المِلَّةُ الإِبْرَاهِيمِيَّةُ بَيْنَ
الثَّبَاتِ وَالتَّمَايُزِ
الخطيب: الشيخ زهير بن حسن حميدات.
الدولة والبلد: فلسطين، الخليل،
صوريف.
تاريخ الخطبة: 7/جمادى الثانية/1447هـ
(28/11/2025م).
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: سُنَنُ
الصِّرَاعِ وَأَصْلُ الْمِلَّةِ:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْأَكْوَانَ بِإِتْقَانٍ،
وَأَبْدَعَ الْأَزْمَانَ بِإِحْسَانٍ، وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ بِبُرْهَانٍ.
نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا وَافِرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا
يَمْلَأُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَيُضِيءُ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ.
نَسْتَعِينُهُ عَلَى تَصْرِيفِ الْقُلُوبِ وَتَصْحِيحِ الذُّنُوبِ،
وَنَسْتَغْفِرُهُ مِنْ كُلِّ خَطِيئَةٍ نَتَقَاعَسُ عَنْهَا، وَكُلِّ مَعْصِيَةٍ
نَتَغَافَلُ عَنْ شَأْنِهَا. وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا الَّتِي
تُزَيِّنُ الْبَاطِلَ وَتَنْصَاعُ لِلْهَوَانِ، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا
الَّتِي تُؤَجِّجُ النَّارَ وَتُفْضِي إِلَى الْخُسْرَانِ. مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ
بِسُبُلِ الْحَقِّ فَلَا مُضِلَّ لَهُ يَأْسِرُهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ بِقَضَائِهِ
الْعَادِلِ فَلَا هَادِيَ لَهُ يُنِيرُهُ وَلَا نَاصِرَ لَهُ يَنْصُرُهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ
لَهُ، إِلَهُ الْقُدْرَةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَمَلِكُ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ.
هُوَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَهُ وُجُودٌ، وَالْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَهُ خُلُودٌ.
هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَالصِّفَاتِ الْعُلْيَا.
وَأَشْهَدُ أَنَّ
سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَإِمَامَنَا وَمُعَلِّمَنَا مُحَمَّدًا، عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، الْبَشِيرُ النَّذِيرُ، وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ. جَاءَ بِالْحَقِّ
الْمُجَرَّدِ، وَالْبَيَانِ الْمُسْتَقِيمِ، فَمَا تَرَكَ مِنْ خَيْرٍ إِلَّا
دَلَّنَا عَلَيْهِ وَأَرْشَدَ، وَمَا تَرَكَ مِنْ شَرٍّ إِلَّا حَذَّرَنَا مِنْهُ
وَأَبْعَدَ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الَّذِينَ كَانُوا مَنَارَ
الْهُدَى وَأَئِمَّةَ التُّقَى، وَصَحْبِهِ الَّذِينَ كَانُوا أَوْتَادَ الْأَرْضِ
وَرُمَاةَ الْفَرْضِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا تَجَاوَبَ صَوْتُ
الْآذَانِ وَتَقَارَعَتْ الْأَكْوَانُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ
مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ
بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:70]
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ، إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ سُنَنَ
اللَّهِ فِي الْكَوْنِ، وَنَظَرَ فِي مَآلَاتِ الْأُمُورِ وَالْفِتَنِ
وَالْحُرُوبِ وَالتَّكَالِيفِ وَالشُّجُونِ، عَلِمَ أَنَّ الْحَيَاةَ مَيْدَانُ
صِرَاعٍ لَا مَضْمَارُ دَعَةٍ، وَأَنَّهَا سَاحَةُ مُجَاهَدَةٍ لَا وَاحَةُ
رَاحَةٍ. وَأَنَّ هَذَا الصِّرَاعَ الدَّائِرَ، لَيْسَ عَلَى قِطْعَةِ أَرْضٍ أَوْ
مَالٍ يَسِيرٍ، بَلْ هُوَ حَرْبٌ بَيْنَ مَشْرُوعَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ،
أَحَدُهُمَا نَاصِعٌ مُشْرِقٌ، وَالْآخَرُ خَادِعٌ مُزَوَّرٌ!
