2026-02-17

{ همسة في أذن تارك الصلاة } خطبة الجمعة للشيخ زهير بن حسن حميدات

من خطب الشيخ :

زهير بن حسن حميدات

خطبة الجمعة

هَمْسَةٌ فِي أُذُنِ تَارِكِ الصَّلَاة

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الصَّلَاةَ صِلَةً بَيْنَ الْعَبْدِ وَمَوْلَاه، وَمِعْرَاجًا تَرْقَى بِهِ الْأَرْوَاحُ إِلَى عَالَمِ الْقُرْبِ وَالنَّجَاة. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَتَحَ أَبْوَابَهُ لِلطَّارِقِين، وَبَسَطَ يَدَهُ لِلتَّائِبِين، وَنَادَى الْمُدْبِرِينَ أَنْ هَلُمُّوا إِلَى رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِين. أَحْمَدُهُ -سُبْحَانَه- حَمْدَ مَنْ ذَاقَ لَذَّةَ الْمُنَاجَاةِ فَلَمْ يَشْبَعْ مِنْهَا أَبَدَا، وَوَجَدَ فِي السُّجُودِ رَاحَةً لَا تُعَادِلُهَا رَاحَةٌ فِي الدُّنْيَا سَرْمَدَا.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، إِلَهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِين، وَقَيُّومُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِين، الَّذِي يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُنَادِي: (هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَه؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَه؟).

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، إِمَامُ الْخَاشِعِين، وَسَيِّدُ الْعَابِدِين، الَّذِي كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاة، وَكَانَتْ قُرَّةُ عَيْنِهِ وَرَاحَةُ قَلْبِهِ فِي الصَّلَاة. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ كَانَتْ جِبَاهُهُمْ لَا تَمَلُّ مِنَ السُّجُود، وَدُمُوعُهُمْ فِي الْمَحَارِيبِ تَجْرِي كَالْأَنْهَارِ على الْخُدُود، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْخُلُود.

أَمَّا بَعْدُ،

فَيَا عِبَادَ اللَّه..

يَا مَنْ خَلَقَكُمُ اللَّهُ لِعِبَادَتِه، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة.

إِنَّ حَدِيثِي الْيَوْمَ لَيْسَ عَنْ أَحْكَامِ الْفِقْهِ وَتَفْرِيعَاتِ الْمَسَائِل، بَلْ حَدِيثِي الْيَوْمَ هُوَ "رِسَالَةُ قَلْبٍ إِلَى قَلْب".. هِيَ هَمْسَةُ مُشْفِق، وَدَمْعَةُ مُحِبّ، وَعِتَابٌ لِمسكينٍ طَالَ ابْتِعَادُهُ عَنْ بَابِ مَوْلَاه.

أُوَجِّهُ كَلَامِي الْيَوْمَ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ طَيِّبِ الْقَلْب، صَاحِبِ النَّخْوَةِ وَالْمُرُوءَة، الَّذِي يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه، وَلَكِنَّهُ لَا يُصَلِّي!

إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْعَفِيفَة، الَّتِي فِيهَا خَيْرٌ كَثِيرٌ وَبِرٌّ وَإِحْسَان، وَلَكِنَّهَا قَطَعَتْ صِلَتَهَا بِالصَّلَاة!

إِلَى الشَّابِّ الَّذِي نَرَاهُ فِي الْمَوَاقِفِ شَهْمًا كَرِيمًا، بَارًّا بِوَالِدَيْه، وَلَكِنَّ جَبْهَتَهُ لَمْ تَتمرغ في التُّرَابِ خشوعاً لِلَّه!

