشَقَّ سَقْفُ الْغُرْفَةِ فِي نَظَرِي

لَمْ أَعُدْ أَرَى حَدِيدًا وَلَا إِسْمَنْتًا..

بَلْ رَأَيْتُ طَرِيقًا مَفْتُوحًا إِلَى السَّمَاء

وَمِنْ هَذَا الطَّرِيقِ النُّورَانِيّ، تَنَزَّلَتْ أُمَمٌ مِنَ الْمَلَائِكَة

كَأَنَّهُمْ أَسْرَابُ حَمَامٍ أَبْيَض، أَوْ قِطَعُ سَحَابٍ مُضِيء

يَا لَهُ مِنْ جَمَال!

وُجُوهٌ تَتَلَأْلَأُ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَار

نُورٌ لَطِيفٌ يُبْهِجُ الْقَلْبَ وَلَا يُؤْذِي الْعَيْن

اتَّسَعَتِ الْغُرْفَةُ _بِقُدْرَةِ اللهِ_ حَتَّى صَارَتْ أَوْسَعَ مِنَ الصَّحْرَاء

جَلَسُوا حَوْلِي مَدَّ الْبَصَر، عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي

يَنْظُرُونَ إِلَيَّ بِنَظْرَةِ تَوْقِيرٍ وَإِجْلَال

نَعَمْ.. يَنْظُرُونَ إِلَيَّ أَنَا! الْعَبْدُ الْفَقِيرُ الَّذِي ظَنَنْتُ نَفْسِي مَنْسِيًّا

الْآنَ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ تَحْتَفِلُ بِقُدُومِي

بِأَيْدِيهِمْ حَرِيرَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ جَنَّةِ الْخُلْد، وَلَيْسَتْ مِنْ قُمَاشِ الدُّنْيَا

وَمَعَهُمْ آنِيَةٌ تَفُوحُ بِحَنُوطِ الْجَنَّة

رَائِحَةٌ أَنْسَتْنِي رَائِحَةَ الْمُطَهِّرَاتِ وَالْمَوْت

طِيبٌ لَوْ وُضِعَتْ مِنْهُ قَطْرَةٌ عَلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ رَيْحَانًا

تَأَمَّلْتُهُمْ بِرُوحِي.. مَنْ أَنْتُمْ؟ وَلِمَاذَا جِئْتُمْ؟

كَأَنَّهُمْ سَمِعُوا خَاطِرِي، فَتَبَسَّمَ أَحَدُهُمْ قَائِلًا:

"نَحْنُ زُوَّارُك، وَخُدَّامُكَ الْيَوْم

كُنْتَ تَخْدِمُ دِينَ اللهِ بِجِهَادِكَ وَصَلَاتِك

وَالْيَوْمَ سَخَّرَنَا اللهُ لِإِكْرَامِك"

تَحَقَّقَ وَعْدُ الله:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَة﴾

صَدَقَ اللهُ، وَصَدَقَ الْمُرْسَلُون

*****

وَفِي قِمَّةِ هَذا الْمَشْهَدِ الْمَهِيْبِ وذِرْوَته..

سَادَ صَمْتٌ مُطْبِق..

خَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِحُضُورِ مَلَكِ الْمَوْتِ واقْتِرَابِهِ مِنِّي

كُنْتُ أَتَخَيَّلُهُ مُرْعِبًا قَاسِيَ الْمَلَامِح

لَكِنْ مَا رَأَيْتُهُ الْآنَ كَذَّبَ ظُنُونِي

رَأَيْتُ مَلَكًا يَمْلَأُ الْأُفُقَ هَيْبَةً وَوَقَارًا، دُونَ إِرْعَاب

مَشَى بَيْنَ الصُّفُوفِ حَتَّى جَلَسَ عِنْدَ رَأْسِي

جِلْسَةَ الطَّبِيبِ الْمُشْفِق، أَوِ الْأَبِ الْحَنُون

انْتَظَرْتُ.. هَلْ سَيُوَبِّخُنِي عَلَى ذُنُوبِي؟

اقْتَرَبَ مِنْ أُذُنِي..

وَتَكَلَّمَ بِصَوْتٍ لَيْسَ كَأَصْوَاتِ الْبَشَر

صَوْتٌ رَقِيقٌ نَدِيٌّ يَنْفُذُ إِلَى أَعْمَاقِ الرُّوح

يَحْمِلُ الْبِشَارَةَ الَّتِي انْتَظَرْتُهَا عُمْرِي كُلَّه

خَاطَبَ رُوحِيَ الْقَابِعَةَ فِي صَدْرِي الْمُتْعَب:

"يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَة.."