أَيُّهَا المُسْلِمونَ،
إِنَّ الْمَشْرُوعَاتِ تُقَاسُ بِأُصُولِهَا، وَالْمَبَادِئَ
تُعْرَفُ بِفُصُولِهَا: فالْمَشْرُوعُ الْأَوَّلُ: مَشْرُوعُ الْأَنْبِيَاء؛ هُوَ
مَشْرُوعُ اللَّهِ الْأَبَدِيُّ، الْقَائِمُ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ لَا يَتَغَيَّرُ
فِي كُلِّ عَصْرٍ وَجِيلٍ: مُحَارَبَةُ الطَّاغُوتِ وَمُفَاصَلَتُهُ فِي كُلِّ
مَفْصِلٍ، بِمَعْنَى أَنْ تَكُونَ الْوَلَايَةُ وَالْحُكْمُ وَالْقَضَاءُ لِلَّهِ
وَحْدَهُ، فَلَا طَاعَةَ لِخَلْقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَلَا مُدَاهَنَةَ
لِزَائِغٍ فِي حَقِّ اللَّهِ الْوَاجِبِ. وَهَذَا الْمَنْهَجُ الْصِّرْفُ يُلْزِمُ
أَهْلَهُ بِالثَّبَاتِ الْعَقَدِيِّ، وَيَبْعَثُهُمْ عَلَى الْيَقِينِ
الْأَبَدِيِّ.
والْمَشْرُوعُ الثَّانِي: مَشْرُوعُ الْخُصُومِ؛ لَيْسَ لَهُمْ
مِنْ هَدَفٍ وَغَايَةٍ، وَلَا مِنْ قَاعِدَةٍ وَبِنَايَةٍ، سِوَى الاصْطِفَافِ
لِحَرْبِ الْحَقِّ وَالتَّحْشِيدِ لِمُهَاجَمَتِهِ! فَهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ
مَنَاشِئِهِمْ وَتَبَايُنِ مَذَاهِبِهِمْ، وَتَعَدُّدِ آرَائِهِمْ وَتَفَرُّقِ
أَهْوَائِهِمْ، قَدْ انْصَهَرُوا جَمِيعًا فِي مَشْرُوعٍ وَاحِدٍ هُوَ الْحَرْبُ
عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ. كُلُّهُمْ جَمَعُوا كَيْدَهُمْ وَأَتَوْا صَفًّا! هَذَا
يَرْمِي بِصَوَارِيخِهِ الْمُبِيدَةِ، وَذَاكَ يَكِيدُ بِقَنَوَاتِهِ
الْمُزَيِّفَةِ، وَآخَرُ يَتَحَالَفُ مِنْ خَلْفِ جُدْرَانِ الْخِيَانَةِ
وَسَرَادِيبِ الْإِهَانَةِ. فَلَا عَجَبَ أَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا
وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر:14].
أَيُّهَا المُوَحِّدُونَ،
إِنَّ الْجَوْهَرَ
الَّذِي يَحْمِي الْقَلْبَ مِنَ الزَّيْغِ هُوَ الْأَصْلُ الْعَقَدِيُّ، وَهُوَ
مِلَّةُ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، الْمَلَّةُ الَّتِي أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ
نَتَّبِعَهَا جَمِيعًا، فَقَالَ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ
مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:123].
وَهَذِهِ الْمَلَّةُ قَامَتْ عَلَى إِعْلَانِ الْبَرَاءَةِ
وَالْوَلَاءِ، كَمَا فِي سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ
إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا
بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا
حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:4].
إِنَّ هَذَا الْإِعْلَانَ لَيْسَ عَابِرًا: إِنَّهُ إِعْلَانُ
الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ أَبَدًا، حَتَّى يَتَحَقَّقَ شَرْطُ الْإِيمَانِ
الْكَبِيرِ. إِنَّهَا تَرْسُمُ الْمَنْهَجَ لِلْعَقَائِدِيِّينَ، فَتَقُولُ
بِلِسَانِ الْيَقِينِ وَالْبَيَانِ: إِنْ مَالُوا فَعَنِ الشِّرْكِ لَا إِلَيْهِ،
وَإِنْ رَكَنُوا فَإِلَى الْحَقِّ لَا عليه. لَا تَعْرِفُ
مُعْجَمُهُمْ الْكَلِمَةَ الْوَاهِيَةَ الْمَائِعَةَ الَّتِي تُسَمَّى
الرَّمَادِيَّةَ الْمَنْهَجِيَّةَ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ:
"مَا لَمْ يُبَرِّئِ الْمُؤْمِنُ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ
بَرَاءَةً تَامَّةً، لَمْ يَكُنْ مُحَقِّقًا لِلْمِلَّةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ
وَلَا لِقَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". فَكُلُّ مَنْحَنًى فِي
الْمُفَاصَلَةِ هُوَ مَزْلَقٌ فِي نَقَاءِ التَّوْحِيدِ وَالْيَقِينِ.