إِلَيْكَ أَنْتَ يَا مسكين.. يَا مَنْ تَسْمَعُ الْأَذَانَ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْم، فَيَتَحَرَّكُ فِي قَلْبِكَ شَيْءٌ مِنَ الْأَلَمِ وَالْحَسْرَة، لَكِنَّكَ تَبْقَى فِي مَكَانِك، وَتُؤَجِّل، وَتُسَوِّف، حَتَّى يَمْضِيَ الْيَوْمُ تِلْوَ الْيَوْم، وَأَنْتَ فِي قَطِيعَةٍ مَعَ رَبِّكَ مُنْذُ سَنَوَات.

إِلَيْكَ أَتَحَدَّثُ الْيَوْم، لَا لِأَجْرَحَك، وَلَا لِأَفْضَحَك، بَلْ لِأَمْسَحَ عَلَى قَلْبِك، وَأَسْأَلَكَ سُؤَالًا وَاحِدًا بِصِدْق:

أَلَمْ يَأْنِ لِهَذَا الْقَلْبِ أَنْ يَخْشَع؟ أَلَمْ تَشْتَقْ لِلَّه؟

يَا مسكين..

هَلْ جَلَسْتَ مَعَ نَفْسِكَ وَسَأَلْتَهَا يَوْمًا: مَا هِيَ هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي أَتَهَرَّبُ مِنْهَا دَائِمًا؟

هَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ -الْغَنِيَّ عَنْ كُلِّ شَيْء- يُرِيدُ مِنْكَ مُجَرَّدَ حَرَكَاتٍ رِيَاضِيَّة؟ قِيَامًا وَجُلُوسًا وَانْحِنَاءً لَا رُوحَ فِيه؟

حَاشَا لِلَّه!

الصَّلَاةُ -يَا مسكين- هِيَ "لِقَاء".

نَعَمْ، هِيَ مَوْعِدٌ خَاصٌّ جِدًّا، ضَرَبَهُ مَلِكُ الْمُلُوكِ لَكَ أَنْتَ شَخْصِيًّا، لِيَسْمَعَ صَوْتَك، وَيَقْضِيَ حَاجَتَك، وَيَكْشِفَ كُرْبَتَك، وَيَغْفِرَ ذَنْبَك.

تَخَيَّلْ مَعِي لَوْ أَنَّ ملِكًا مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا، أَوْ مَسْؤولًا كَبِيرًا بِيَدِهِ مَقَالِيدُ الْأُمُور، أَرْسَلَ إِلَيْكَ دَعْوَةً خَاصَّةً لِتَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي قَصْرِه، وَيَقُولَ لَك: "تَعَالَ إِلَيَّ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْم، فِي أَوْقَاتٍ مُحَدَّدَة، اطْلُبْ مَا شِئْتَ وَسَأُعْطِيك".

بِاللَّهِ عَلَيْك، هَلْ كُنْتَ تَتَأَخَّر؟ هَلْ كُنْتَ تَتَعَذَّرُ بِالنَّوْمِ أَوِ الْعَمَلِ أَوِ كَثْرَةِ الْمَشَاغِل؟

كَلَّا وَاللَّه! لَطِرْتَ إِلَيْهِ فَرَحًا وَسُرُورًا، وَلَوَقَفْتَ عِنْدَ بَابِهِ قَبْلَ الْمَوْعِدِ بِسَاعَات، وَلَتَجَهَّزْتَ بِأَحْسَنِ الثِّيَابِ وَأَطْيَبِ الرِّيَاح.

هَذَا مَلِكٌ بَشَر، مَخْلُوقٌ ضَعِيف، لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، وَقَدْ يَمُوتُ غَدًا..

فَكَيْفَ بِرَبِّ الْعَالَمِين؟! كَيْفَ بِمَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء؟!

هُوَ يَدْعُوكَ خَمْسَ مَرَّات.. يَقُولُ لَكَ فِي الْأَذَان: "حَيَّ عَلَى الْفَلَاح".