تَوَقَّفَ قَلِيلًا لِيُطْرِبَ سَمْعِي بِكَلِمَةِ (الطَّيِّبَة)

ثُمَّ أَكْمَلَ: "... كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّب.."

شَهَادَةُ طَهَارَةٍ لِجَسَدِي!

جَسَدِي الَّذِي أَظْمَأْتُهُ بِالصِّيَام، وَأَتْعَبْتُهُ بِالْقِيَام، وَغَبَّرْتُهُ فِي سَبِيلِ الله

زَكَّاهُ اللهُ الْيَوْمَ عَلَى لِسَانِ مَلَكِه

ثُمَّ جَاءَ الْأَمْرُ بِالْخُرُوج

"... اخْرُجِي حَمِيدَة.. اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَان، وَرَبٍّ رَاضٍ غَيْرِ غَضْبَان"

رَبٌّ رَاضٍ غَيْرِ غَضْبَان؟!

كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ كَالْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الْكَبِدِ الْعَطْشَى

إِذَنْ قُبِلْت!

وَلَمْ يَضِعْ جِهَادِي وَلَا صَلَاتِي هَبَاءً

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَة.. اخْرُجِي إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَان

مَا إِنْ سَمِعَتْ رُوحِي النِّدَاء، حَتَّى اشْتَاقَتْ لِلْخُرُوج

لَمْ تَعُدْ تُرِيدُ الْبَقَاءَ فِي هَذَا الْجَسَدِ الضَّيِّق

وَلَمْ تَعُدْ تَهْتَمُّ بِأَهْلٍ وَلَا وَلَد

أَصْبَحَتْ تَتَوَثَّبُ لِلِقَاءِ الرَّبِّ الرَّحِيم

بَدَأَ نَزْعُ الرُّوحِ سَلِسًا، عَلَى غَيْرِ مَا كُنْتُ أَخْشَى

شُعُورٌ بِالْغَرَابَةِ وَالِانْفِصَال، لَكِنْ بِلَا أَلَم

صَدَقَ وَصْفُ النَّبِيِّ ﷺ:

((تَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِيِّ السِّقَاء))

كَقَطْرَةِ مَاءٍ انْسَابَتْ مِنْ فَمِ قِرْبَةٍ بِنُعُومَة

هَكَذَا انْسَابَتْ رُوحِي

خَرَجَتْ مِنَ الْقَدَمَيْن، فَالرُّكْبَتَيْن، ثُمَّ الْبَطْنِ وَالصَّدْر

حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى الْحُلْقُوم

*****

أَلْقَيْتُ النَّظْرَةَ الْأَخِيرَةَ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا

زَوْجَتِي تَصْرُخ، ابْنِي يُقَبِّلُ يَدِي وَيَنْتَحِب، ابْنَتِي تَكْتُمُ شَهَقَاتِهَا

إِخْوَانِي وَأَخَوَاتِي يُحِيطُونَ بِي يَرْجُونَ لِيَ الثَّبَات

أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُمْ:

"لَا تَبْكُوا.. أَنَا فِي نَعِيم! لَوْ تَرَوْنَ مَا أَرَى لَفَرِحْتُمْ"

لَكِنَّ الصَّوْتَ انْقَطَع، وَالْحَبْلَ انْبَتّ

*****

خَرَجَتِ الرُّوحُ كَامِلَة.. وَصَارَتْ فِي يَدِ مَلَكِ الْمَوْت

جَسَدِي الْآنَ جُثَّةٌ هَامِدَةٌ عَلَى السَّرِير، شَاخِصُ الْبَصَر، مَفْتُوحُ الْفَم

أَمَّا أَنَا الآنَ (الرُّوح)..

حُرٌّ طَلِيقٌ بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الْمَلَكِ الْكَرِيم

لَمْ يَتْرُكُونِي فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْن

تَلَقَّفَتْنِي مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِشَوْقٍ وَلَهْفَة

وَضَعُونِي فِي الْكَفَنِ السَّمَاوِيّ، وَلَفُّونِي بِحَنُوطِ الْجَنَّة

فَاحَتْ مِنْ رُوحِي رَائِحَةٌ هِيَ أَطْيَبُ رَائِحَةِ مِسْكٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْض

مَزِيجٌ مِنْ رَائِحَةِ الصِّيَام، وَدِمَاءِ الْجِهَاد، وَغُبَارِ الْمَسَاجِد

هَلَّلَ الْمَلَائِكَةُ وَكَبَّرُوا:

"اللهُ أَكْبَر.. مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيح!"