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ،
إِنَّ الْعَمَلَ الْخَالِدَ لَا يَصْنَعُهُ إِلَّا الْإِيمَانُ
الرَّاسِخُ. لَقَدْ زَخِرَتْ كُتُبُ الْعَقِيدَةِ وَالتَّارِيخِ بِنَمَاذِجَ لَا
تُنْسَى:
فهَذِهِ قِصَّةُ الْغُلَامِ الْمُوَحِّدِ مِنْ
سُورَةِ الْبُرُوجِ؛ غُلَامٌ صَغِيرٌ، لَا قُوَّةَ لَهُ وَلَا سُلْطَانَ، يَقِفُ
فِي وَجْهِ مَلِكٍ قَاهِرٍ، وَيُعْلِنُ التَّوْحِيدَ الْخَالِصَ. لَمَّا أَرَادَهُ
الْمَلِكُ عَلَى الرُّجُوعِ، رَفَضَ وَأَبَى. وَلَمَّا رَأَى قَوْمُهُ مَوْقِفَهُ
الثَّابِتَ، قَالُوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ﴾. فَكَانَ الثَّبَاتُ سَبَبًا لِنُصْرَةِ
الْحَقِّ وَانْتِشَارِ الْإِيمَانِ. وَفِي خِتَامِ الْقِصَّةِ: ﴿وَمَا نَقَمُوا
مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:8].
جَرِيمَتُهُمْ الْوَحِيدَةُ هِيَ التَّوْحِيدُ، وَالثَّمَنُ هُوَ الْجَنَّةُ
وَالْخُلُودُ. هَذَا هُوَ التَّمَايُزُ الْقَاطِعُ الَّذِي نَبْغِيهِ.
ولَمْ يَكُنِ الثَّبَاتُ فِي مَجَالِ الْجِهَادِ
فَقَطْ، بَلْ فِي مَيَادِينِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ أَيْضًا. فَهَذَا الْإِمَامُ
أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ، يُرِيدُونَهُ عَلَى مَنْصِبِ الْقَضَاءِ
فَيَأْبَى، وَيَجْلِدُونَهُ وَيُرِيدُونَهُ عَلَى مُوَافَقَتِهِمْ فَيَمْتَنِعُ.
فَآثَرَ الْحَبْسَ وَالْجَلْدَ عَلَى مُدَاهَنَةِ السُّلْطَانِ وَتَزْيِينِ
الْبَاطِلِ لِلْإِنْسَانِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الْعَقِيدَةُ هِيَ الدَّافِعُ
وَالْمُحَرِّكُ لِكُلِّ التَّضْحِيَاتِ، وَلَمَّا عُذِّبَ آلُ يَاسِرٍ، قَالَ
لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ
فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ)) [رواه الحاكم في المستدرك وصححه]. لَقَدْ تَمَسَّكُوا بِالْحَقِّ
وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ الْإِهْلَاكَ، وَمَزَّقُوا الْبَاطِلَ وَلَوْ كَانَ
الْجَزَاءُ الْأَشْوَاكَ. إِنَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا إِلَى قِصَرِ الدُّنْيَا،
بَلْ إِلَى طُولِ الْعُقْبَى.
أَيُّهَا المُوَحِّدُونَ، يا مَنْ تكفرونَ بالطّاغوتِ وتُؤمِنونَ
باللهِ،
إِنَّ الْبَلِيَّةَ الْعُظْمَى فِي زَمَنِنَا لَيْسَتْ فِي كُفْرِ
الْأَكْفَرِينَ، بَلْ فِي نِفَاقِ الْمُنْتَكِسِينَ الْمُتَسَاقِطِينَ. هَؤُلَاءِ
هُمُ الَّذِينَ عَمِلُوا ثُمَّ نَقَضُوا، وَغَزَلُوا ثُمَّ فَرَّطُوا. هَؤُلَاءِ
عَبَثُوا بِالْمَنْهَجِ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا التَّخَلُّصَ مِنَ الشِّرْكِ
وَشُعَبِهِ، فَـخَلَطُوا الْأَوْهَامَ وَالْبَاطِلَ مَعَ الْحَقِّ، لِجَعْلِ
بَعْضِ الْحَقِّ الَّذِي عِنْدَهُمْ غِطَاءً لِبَاطِلِهِمْ. فَتَرَاهُمْ
يَسْتَدِلُّونَ بِآيَةٍ عَلَى جَوَازِ الْمُدَاهَنَةِ، وَيَتْرُكُونَ عَمَلًا
صَالِحًا بِسَبَبِ الْمُجَامَلَةِ. وَلَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ: "لَيْسَ الْعَاقِلُ مَنْ عَرَفَ الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ،
وَلَكِنَّ الْعَاقِلَ مَنْ عَرَفَ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ وَشَرَّ
الشَّرَّيْنِ".