أَتَدْرِي مَا مَعْنَى "حَيَّ عَلَى الْفَلَاح"؟

أَيْ: أَقْبِلْ يَا عَبْدِي إِلَى سَعَادَتِك، أَقْبِلْ إِلَى نَجَاحِك، أَقْبِلْ إِلَى رَاحَتِك. تَعَالَ لِأُزِيلَ عَنْ كَاهِلِكَ هُمُومَ الدُّنْيَا الَّتِي أَتْعَبَتْك.

وَأَنْتَ تَقُولُ بِفِعْلِكَ وَإِعْرَاضِك: "لَا يَا رَبّ، أَنَا مَشْغُول"!

مَشْغُولٌ بِمَاذَا يَا ابْنَ آدَم؟ بِنِعْمَةٍ هُوَ أَعْطَاكَ إِيَّاهَا؟

تَشْغَلُكَ الزَّوْجَةُ الَّتِي هُوَ رَزَقَكَ إِيَّاهَا؟ يَشْغَلُكَ الْعَمَلُ الَّذِي هُوَ يَسَّرَهُ لَك؟ تَشْغَلُكَ الصِّحَّةُ الَّتِي هُوَ وَهَبَهَا لَك؟

يَا لَلْعَجَب! كَيْفَ تَسْتَعِينُ بِنِعَمِهِ عَلَى مُقَاطَعَتِه؟! كَيْفَ تَنْشَغِلُ بِالرِّزْقِ عَنِ الرَّزَّاق؟!

يَا تَارِكَ الصَّلَاة..

أَنْتَ تُغَذِّي جَسَدَكَ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْم، وَتَحْرِصُ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْحِرْص. لَوْ جُعْتَ يَوْمًا وَاحِدًا لَشَعَرْتَ بِالْهَلَاكِ وَطَلَبْتَ الطَّعَامَ بِأَيِّ ثَمَن.

وَلَكِنَّ "رُوحَكَ" تَتَضَوَّرُ جُوعًا، وَتَصْرُخُ عَطَشًا مُنْذُ سَنَوَات، وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ بِأَنِينِهَا!

الصَّلَاةُ هِيَ أُكْسِجِينُ الرُّوح، هِيَ الْغِذَاءُ السَّمَاوِيُّ الَّذِي لَا حَيَاةَ لِلْقَلْبِ إِلَّا بِه.

لِهَذَا السَّبَبِ أَنْتَ تَشْعُرُ بِذَلِكَ "الضِّيقِ" الْمُبْهَمِ فِي صَدْرِك.

لِهَذَا تَشْعُرُ بِتِلْكَ "الْوَحْشَةِ" الْمُخِيفَةِ وَلَوْ كُنْتَ وَسْطَ الضَّحِكَاتِ وَالْأَصْحَاب.

لِهَذَا السَّبَبِ تُحِسُّ بِأَنَّ الدُّنْيَا -رَغْمَ رَحَابَتِهَا- كَأَنَّهَا خُرْمُ إِبْرَة.

هَذَا هُوَ "اخْتِنَاقُ الرُّوح"!

الرُّوحُ كَائِنٌ عُلْوِيّ، جَاءَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّه، وَغِذَاؤُهَا التَّوَاصُلُ مَعَ اللَّه. فَإِذَا قَطَعْتَ عَنْهَا هَذَا الِاتِّصَال، ذَبُلَتْ، وَاخْتَنَقَتْ، وَعَاشَتْ فِي عَمَاءٍ وَتِيه.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكَا.

الضَّنْكُ: هُوَ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ النَّفْسِيَّة، حَتَّى لَوْ كُنْتَ تَمْلِكُ مَلَايِينَ الدَّنَانِير، وَتَسْكُنُ فِي أَفْخَمِ الْقُصُور.

وَاللَّهِ إِنَّ فِي الْقَلْبِ شَعَثًا لَا يَلُمُّهُ إِلَّا الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّه، وَفِيهِ وَحْشَةً لَا يُزِيلُهَا إِلَّا الْأُنْسُ بِهِ فِي الْخَلْوَة، وَفِيهِ حُزْنًا لَا يُذْهِبُهُ إِلَّا السُّرُورُ بِمَعْرِفَتِه.