أَنَا الْآنَ مُكَفَّنٌ بِكَفَنِ الْجَنَّة، مَحْمُولٌ عَلَى أَكُفِّ الْمَلَائِكَة

مُسْتَعِدٌّ لِأَغْرَبِ وَأَجْمَلِ رِحْلَةٍ فِي الْوُجُود

انْتَهَى زَمَانُ الْأَلَم، وَبَدَأَ زَمَانُ التَّشْرِيف

سَأَرْتَقِي الآنَ إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي الْخَلْقُ وَيَبْقَى الْخَالِق

وَمِنْ هُنَا.. بَدَأَتْ رِحْلَةُ الْخُلُود

*****

وَدَّعْتُ الْأَرْض..

تِلْكَ الْكُرَةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي عِشْتُ فِيهَا سِنِينَ عَدَدًا

أَرَاهَا تَصْغُرُ تَحْتَ قَدَمَيَّ شَيْئًا فَشَيْئًا

لَسْتُ أَطِيرُ بِجَنَاحَيْن، بَلْ مَحْمُولٌ عَلَى أَكُفِّ الرَّاحَة الْمَلَائِكِيَّة

شُعُورٌ بِالْخِفَّةِ الْمُطْلَقَة.. لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِلُغَةِ الْبَشَر

تَخَلَّصْتُ مِنْ ثِقَلِ الطِّين وَأَوْجَاعِ الْجَسَد

لَا أَلَمَ مَفَاصِل، لَا صُدَاع، لَا ضِيقَ تَنَفُّس

كُلُّ ذَلِكَ بَقِيَ مَعَ الْجُثَّةِ الْمُسَجَّاةِ هُنَاك

أَمَّا (أَنَا).. الرُّوحُ الْحَقِيقِيَّة..

فَأَنَا فِي رَيْعَانِ الشَّبَابِ وَقِمَّةِ الْقُوَّة

مُلَفَّعٌ بِحَرِيرِ الْجَنَّة

أَعْبَقُ بِعِطْرٍ يَصْعَقُ أَهْلَ الْأَرْضِ مِنْ طِيبِه

انْطَلَقَ الْمَوْكِبُ يَشُقُّ عَنَانَ السَّمَاء

نَمُرُّ بَيْنَ السَّحَاب، وَنَتَجَاوَزُ الرِّيَاح

الْفَضَاءُ يَعِجُّ بِأُمَمٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا الله

مَا مَرَرْنَا بِمَلَأٍ مِنْهُمْ إِلَّا وَتَوَقَّفُوا إِجْلَالًا لِلْمَوْكِب

شَمُّوا الرَّائِحَةَ الزَّكِيَّةَ فَتَسَاءَلُوا بِدَهْشَة:

"مَا هَذِهِ الرُّوحُ الطَّيِّبَة؟

لِمَنْ هَذِهِ الرِّيحُ الْعَطِرَة؟"

فَيَرُدُّ حَمَلَتِي بِفَخْرٍ وَاعْتِزَاز:

"هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَان..

الْمُصَلِّي.. الصَّائِم.. الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الله.. التَّالِي لِكِتَابِ الله"

يُسَمُّونَنِي بِـ (أَحْسَنِ أَسْمَائِي) الَّتِي كُنْتُ أُحِبُّهَا فِي الدُّنْيَا

يَا الله.. كَمْ كَانَ اسْمِي مَغْمُورًا فِي الْأَرْض!

لَمْ يَعْرِفْنِي كُبَرَاء، وَلَمْ تَذْكُرْنِي فَضَائِيَّات، وَلَمْ يَحْتَفِلْ بِي أَحَد

أَمَّا الْيَوْم.. فَاسْمِي يَتَرَدَّدُ فِي أَرْجَاءِ السَّمَاوَاتِ كَالْبُشْرَى      

الآنَ عَرَفْتُ مَعْنَى:

(خَامِلُ الذِّكْرِ فِي الْأَرْض.. مَشْهُورٌ فِي السَّمَاء)

*****

وَصَلْنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا..