إِنَّ هَذِهِ
الشَّرِيحَةَ قَدْ تَعِبَتْ مِنْ لَأْوَاءِ الطَّرِيقِ
وَوُعُورَتِهِ، فَآثَرَتِ الْهُدُوءَ الزَّائِفَ عَلَى الْحَقِّ الصَّارِخِ.
وَلِذَلِكَ، لَا تُحَرِّكُهُمْ أَلْفُ آيَةٍ قُرْآنِيَّةٍ وَلَا سُنَّةٌ
نَبَوِيَّةٌ مِنْ مَنْهَجِ التَّوْحِيدِ، بَيْنَمَا تَجِدُهُمْ يُفَجِّرُونَ
مَشَاعِرَهُمْ وَتَسْتَدِرُّ دُمُوعَهُمْ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ عَابِرَةٌ! هَذِهِ
طَامَّةٌ وَقَسْوَةٌ عَارِمَةٌ عَامَّةٌ لَمْ يَنْجُ مِنْهَا إِلَّا مَنْ أَقَامَ
الْقُرْآنَ فِي قَلْبِهِ وَالْعَقِيدَةَ فِي صُلْبِهِ.
وَأَشَدُّهَا حَالَةُ الْحَسَدِ وَالْغِلِّ الْمُرَكَّبِ: فَهُمْ
يَسُوؤُهُمْ الْخَيْرُ الَّذِي يُصِيبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَفْرَحُونَ
بِالْمُصِيبَةِ، وَيَقُولُونَ بِلِسَانِ الْخِذْلَانِ: قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا
مِنْ قَبْلُ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ. فَلْيَحْذَرِ الْمُؤْمِنُ مِنْ هَذَا
الْمَسْلَكِ الْبَغِيضِ.
فَالثَّبَاتُ يَا عِبَادَ اللَّهِ لَيْسَ تَرَفًا، بَلْ هُوَ
شَرْطُ النَّجَاةِ وَمِفْتَاحُ الْحَيَاةِ. فَالْزَمُوا الْأَصْلَ الْعَقَدِيَّ
النَّقِيَّ.
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْعَقَائِدِيِّينَ
الرَّاسِخِينَ، الَّذِينَ لَا تُزَحْزِحُهُمُ الْعَوَاصِفُ الْجَارِفَةُ، وَلَا
تَدْغْدِغُهُمُ الْعَوَاطِفُ الْمَائِرَةُ.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ،
وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ. أَقُولُ قَوْلِي
هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ
هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْفَرْزُ الْحَتْمِيُّ وَتَحْصِينُ الْعَقِيدَةِ:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ، وَالثَّنَاءَ لَهُ عَلَى
كَمَالِهِ وَمَجْدِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي
أَزَالَ بِهِ الْغَمَامَ وَأَكْمَلَ بِهِ الْمَرَامَ.
يَا عِبَادَ اللَّهِ،
تَقْدِيمًا لِأَمْرِ الْقَيُّومِ الْجَبَّارِ، وَسَعْيًا لِنَيْلِ
الْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ فِي دَارِ الْقَرَارِ، فَلْنَتَّقِ اللَّهَ فِي كُلِّ
حَالٍ وَمَآلٍ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ المُوَحِّدُونَ،
إِنَّ الْبَاطِلَ مَهْمَا عَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ ضَوْضَاؤُهُ،
فَإِنَّهُ كَزَبَدِ الْبَحْرِ سَرِيعًا مَا يَذْهَبُ وَيَزُولُ. وَلَنْ يَبْقَى
فِي هَذَا الْكَوْنِ إِلَّا أَهْلُ الْحَقِّ الصِّرْفِ، الَّذِينَ يَتَجَرَّدُونَ
لِأَصْلِ الْعَقِيدَةِ.
هُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يَخْشَوْا عَلَى أَرْزَاقِهِمْ،
بَلْ خَافُوا عَلَى أَرْوَاحِهِمْ وَعَقَائِدِهِمْ. فَهُمْ رَاسِخُونَ رُسُوخَ
الْجِبَالِ الشَّامِخَةِ، يَحْمِلُونَ فِي قُلُوبِهِمْ بَرْدَ الْيَقِينِ وَعُذُوبَةَ
الْإِيمَانِ. لِذَلِكَ تَجِدُهُمْ: لَا يَرْكَعُونَ لِطَاغُوتٍ، وَلَا
يَنْصَاعُونَ لِجَبَرُوتٍ. لَا يَتَوَسَّطُونَ الطَّرِيقَ، بَلْ هُمْ عَلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ عَتِيقٍ.
وَصَدَقَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ((لَنْ تَزَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ
لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ
اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ)) [صحيح البخاري: 3641].
فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ،
الَّتِي لَمْ تُبَالِ بِالْخِذْلَانِ وَالْمُخَالَفَةِ.
يا أَهلَ التّوْحيدِ والإيمانِ،
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتْرُكُ الْأُمُورَ هَمَلًا، وَلَا
يَجْعَلُ الْأَحْوَالَ قَبْلًا وَبَعْدًا إِلَّا لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ وَمَقْصُودٍ
جَلِيلٍ. فَالْفِتَنُ كُلُّهَا مَا جَاءَتْ إِلَّا لِتَحْقِيقِ الْفَرْزِ
وَالْبَيَانِ، ومنها:
·
فَرْزُ الصَّادِقِ مِنَ الْكَاذِبِ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:11].
·
وَفَرْزُ الْخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ: قَالَ
تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ
عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:179].
فَمَآلُ هَذَا
الصِّرَاعِ هُوَ الْتَّمَايُزُ الْقَاطِعُ، وَسَيَجْعَلُ النَّاسَ كُلَّهُمْ إِلَى
حَقٍّ صِرْفٍ أَوْ بَاطِلٍ صِرْفٍ. فَلَا بَقَاءَ لِمَنَاطِقِ الرَّمَادِ،
وَلَا دَوَامَ لِأَهْلِ الْفَسَادِ.
وَهَذَا الْتَّمَايُزُ يَشْمَلُ الَّذِينَ تَحَالَفُوا لِحَرْبِ
الْحَقِّ؛ فَكُلُّهُمْ لَنْ يَجِدَ نُصْرَةً مِنْ صَاحِبِهِ، وَلَنْ يَلْقَى
عَادِلًا يُنْصِفُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. فَالْعِلْمُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْإِيمَانُ بِغَلَبَةِ
اللَّهِ وَقُوَّتِهِ.
أَيُّهَا النّاسُ،
لَا يَكْفِي الْعِلْمُ بِالْعَقِيدَةِ،
بَلْ يَجِبُ تَحْصِينُهَا وَحِمَايَتُهَا: فَأَكْثِرُوا مِنْ تِلَاوَتِهِ
وَتَدَبُّرِهِ، فَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَنُورُهُ الْمُبِينُ، وَهُوَ
الْمُثَبِّتُ الْأَعْظَمُ لِلْقُلُوبِ. وَالْزَمُوا صُحْبَةَ الْعَقَائِدِيِّينَ
وَأَهْلِ الْيَقِينِ، الَّذِينَ يُذَكِّرُونَكُمْ بِالتَّوْحِيدِ،
وَيُعِينُونَكُمْ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ زَيْغٍ وَتَقْلِيدٍ. وَأَكْثِرُوا
مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللَّهُمَّ يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) [صحيح الترمذي: 3522].
فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، كُنْتُمْ مِنْ أَهْلِ
الْفَوْزِ وَالْعَمَلِ الْمَنْجُوزِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةً
تَامَّةً دَائِمَةً، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ، وَيَا
قَاضِيَ الْحَاجَاتِ، نَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى
الرُّشْدِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْبَرَاءَةِ
التَّامَّةِ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، وَمِنْ أَهْلِ الْوَلَاءِ الْخَالِصِ
لِدِينِكَ وَأَخْيَارِ أُمَّتِكَ.
اللَّهُمَّ نَقِّ قُلُوبَنَا مِنْ مَرَضِ
الْحَسَدِ وَالْغِلِّ، وَمِنْ دَاءِ الرَّمَادِيَّةِ وَالزَّيْغِ وَالزَّلَلِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا رُسُوخَ الْجِبَالِ،
وَهِمَّةَ الْأَبْطَالِ، وَصَبْرَ الرِّجَالِ.
اللَّهُمَّ انْصُرْ دِينَكَ وَكِتَابَكَ
وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ وَعِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي
الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ،
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي
الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:90]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ،
وَاشْكُرُوهُ عَلَى نَعْمَائِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ،
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق