2025-11-12

الْعَجْزُ عَنِ الْوَاجِبِ لَا يُبِيحُ ارْتِكَابَ الْمُحَرَّمِ

الْعَجْزُ عَنِ الْوَاجِبِ لَا يُبِيحُ ارْتِكَابَ الْمُحَرَّمِ

كتبه: الشيخ زهير بن حسن حميدات

·       مُقَدِّمَةٌ: الْمَبْدَأُ الْأُصُولِيُّ الْجَامِعُ:

تَرْتَكِزُ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ عَلَى مَبْدَأٍ رَاسِخٍ فِي التَّكْلِيفِ، يَرَى فِيهِ الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ حَاجِزًا مَنِيعًا دُونَ الِانْزِلَاقِ إِلَى الْحَرَامِ بِحُجَّةِ الْعَجْزِ عَنِ الْوَاجِبِ. هَذَا الْمَبْدَأُ يَتَجَلَّى فِي قَاعِدَةِ "الْعَجْزُ عَنِ الْوَاجِبِ لَا يُبِيحُ ارْتِكَابَ الْمُحَرَّمِ". وَلِبَيَانِ عُمْقِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَشُمُولِهَا، يَلْزَمُنَا مُقَارَنَةُ تَطْبِيقَاتِهَا فِي سِيَاقَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ: الْفُرُوعِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْأُصُولِ التَّشْرِيعِيَّةِ.

·       أَوَّلًا: الْقَاعِدَةُ فِي فُرُوعِ الْأَحْكَامِ (بَابُ الْإِعْفَافِ):

تَتَجَلَّى الْقَاعِدَةُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّخْصِيَّةِ مِنْ خِلَالِ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الزَّوَاجِ وَالزِّنَا. فَالْأَصْلُ الشَّرْعِيُّ هُوَ الزَّوَاجُ، وَهُوَ الطَّرِيقُ الْمَشْرُوعُ لِتَحْقِيقِ الْعِفَّةِ وَإِشْبَاعِ الْغَرِيزَةِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَقَدْ يَصِيرُ وَاجِبًا.

إِذَا عَجَزَ الشَّخْصُ عَنْ تَحْقِيقِ هَذَا الْوَاجِبِ أَوْ الْمُسْتَحَبِّ الْأَصْلِيِّ (لِفَقْرٍ، أَوْ عَدَمِ قُدْرَةٍ جَسَدِيَّةٍ، أَوْ مَا شَابَهَ)، فَإِنَّ هَذَا الْعَجْزَ لَا يُبِيحُ لَهُ مُطْلَقًا اِرْتِكَابَ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ الْمُقَابِلِ وَهُوَ الزِّنَا. فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ: "مَا دُمْتُ لَمْ أَجِدِ الطَّرِيقَ الْمَشْرُوعَ، فَأَبَاحَ لِيَ الْعَجْزُ الْغَيْرَ مَشْرُوعِ".

بَلْ إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَتْرُكْهُ دُونَ بَدِيلٍ؛ فَقَدْ وَجَّهَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْبَدِيلِ الشَّرْعِيِّ وَالرِّيَاضَةِ الرُّوحِيَّةِ الْمُنَاسِبَةِ، وَهِيَ الصَّوْمُ، قَائِلًا: ((وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)). وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَغْزَى هُوَ أَنَّ الْعَجْزَ عَنِ الْوَاجِبِ لَا يُسْقِطُ حُرْمَةَ الْمُحَرَّمِ، بَلْ يَدْفَعُ إِلَى الْبَدِيلِ الْمَشْرُوعِ.

·       ثَانِيًا: الْقَاعِدَةُ فِي أُصُولِ الْأَحْكَامِ (بَابُ الْحُكْمِ وَالتَّشْرِيعِ):

تَتَجَلَّى الْقَاعِدَةُ نَفْسُهَا عَلَى مُسْتَوَى الدَّوْلَةِ وَالسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَالْحُكْمِ بِالْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ. فَالْأَصْلُ الْعَظِيمُ وَالْوَاجِبُ الْأَكْبَرُ عَلَى الْحَاكِمِ هُوَ الْحُكْمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَهُوَ أَسَاسُ التَّشْرِيعِ فِي دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ.