أَلَا تَشْتَاقُ لِأَنْ تَضَعَ جَبْهَتَكَ عَلَى الْأَرْضِ وَتَبُثَّ شَكْوَاكَ لِمَنْ يَمْلِكُ حَلَّهَا؟

أَلَا تَشْتَاقُ لِلَحْظَةِ سُجُودٍ صَادِقَةٍ تَغْسِلُ بِهَا هُمُومَ سِنِينَ مَضَت؟ أَلَا تَشْتَاقُ لِأَنْ تَقُولَ "يَا رَبّ" فَيَسْمَعَك؟

يَا مسكين..

أَعْلَمُ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَهْمِسُ فِي أُذُنِكَ دَائِمًا بِأَعْذَارٍ كَثِيرَةٍ لِيَمْنَعَكَ مِنَ السُّجُود. منها:

الْعُذْرُ الْأَوَّل: "أَنَا قَلْبِي أَبْيَض، وَالدِّينُ مُعَامَلَة، وَأَهَمُّ شَيْءٍ النِّيَّة"

تَقُول: أَنَا لَا أَسْرِق، وَلَا أَكْذِب، وَلَا أُؤْذِي أَحَدًا، وَقَلْبِي نَظِيف.. إِذَنْ اللَّهُ رَاضٍ عَنِّي حَتَّى لَوْ لَمْ أُصَلِّ!

يَا مِسْكِين! مَنْ قَالَ لَكَ إِنَّ حُسْنَ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْخَلْقِ يُغْنِي عَنْ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْخَالِق؟

هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ بَارًّا بِأَصْدِقَائِكَ وَزُمَلَائِك، وَلَكِنَّكَ "عَاقٌّ" لِأَبِيكَ وَأُمِّك، تَضْرِبُهُمَا وَتَطْرُدُهُمَا؟ هَلْ سَيَقُولُ النَّاسُ عَنْكَ "مُحْتَرَم"؟

طَبْعًا لَا! بَلْ سَيَقُولُونَ عَنْكَ أَسْوَأَ الصِّفَات.

وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى.. كَيْفَ تَكُونُ جَيِّدًا مَعَ النَّاس، وَمَقْطُوعَ الصِّلَةِ بِمَنْ خَلَقَكَ وخلق الناس، وَرَزَقَكَ ورزق الناس، وَكَسَاك وكسا الناس؟ والذي سيميتك كما أمات قبلك الملايين من الناس.

ثُمَّ إِنَّ أَنْقَى الْبَشَرِ قَلْبًا، وَأَطْهَرَهُمْ سَرِيرَةً، وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، مُحَمَّدًا ﷺ، كَانَ يُصَلِّي حَتَّى تَتَوَرَّمَ قَدَمَاه!

هَلْ قَلْبُكَ أَنْظَفُ مِنْ قَلْبِهِ؟ حَاشَا وَكَلَّا.

لَوْ كَانَ بَيَاضُ الْقَلْبِ يُعْفِي مِنَ الصَّلَاة، لَأُعْفِيَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.

الْعُذْرُ الثَّانِي: "أَنَا ذُنُوبِي كَثِيرَة.. أَسْتَحِي أَنْ أَقِفَ أَمَامَ اللَّهِ وَأَنَا مُلَطَّخٌ بِالْمَعَاصِي"

هَذِهِ خُدْعَةُ الشَّيْطَانِ الْكُبْرَى! يُرِيدُ أَنْ يُقْنِعَكَ أَنَّكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ "مَلَاكًا" قَبْلَ أَنْ تُصَلِّي.

يَا مسكين، الصَّلَاةُ جُعِلَتْ لِتَغْسِلَ الذُّنُوب، وَلَيْسَتْ جَائِزَةً لِلَّذِينَ بِلَا ذُنُوب.