حِصْنٌ مَنِيع، وَأَبْوَابٌ مُغْلَقَة، وَحُرَّاسٌ شِدَاد

طَرَقَ كَبِيرُ الْمَلَائِكَةِ الْبَاب..

نَادَى الْحَارِسُ: "مَنْ هَذَا؟"

قِيلَ: "هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَان" (بِأَطْيَبِ الْأَسْمَاء)

فَهَتَفَ الْحَارِسُ مُرَحِّبًا:

"مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَة.. كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّب.. نِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَت"

فُتِحَتِ لَنا الْأَبْوَاب.. يَا لَهُ مِنْ مَشْهَد!

رَأَيْتُ مِنْ نُورِهَا وَبَهَائِهَا مَا تَعْجِزُ عَنْهُ لُغَةُ الْبَشَر

وَلَيْسَ ذَلِكَ فَحَسْب.. بَلْ حَصَلْتُ عَلَى تَشْرِيفٍ مَلَكِيّ

خَرَجَ (مُقَرَّبُو) كُلِّ سَمَاءٍ لِيُشَيِّعُونِي إِلَى الَّتِي تَلِيهَا

تَخَيَّلْ مَوْكِبًا يَنْضَمُّ إِلَيْهِ سَادَةُ كُلِّ سَمَاءٍ وَوُجَهَاؤُهَا!

أَنَا الْعَبْدُ الْمُقَصِّر، يَحُفُّنِي هَؤُلَاءِ الْأَطْهَار؟!

كُلُّهُ بِفَضْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَرَحْمَةِ رَبِّي

صَعِدْنَا لِلثَّانِيَةِ فَاسْتُفْتِحَ لِي، وَرُحِّبَ بِي

ثُمَّ الثَّالِثَة.. فَالرَّابِعَة..

وَفِي كُلِّ سَمَاءٍ يَزْدَادُ النُّورُ وَالْهَيْبَة

رَأَيْتُ الْأَنْبِيَاءَ فِي طَرِيقِي

لَكِنَّ شَوْقِي الْأَكْبَرَ كَانَ لِلْغَايَةِ الْعُظْمَى

كُنْتُ مُتَلَهِّفًا لِسَمَاعِ الْحُكْمِ النِّهَائِيّ

*****

وَصَلْنَا إِلَى (السَّمَاءِ السَّابِعَة)

حَيْثُ يَنْتَهِي عِلْمُ الْخَلَائِق، وَتَقِفُ الْعُقُول

عِنْدَ (سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) الَّتِي يَغْشَاهَا مِنَ النُّورِ مَا يَغْشَاهَا

وَقَفَ بِيَ الْمَلَائِكَةُ فِي مَقَامِ الْقُرْب

شَعَرْتُ أَنِّي بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ الْحَقِّ سُبْحَانَه

خَشَعَتِ الْأَصْوَات، وَوَجِلَتِ الْقُلُوب

الْكُلُّ يَنْتَظِرُ الْكَلِمَةَ الْفَصْلَ مِنْ رَبِّ الْعِزَّة

جَاءَ النِّدَاءُ الْعُلْوِيُّ الْجَلِيل.. صَوْتُ الْكِبْرِيَاءِ وَالرَّحْمَة

((اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّين، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْض))

((فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى))

((اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّين)).. هَلْ تَعْلَمُونَ مَا عِلِّيُّوْن؟

لَقَدْ صَدَرَ الْقَرَار: أَنَا مِنَ الْأَبْرَار!

فَعِلِّيُّونَ مَرْتَبَةٌ لَا يَدْخُلُ سِجِلَّهَا إِلَّا الْمُقَرَّبُون

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾

تَمَّ الْخَتْمُ الْأَبَدِيُّ بِالسَّعَادَة

لَا شَقَاء، وَلَا خَوْف، وَلَا نَارَ بَعْدَ الْيَوْم

كِدْتُ أَطِيرُ فَرَحًا فَوْقَ طَيَرَانِي

لَكِنْ..

جَاءَ الشَّطْرُ الثَّانِي: ((وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْض))

لِمَاذَا يَا رَبّ؟ لِمَاذَا أَعُودُ لِلظُّلْمَةِ وَالضِّيقِ بَعْدَ هَذَا النُّور؟

لَكِنَّهُ أَمْرُ اللهِ وَحِكْمَتُه

يَجِبُ أَنْ يَعُودَ الْجَسَدُ لِلتُّرَاب

وَتَعُودَ الرُّوحُ لِتَشْهَدَ الْمُسَاءَلَةَ الْأَخِيرَة

لِيَكْتَمِلَ الْعَدْل، وَتَقُومَ الْحُجَّة

لِأَسْمَعَ قَرْعَ نِعَالِ أَهْلِي وَهُمْ يُغَادِرُون، فَأُدْرِكَ قِيمَةَ أُنْسِي بِالله

*****

هَبَطَ بِيَ الْمَلَائِكَةُ فَوْرًا.. هُبُوطًا أَسْرَعَ مِنَ الصُّعُود

مَرَرْنَا بِالسَّمَاوَاتِ نَزُولًا، وَقَلْبِي مُعَلَّقٌ بِعِلِّيِّين

عُدْنَا إِلَى الْأَرْض.. إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي خَرَجْتُ مِنْه

لَكِنَّ الْوَضْعَ هُنَاكَ تَغَيَّر

انْتَهَى الصُّرَاخ، وَبَدَأَ الْجِدّ

جَسَدِي جُرِّدَ مِنْ ثِيَابِهِ الدُّنْيَوِيَّة، وَوُضِعَ عَلَى خَشَبَةِ الْغُسْل

الْمُغَسِّلُ يُقَلِّبُ أَعْضَائِيَ الْهَامِدَةَ يَمِينًا وَشِمَالًا

رُوحِي الْعَائِدَةُ تُرَاقِبُ عَنْ قُرْب، وَتَسْمَعُ مَا يُقَال

آخِرُ حَمَّام، وَآخِرُ لِبَاسٍ (كَفَنٌ بِلَا جُيُوب)

كُنْتُ أَنْظُرُ لِلْمُغَسِّلِ وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ وَالسِّدْر، وَأَوَدُّ لَوْ أَقُولُ لَه:

"رِفْقًا بِالْجَسَدِ يَا أَخِي.. فَقَدْ كَانَ يُسَارِعُ فِي مَرْضَاةِ الله

رِفْقًا بِيَدٍ جَاهَدَتْ، وَقَدَمٍ قَامَتِ اللَّيْل"

لَكِنِّي الْآنَ فِي عَالَمِ الْبَرْزَخ

أَسْمَعُ ثَنَاءَ النَّاسِ:

"مَا شَاءَ الله.. وَجْهُهُ مُنِير.. مُبْتَسِم.. لَيِّنُ الْأَطْرَاف"

زَادَتْنِي كَلِمَاتُهُمْ بَهْجَة

لِأَنَّهَا شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَرْضِ وَافَقَتْ شَهَادَةَ السَّمَاء

انْتَهَى التَّجْهِيز..

أَصْبَحَ جَسَدِي طَاهِرًا، مُعَطَّرًا بِالْكَافُور، مَلْفُوفًا بِالْبَيَاض

تَسَاوَيْتُ مَعَ الْمُلُوكِ وَالصَّعَالِيكِ فِي هَذَا اللِّبَاسِ الْمُوَحَّد

لَا يُمَيِّزُنَا إِلَّا مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَهُ الْعَمَل

أُذِنَ لِلنَّاسِ بِنَظْرَةِ الْوَدَاع..

جَاءَ الْأَحْبَابُ وَالْأَصْحَاب، وُجُوهُهُمْ شَاحِبَة، وَعُيُونُهُمْ مُحْمَرَّة

صَدِيقُ الْمَسْجِدِ يَقِفُ مَذْهُولًا:

"سُبْحَانَ مَنْ قَهَرَ الْعِبَادَ بِالْمَوْت.. بِالْأَمْسِ كُنْتَ مَعَنَا، وَالْيَوْمَ أَنْتَ خَبَر"

وَجَارِي يَمْسَحُ دَمْعَةً فَرَّتْ مِنْ عَيْنِه

أَبْنَائِي حَالُهُمْ يُفَطِّرُ الْقَلْب..