إِذَا اِدَّعَى حَاكِمٌ أَوِ دَوْلَةٌ الْعَجْزَ عَنْ تَطْبِيقِ الشَّرِيعَةِ بِشَكْلٍ كَامِلٍ (لِضُغُوطٍ دَوْلِيَّةٍ، أَوْ جَهْلٍ بِالْأَحْكَامِ، أَوْ صُعُوبَاتٍ فِي الْوَاقِعِ)، فَإِنَّ هَذَا الْعَجْزَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَبَدًا أَنْ يَكُونَ مُسَوِّغًا لِتَبَنِّي أَوْ تَحْكِيمِ الْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ الَّتِي تُعَارِضُ نُصُوصَ الشَّرْعِ وَتُسْتَبْدَلُ بِهَا. فَتَحْكِيمُ الْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ كَنِظَامٍ بَدِيلٍ عَنِ الشَّرْعِ هُوَ الْمُحَرَّمُ الْأَكْبَرُ فِي هَذَا الْبَابِ.

وَبَدِيلُ الْعَجْزِ هُنَا لَيْسَ الِانْزِلَاقَ لِلْحَرَامِ، بَلْ هُوَ بَذْلُ الْجُهْدِ وَتَحْقِيقُ الْوَاجِبِ قَدْرَ الِاسْتِطَاعَةِ. عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَعْمَلَ بِقَاعِدَةِ: "مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ جُلُّهُ"، فَيُطَبِّقُ الْجُزْءَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَيَعْمَلُ عَلَى إِزَالَةِ مَوَانِعِ الْبَقِيَّةِ، دُونَ الِاعْتِرَافِ بِنِظَامٍ تَشْرِيعِيٍّ مُضَادٍّ.

·       الْخُلَاصَةُ الْجَامِعَةُ: وَحْدَةُ الْمَنْهَجِ فِي التَّكْلِيفِ:

تُثْبِتُ الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَحْدَةَ الْفَلْسَفَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي مُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيَاتِ. فَكَمَا أَنَّ الْمَكْلَفَ فَرْدًا لَا يُعْفَى مِنْ وُجُوبِ الْعِفَّةِ بِعَجْزِهِ عَنِ الزَّوَاجِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَا يُعْفَى مِنْ وُجُوبِ التَّحْكِيمِ بِالشَّرْعِ بِعَجْزِهِ عَنِ التَّطْبِيقِ الْكَامِلِ.

فَحُرْمَةُ الْحَرَامِ مُطْلَقَةٌ لَا تَرْتَفِعُ بِالْعَجْزِ عَنِ الْوَاجِبِ، وَالْعَجْزُ فِي مَنْظُورِ الشَّرِيعَةِ يُوجِبُ الِانْتِقَالَ إِلَى الْبَدِيلِ الشَّرْعِيِّ الْمُخَفَّفِ (كَالصَّوْمِ وَبَذْلِ الْوُسْعِ) وَلَيْسَ الِانْزِلَاقَ إِلَى الْحَرَامِ الْأَصْلِيِّ. وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَضَبْطِهَا لِحَرَكَةِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ.

وَاللَّهُ أَعْلَمُ

لَا تَنْسَوْنَا مِنْ صَالِحِ دُعَائِكُم


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صرخة الحق وفجيعة الدم { نداء عاجل إلى أهلنا في بيت أمر }

بسم الله الرحمن الرحيم صَرْخَةُ الْحَقِّ وَفَجِيعَةُ الدَّم نِدَاءٌ عَاجِلٌ إِلَى أَهْلِنَا فِي بَلْدَةِ بَيْت أُمَّر كَتَبَهُ الشَّيْ...