هَلْ يَقُولُ الْإِنْسَان: "أَنَا مُتَّسِخٌ جِدًّا، لِذَلِكَ لَنْ أَسْتَحِمَّ حَتَّى أُنَظِّفَ نَفْسِي"؟!

هَذَا مَنْطِقٌ مَعْكُوس! أَنْتَ تَسْتَحِمُّ لِكَيْ تَكون نظيفاً، وَكَذَلِكَ تُصَلِّي لِكَيْ تَكون طاهراً.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّات، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْء؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْء. قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْس، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا».

تَعَالَ بِذُنُوبِك، تَعَالَ بِخَطَايَاك، تَعَالَ بِضَعْفِك.. الصَّلَاةُ هِيَ الْمُسْتَشْفَى، وَأَنْتَ الْمَرِيض، فَلَا تَهْرُبْ مِنَ الدَّوَاءِ وَالطَّبِيب.

الْعُذْرُ الثَّالِث: "سَأُصَلِّي لَمَّا أَكْبَر، أَوْ لَمَّا يَهْدِينِي اللَّه"

وَمَنْ أَعْطَاكَ عَهْدًا أَنَّكَ سَتَعِيشُ حَتَّى تَكْبَر؟

الْمَقَابِرُ يَا مسكين مَلِيئَةٌ بِشَبَابٍ كَانُوا يَقُولُون: "غَدًا سَأَتُوب".

الْمَوْتُ لَا يَسْتَأْذِن، وَلَا يَعْرِفُ سِنًّا، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ صَغِيرٍ وَكَبِير.

أَمَّا قَوْلُكَ "لَمَّا يَهْدِينِي اللَّه"، فَاعْلَمْ أَنَّ الْهِدَايَةَ لَا تَهْبِطُ عَلَيْكَ وَأَنْتَ نَائِمٌ فِي سَرِيرِك. الْهِدَايَةُ تَحْتَاجُ إِلَى خُطْوَةٍ مِنْك.

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا.

خُذْ خُطْوَةً نَحْوَ الْمَسْجِد، وَسَتَرَى كَيْفَ يَفْتَحُ اللَّهُ لَكَ أَبْوَابَ الرَّحْمَة.

تَخَيَّلْ مَعِي يَا مسكين هَذَا الْمَشْهَد، وَأَرْعِنِي سَمْعَ قَلْبِكَ قَبْلَ أُذُنِك..

تَخَيَّلْ أَنَّكَ الْآنَ.. الْآنَ فِي هَذِهِ اللَّحْظَة، جَاءَكَ مَلَكُ الْمَوْت.

انْتَهَى الْوَقْت. سَقَطَ الْهَاتِفُ مِنْ يَدِك، بَرَدَتْ أَطْرَافُك، شَخَصَ بَصَرُك، وَتَوَقَّفَ نَبْضُك.

الْأَصْوَاتُ حَوْلَكَ تَبْتَعِد.. صُرَاخُ الْأَهْل، بُكَاءُ الْأَحِبَّة.. كُلُّ هَذَا يَتَلَاشَى شَيْئًا فَشَيْئًا.

ثُمَّ حُمِلْتَ عَلَى الْأَكْتَاف، وَأُدْخِلْتَ ذَلِكَ الْبَيْتَ الْمُظْلِمَ الضَّيِّق.. "الْقَبْر".

أُغْلِقَ عَلَيْكَ الْبَاب، وَانْصَرَفَ النَّاس، وَبَقِيتَ وَحِيدًا مَعَ عَمَلِك.

أَتَدْرِي مَا هُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَتَتَمَنَّاهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَة؟

هَلْ سَتَتَمَنَّى أَنْ تَعُودَ لِتَجْمَعَ مَالًا وَتَبْنِيَ قَصْرًا؟ هَلْ سَتَتَمَنَّى أَنْ تَعُودَ لِتُكْمِلَ سَهْرَةً مَعَ الْأَصْحَاب؟

لَا وَاللَّه!

سَتَصْرُخُ مِنْ كُلِّ قَلْبِك: "رَبِّ ارْجِعُون، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا".

سَتَتَمَنَّى دَقِيقَةً وَاحِدَةً فَقَطْ لِتَسْجُدَ فِيهَا سَجْدَةً وَاحِدَةً لِلَّه.

سَجْدَةً وَاحِدَةً فَقَطْ تَمْرَغُ فِيهَا وَجْهَكَ فِي التُّرَابِ نَدَمًا وَذُلًّا.. لَكِنْ هَيْهَات!

"خُتِمَ عَلَى الْعَمَل".

أَوَّلُ مَا سَتُسْأَلُ عَنْهُ فِي قَبْرِكَ وَيَوْمَ عَرْضِكَ هُوَ الصَّلَاة.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاة، فَإِنْ صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِه، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِه».

تَخَيَّلْ أَنْ تَفْشَلَ فِي الِاخْتِبَارِ الْأَوَّل! تَخَيَّلْ أَنْ يَنْظُرَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَلَا يَجِدَ فِي صَحِيفَتِكَ صَلَاة!

يَا مسكين.. أَنْتَ الْآنَ فَوْقَ الْأَرْض، وَالْفُرْصَةُ بَيْنَ يَدَيْك. الْبَابُ مَفْتُوح، وَالرَّبُّ كَرِيم، وَالْعَوْدَةُ سَهْلَة.

لَا تَنْتَظِرْ حَتَّى تَكُونَ تَحْتَ التُّرَاب، فَتَتَمَنَّى مَا لَا يُمْكِنُ إِدْرَاكُه.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَنَا وَاللَّهِ مُشْفِقٌ عَلَيْك، مُحِبٌّ لَك.

أُرِيدُ لَكَ النَّجَاة، أُرِيدُ لَكَ الرَّاحَة، أُرِيدُ لَكَ أَنْ تَذُوقَ حَلَاوَةَ الْقُرْبِ مِنَ اللَّه.

عُدْ إِلَى رَبِّك.. عُدْ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُك، وَيَفْرَحُ بِعَوْدَتِكَ أَشَدَّ الْفَرَح.

أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَة:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِه، وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَات، وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُون. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، الْوَدُودُ الرَّحِيم، الَّذِي يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَار، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْل. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، الرَّحْمَةُ الْمُهْدَاة، وَالنِّعْمَةُ الْمُسْدَاة.

أَمَّا بَعْدُ،

فَيَا عِبَادَ اللَّه..

يَا مَنْ لَانَ قَلْبُهُ الْآن، وَتَحَرَّكَتْ فِيهِ لَوَاعِجُ الشَّوْقِ إِلَى اللَّه..

قَدْ تَقُولُ لِي: "يَا شَيْخ، أَنَا أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّي، وَلَكِنِّي أَشْعُرُ بِثِقَل، أَوْ أَخَافُ أَنْ أَلْتَزِمَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَتْرُك، فَأَكُونُ مُنَافِقًا".

إِلَيْكَ هَذِهِ الْهَمْسَاتِ الْمُشْفِقَة:

أَوَّلًا: لَا تُفَكِّرْ كَثِيرًا.. انْطَلِقْ فَقَط!

الشَّيْطَانُ يُرِيدُكَ أَنْ تُفَكِّرَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالصُّعُوبَاتِ لِيُثَبِّطَك. لَا تُفَكِّر!

بِمُجَرَّدِ أَنْ تَنْتَهِيَ الْخُطْبَة، قُمْ فَتَوَضَّأ. الْمَاءُ الْبَارِدُ عَلَى وَجْهِكَ سَيُطْفِئُ نَارَ الْغَفْلَة. وَقِفْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فَقَط.

قُلْ لَهُ فِيهِمَا: "يَا رَبّ، أَنَا عُدْتُ إِلَيْك، فَاقْبَلْنِي، وَأَعِنِّي، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي".

ثَانِيًا: أَنْتَ تَتَعَامَلُ مَعَ "الْوَدُود"

اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَالْبَشَر الذين يَلُومُونَكَ إِذَا غِبْتَ عَنْهُمْ طَوِيلًا.

اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- إِذَا أَقْبَلْتَ عَلَيْهِ، فَرِحَ بِكَ فَرَحًا عَظِيمًا.

فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيّ: «وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَة».

اللَّهُ يَنْتَظِرُكَ بِشَوْق، فَلَا تَتَرَدَّد. لَا تَقُلْ "أَنَا مُنَافِق". الْمُنَافِقُ لَا يَقْلَقُ عَلَى نِفَاقِه، أَمَّا خَوْفُكَ هَذَا فَهُوَ دَلِيلُ صِدْقِ إِيمَانِك.

ثَالِثًا: الصُّحْبَةُ الصَّالِحَة

ابْحَثْ عَنْ صَدِيقٍ يُصَلِّي. تَمَسَّكْ بِه. قُلْ لَهُ: "خُذْ بِيَدِي، اتَّصِلْ بِي وَقْتَ الصَّلَاة". الذِّئْبُ يَأْكُلُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَة، وَالشَّيْطَانُ يَسْتَفْرِدُ بِالْوَحِيد.

رَابِعًا: صَلِّ وَإِنْ أَذْنَبْت

لَوْ عُدْتَ لِلْمَعَاصِي، إِيَّاكَ أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاة.

الصَّلَاةُ هِيَ الْحَبْلُ الْمتين بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّه، فَلَا تَقْطَعْه.

إِذَا أَذْنَبْتَ أَلْفَ مَرَّة، صَلِّ أَلْفَ مَرَّة. الصَّلَاةُ سَتَنْهَاكَ يَوْمًا مَا عَنِ الذَّنْب، لَكِنَّ الذَّنْبَ لَا يَجِبُ أَنْ يَنْهَاكَ عَنِ الصَّلَاة.

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَر.

يَا رَبّ.. يَا مَنْ تَرَى مَكَانَنَا، وَتَسْمَعُ كَلَامَنَا، وَتَعْلَمُ سِرَّنَا وَنَجْوَانَا.

نَحْنُ عَبِيدُكَ الضُّعَفَاء، أَتَيْنَاكَ تَائِبِين، نَادِمِين، مُنْكَسِرِين.

اللَّهُمَّ يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِك.

اللَّهُمَّ ارْزُقْ كُلَّ تَارِكٍ لِلصَّلَاةِ تَوْبَةً نَصُوحًا قَبْلَ الْمَوْت.

اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِهِم، وَكَرِّهْ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَان.

اللَّهُمَّ أَذِقْهُمْ حَلَاوَةَ السُّجُود، وَلَذَّةَ الْخُشُوع، وَبَرْدَ الْيَقِين.

اللَّهُمَّ يَا رَبَّنَا.. لَا تَقْبِضْ أَرْوَاحَنَا إِلَّا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا، غَيْرَ غَضْبَان.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُقِيمِينَ لِلصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّاتِنَا، رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا مَضَى، وَأَعِنَّا عَلَى مَا بَقِي.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ قُرَّةَ أَعْيُنِنَا فِي الصَّلَاة، كَمَا جَعَلْتَهَا لِحَبِيبِكَ الْمُصْطَفَى.

اللَّهُمَّ يَا وَاسِعَ الْمَغْفِرَة، اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَات.

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صرخة الحق وفجيعة الدم { نداء عاجل إلى أهلنا في بيت أمر }

بسم الله الرحمن الرحيم صَرْخَةُ الْحَقِّ وَفَجِيعَةُ الدَّم نِدَاءٌ عَاجِلٌ إِلَى أَهْلِنَا فِي بَلْدَةِ بَيْت أُمَّر كَتَبَهُ الشَّيْ...