نَظَرْتُ إِلَيْهِمْ بِإِشْفَاقٍ لَا بِحَسْرَة:

"يَا بُنَيَّ.. لَوْ عَلِمْتَ أَيْنَ أَنَا وَمَاذَا جُهِّزَ لِي، لَسَجَدْتَ شُكْرًا لله"

*****

جَاءَتِ اللَّحْظَةُ الْحَاسِمَة.. حُمِلْتُ عَلَى النَّعْش

مَرْكَبَةُ الْآخِرَةِ الَّتِي يَرْكَبُهَا كُلُّ إِنْسَانٍ مَرَّةً وَاحِدَة

رَفَعَنِي الرِّجَالُ عَلَى الْأَكْتَاف

شَعَرْتُ بِهَزَّةِ النَّعْش

وَكَانَتْ رُوحِي تُرَفْرِفُ فَوْقَهُ أَوْ تَتَمَسَّكُ بِأَطْرَافِهِ فِي عَالَمِ الْغَيْب

خَرَجُوا بِي مِنْ بَابِ الدَّار.. الْعَتَبَةُ الَّتِي عَبَرْتُهَا آلَافَ الْمَرَّات

أَجْتَازُهَا الْيَوْمَ لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ.. بِلَا عَوْدَة

وَدَّعْتُ الْجُدْرَانَ الَّتِي سَمِعَتْ تِلَاوَتِي، وَالسَّجَّادَةَ الَّتِي بَلَّلَتْهَا دُمُوعِي

وَدَاعًا أَيَّتُهَا الدَّارُ الْفَانِيَة.. إِلَى الدَّارِ الْبَاقِيَة

انْطَلَقَ الْمَوْكِبُ إِلَى الْمَسْجِد، وَتَسَارَعَتِ الْخُطُوَات

أَصَابَنِي شَوْقٌ عَارِمٌ وَحَمَاسٌ لَا يُوصَف

رَأَيْتُ مَقْعَدِي فِي الْجَنَّة، وَأَنَا مُتَّجِهٌ لِبَوَّابَةِ الْوُصُولِ (الْقَبْر) لِأَبْدَأَ النَّعِيم

صَرَخْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي الرُّوحَانِيّ:

"قَدِّمُونِي.. قَدِّمُونِي!"

أَسْرِعُوا بِي! لِمَاذَا تَمْشُونَ بِبُطْء؟

أَمَامِي رَبٌّ غَفُور، وَرَيْحَانٌ يَفُوح، وَحُورٌ يَنْتَظِرْنَ

لَا تُؤَخِّرُونِي عَنْ مَوْعِدِ السَّعَادَة!

كَادَ النَّعْشُ يَطِيرُ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِ رُوحِي

لَعَلَّهُمْ شَعَرُوا بِخِفَّةِ الْجَنَازَةِ وَقَالُوا:

"سُبْحَانَ الله، مَا أَخَفَّه! كَأَنَّهُ يَطِير!"

*****

وَصَلْنَا الْمَسْجِد.. أُنْزِلَ النَّعْشُ فِي الْمِحْرَاب

تِلْكَ الْبُقْعَةُ الَّتِي طَالَمَا سَجَدَتْ جَبْهَتِي عَلَى تُرَابِهَا

اصْطَفَّ الْمُسْلِمُونَ خَلْفِي..

كَمْ وَقَفْتُ أُصَلِّي عَلَى غَيْرِي، وَالْيَوْمَ يُصَلَّى عَلَيّ

"الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ يَرْحَمُكُمُ الله"

كَبَّرَ الْإِمَام..

لَا رُكُوعَ وَلَا سُجُود، لِأَنَّهَا صَلَاتِي أَنَا

صَلَاةُ وَدَاعٍ قَصِيرَة، تُشْبِهُ قِصَرَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

كَأَنَّ الْعُمْرَ كَانَ مَا بَيْنَ (أَذَانِ الْوِلَادَة) وَ (إِقَامَةِ صَلَاةِ الْجَنَازَة)

شَعَرْتُ بِدَعَوَاتِ الْمُصَلِّينَ تَنْهَمِرُ كَالْمَطَرِ الْبَارِد:

"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْه.. عَافِهِ وَاعْفُ عَنْه.. أَكْرِمْ نُزُلَه.. وَسِّعْ مُدْخَلَه"

تَحَوَّلَتِ الدَّعَوَاتُ إِلَى ضِيَاءٍ يُحِيطُ بِكَفَنِي

وَلَمْ يَكُنِ الْمُصَلُّونَ بَشَرًا فَقَط!

رَأَيْتُ أَرْوَاحًا مَلَائِكِيَّةً تُؤَمِّنُ: "آمِين.. آمِين"

فَمَا ظَنُّكَ بِعَبْدٍ دَعَا لَهُ أَهْلُ الْأَرْضِ وَأَمَّنَ أَهْلُ السَّمَاء؟!

*****

انْتَهَتِ الصَّلَاة..

وَحُمِلْتُ إِلَى الْمَحَطَّةِ الْأَخِيرَة.. (الْمَقْبَرَة)

الْخُطُوَاتُ تَتَسَارَع

وَأَنَا أَسْتَعْجِلُهُمْ: قَدِّمُونِي.. قَدِّمُونِي!

رَأَيْتُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ مَفْتُوحَةً فَوْقَ قَبْرِي تَنْتَظِرُ اللِّقَاء

تَرَاءَتْ لِي مَشَاهِدُ أَعْمَالِي

نَظَرْتُ لِقَدَمِي فِي الْكَفَن، فَتَذَكَّرْتُ خُطَاهَا فِي الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ وَالْقِيَام

أَبْشِرِي يَا قَدَمِي.. حَانَ وَقْتُ الرَّاحَة

وَنَظَرْتُ لِيَدِي، فَتَذَكَّرْتُ صَدَقَاتِهَا وَجِهَادَهَا وَمُصَافَحَتَهَا لِلْإِخْوَان

كُلُّ عُضْوٍ كَانَ يَشْهَدُ لِي وَيُبَشِّرُنِي

وَصَلْنَا بَابَ الْمَقْبَرَة: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِين"

دَخَلْنَا بَيْنَ الْقُبُور.. صَمْتٌ مُهِيب

هُنَا يَرْقُدُ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَاد، الْمُلُوكُ وَالْخَدَم.. الْكُلُّ تَحْتَ التُّرَاب

لَكِنَّ قَبْرِي بَدَا مُخْتَلِفًا

رَأَيْتُ نُورًا يَنْبَعِثُ مِنْ دَاخِلِ الْحُفْرَةِ الَّتِي يَرَاهَا النَّاسُ مُظْلِمَة

الْمَلَائِكَةُ فَرَشُوهَا بِالْحَرِيرِ وَالْإِسْتَبْرَق

لَمْ تَكُنْ حُفْرَة، بَلْ بَوَّابَةً لِعَالَمٍ فَسِيح

أُنْزِلَ النَّعْش، وَجَاءَ الْأَحِبَّةُ لِيَضَعُونِي فِي اللَّحْد

لَحْظَةٌ يَرْتَجِفُ لَهَا الْحَيُّ وَيَبْكِي الْقَوِيّ

لَكِنِّي قُلْتُ بِلِسَانِ الْحَال:

"لَا تَرْتَجِفُوا.. سَلِّمُونِي لِرَبِّي الرَّحِيم"

أَنْزَلُونِي فِي بَطْنَ الْأَرْض: "بِسْمِ اللهِ.. وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله"

وُضِعْتُ عَلَى جَنْبِيَ الْأَيْمَن، مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَة

فُكَّتِ الْأَرْبِطَة، وَكُشِفَ عَنْ وَجْهِي لِيُلَامِسَ خَدِّيَ التُّرَاب

يَا لَهُ مِنْ شُعُور!

خَدِّي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِي، تَوَاَضُعًا للهِ وَذُلًّا لِعَظَمَتِه

بَدَأُوا بِوَضْعِ اللَّبِنِ (حِجَارَةِ السَّقْف) فَوْقِي

تَلَاشَى النُّورُ الْأَرْضِيُّ حَجَرًا تِلْوَ حَجَر، حَتَّى أُغْلِقَتِ الْفَتْحَةُ تَمَامًا

صِرْتُ فِي ظَلَامٍ دَامِسٍ بِمَقَايِيسِ الدُّنْيَا

سَمِعْتُ صَوْتَ التُّرَابِ يَنْهَالُ فَوْقِي:

((مِنْهَا خَلَقْنَاكُم.. وَفِيهَا نُعِيدُكُم.. وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى))

انْتَهَى الدَّفْن

وَقَفَ الْمُشَيِّعُونَ يَدْعُونَ

ثُمَّ بَدَأَتِ الْمُغَادَرَة

سَمِعْتُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ يَبْتَعِد

ذَهَبُوا.. وَتَرَكُونِي وَحِيدًا

لَا زَوْجَةَ تُؤْنِس، وَلَا وَلَدَ يَخْدِم، وَلَا مَالَ يَنْفَع

أَنَا وَحْدِي تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى

لَقَدْ بَدَأَتِ (الْحَيَاةُ الْبَرْزَخِيَّة)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق