2025-12-07

عقبات الشيطان السبع

عَقَبَاتُ الشَّيْطَانِ السَّبْعُ

خطبة الجمعة

للشيخ زهير بن حسن حميدات

إنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71].

أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ،

اعْلَمُوا أَنَّ أَشْرَفَ مَا تُضِيعُ فِيهِ الْأَعْمَارُ، وَأَجَلَّ مَا تَسْتَهْلِكُ فِيهِ الْأَوْقَاتُ، هُوَ مَعْرِفَةُ الطَّرِيقِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالتَّثَبُّتُ فِي سُلُوكِهِ. فَالدُّنْيَا مِضْمَارٌ لِلسَّبْقِ، وَالآخِرَةُ مُنْتَهَى السَّفَرِ، وَلَا يُفْلِحُ فِي هَذَا الْمَسِيرِ إِلَّا مَنْ جَعَلَ اللَّهَ لَهُ هَادِيًا وَلِرُسُلِهِ مُتَّبِعًا.

وَإِنَّ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ عَدُوًّا لَدُودًا، قَدْ أَقْسَمَ بِعِزَّةِ الرَّحْمَنِ عَلَى إِغْوَاءِ بَنِي آدَمَ أَجْمَعِينَ، ذَلِكُمْ هُوَ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ. قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُ: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف: 16-17].

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ،

لَقَدْ بَيَّنَ لَنَا إِمَامُ الْهُدَاةِ، الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيَّةُ رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي سِفْرِهِ الْعَظِيمِ "مَدَارِجِ السَّالِكِينَ"، مَكِيدَةَ هَذَا الْعَدُوِّ، وَكَيْفَ يَعْتَرِضُ الْعَبْدَ بِسَبْعِ عَقَبَاتٍ مُتَتَالِيَةٍ، بَعْضُهَا أَصْعَبُ مِنْ بَعْضٍ، لَا يَزَالُ يَحْمِلُهُ مِنْ عَقَبَةٍ إِلَى أُخْرَى، فَإِنْ سَلِمَ مِنْهَا جَمِيعًا فَقَدْ ظَفِرَ بِالْفَوْزِ الْعَظِيمِ، وَإِلَّا كَانَ هَالِكًا فِي عُقْبَةٍ مِنْهَا. فَهَلَّا تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْعَقَبَاتِ، لِنَأْخُذَ لَهَا أُهْبَتَهَا وَعُدَّتَهَا؟

🚧 العقبة الأولى: الكُفْرُ وَالشِّرْكُ:

يَا عِبَادَ اللَّهِ،

إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ الْعَدُوُّ اللَّئِيمُ، وَأَشَدَّ مَا يَطْمَعُ فِيهِ مِنْ ابْنِ آدَمَ، هُوَ عَقَبَةُ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالشِّرْكِ بِهِ.

هَذِهِ الْعَقَبَةُ هِيَ مَدَارُ الْخُسْرَانِ الْمُبِينِ، وَمُفْتَاحُ الْجَحِيمِ؛ فَإِنْ ظَفِرَ بِالْعَبْدِ فِيهَا، بَرَدَتْ نَارُ عَدَاوَتِهِ وَاسْتَرَاحَ، وَأَضَاعَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) [النساء: 48].

إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْذُلُ أَقْصَى جُهْدِهِ لِيُزَحْزِحَ الْعَبْدَ عَنْ تَوْحِيدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْجُمْلَةِ، سَعَى فِي إِفْسَادِهِ بِالشِّرْكِ الْأَصْغَرِ، أَوِ الْكُفْرِ بِجُزْءٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ أَوْ صِفَاتِهِ، أَوِ التَّشْكِيكِ فِي حَقِيقَةِ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ.

فَحَذَارِ يَا عَبْدَ اللَّهِ مِنْ كُلِّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَمَسُّ عَقِيدَتَكَ، أَوْ يُزَعْزِعُ إِيمَانَكَ. فَعُدَّةُ هَذِهِ الْعَقَبَةِ هِيَ التَّوْحِيدُ الْخَالِصُ، والْيَقِينُ الصَّادِقُ، والْعِلْمُ الرَّاسِخُ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

🧱 العقبة الثانية: الْبِدْعَةُ وَالْإِحْدَاثُ فِي الدِّينِ:

فَإِنْ نَجَا الْعَبْدُ بِفَضْلِ اللَّهِ مِنْ هَاوِيَةِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، نَقَلَهُ الْعَدُوُّ إِلَى عَقَبَةٍ أُخْرَى أَخْطَرُ وَأَلْيَمُ، وَهِيَ عَقَبَةُ الْبِدْعَةِ.

الْبِدْعَةُ -يَا إِخْوَةَ الْإِيمَانِ- هِيَ أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ خِلَافَ الْحَقِّ الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، أَوْ يَتَعَبَّدَ بِشَيْءٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَقَدْ جَعَلَهَا الشَّيْطَانُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ الصَّرِيحَةِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَعْصِيَةِ يَتُوبُ، وَصَاحِبَ الْبِدْعَةِ يَرَى أَنَّهُ مُحْسِنٌ صَانِعٌ، فَلَا يَتُوبُ.

إِنَّهُ يُزَيِّنُ لِلْعَبْدِ الِابْتِدَاعَ فِي دِينِ اللَّهِ، بِأَنْ يَرَى أَنَّ فِي الدِّينِ نَقْصًا، فَيَسُدُّهُ بِهَوَاهُ وَظَنِّهِ، وَبِذَلِكَ يَصِيرُ دِينُهُ هَشًّا، كَالْبِنَاءِ الَّذِي يُرَادُ لَهُ التَّرْمِيمُ وَهُوَ كَامِلٌ مُكْتَمِلٌ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

فَالْبِدْعَةُ -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- هَدْمٌ لِلسُّنَّةِ، وَطَعْنٌ فِي كَمَالِ الشَّرِيعَةِ. كَيْفَ لَا وَالشَّيْطَانُ قَدْ حَوَّلَ الْبَاطِلَ إِلَى حَقٍّ فِي عَيْنِ صَاحِبِهِ، فَمَنَعَهُ التَّوْبَةَ، وَأَوْقَعَهُ فِيمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ خَيْرٌ وَهُوَ الشَّرُّ الْمُبِينُ.

وَعُدَّةُ هَذِهِ الْعَقَبَةِ هِيَ الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ، والْوُقُوفُ عِنْدَ النُّصُوصِ، وتَرْكُ الِابْتِدَاعِ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ. فَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ الصَّالِحِ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ فِي مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ.

🔥 العقبة الثالثة: الْكَبَائِرُ وَعَظَائِمُ الذُّنُوبِ:

أَيُّهَا الْأَخْوَةُ،

إِذَا سَلِمَ الْعَبْدُ مِنْ تِلْكَ الْعَقَبَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ بِفَضْلِ اللَّهِ، دَفَعَهُ الشَّيْطَانُ إِلَى مُنْزَلٍ ثَالِثٍ وَهُوَ عَقَبَةُ الْكَبَائِرِ.

هَذِهِ الْكَبَائِرُ -مِنْ قَتْلٍ، وَزِنًا، وَسَرِقَةٍ، وَأَكْلِ الرِّبَا، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ- هِيَ مَهَالِكُ مُبِينَةٌ، يُزَيِّنُهَا الشَّيْطَانُ لِلْعَبْدِ وَيُحَسِّنُهَا فِي عَيْنِهِ، وَيَفْتَحُ لَهُ بَابَ التَّسْوِيفِ وَطُولِ الْأَمَلِ.

إِنَّ الشَّيْطَانَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ مُهْلِكَةٌ، فَيَسْتَخْدِمُهَا كَسِلَاحٍ فَتَّاكٍ لِتَكْدِيرِ الْقَلْبِ، وَتَقْسِيَةِ الرُّوحِ، وَإِطْفَاءِ نُورِ الطَّاعَةِ. إِنَّ الذَّنْبَ بَعْدَ الذَّنْبِ يَتْرُكُ فِي الْقَلْبِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ، فَإِذَا اسْتَمَرَّ الْعَبْدُ عَلَيْهَا، طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ، فَأَصْبَحَ لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ. قَالَ تَعَالَى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: 14].

وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ" (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ).

فَيَا مَنْ غَرَّهُ الشَّيْطَانُ بِالْكَبَائِرِ، أَلَا تَذْكُرُ مَوْقِفَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ؟ أَلَا تَخَافُ سُوءَ الْخَاتِمَةِ؟ أَلَا تَعْلَمُ أَنَّ الْكَبِيرَةَ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى خَلْعِ رِبْقَةِ الْإِيمَانِ؟

وَعُدَّةُ هَذِهِ الْعَقَبَةِ هِيَ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ الْفَوْرِيَّةُ، وكَثْرَةُ الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ، والْخَوْفُ الدَّائِمُ مِنْ سَطْوَةِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ. فَإِنَّ التَّائِبَ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.

💧 العقبة الرابعة: الصَّغَائِرُ مَعَ الْإِصْرَارِ:

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ،

إِنْ سَلِمَ الْعَبْدُ مِنَ الْكَبَائِرِ وَعَظَائِمِ الْخَطَايَا، نَقَلَهُ الشَّيْطَانُ إِلَى مُنْزَلِ الذُّنُوبِ الصَّغِيرَةِ، الَّتِي يَرَى الْعَبْدُ أَنَّهَا لَا تُؤْثِّرُ، فَيَسْتَصْغِرُهَا وَيَهْزَأُ بِهَا.

وَهَذِهِ الْعَقَبَةُ مُفْتَرَقُ طُرُقٍ خَطِيرٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَعْلَمُ أَنَّ لَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ. فَالْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُحَوِّلُهَا إِلَى كَبِيرَةٍ تُبْلِي قَلْبَ صَاحِبِهَا، وَتُعَطِّلُ بَوَاسِجَ طَاعَتِهِ.

فَالشَّيْطَانُ يَهْمِسُ فِي أُذُنِ الْعَبْدِ: "هَذِهِ نَظْرَةٌ سَرِيعَةٌ لَا تَضُرُّ، وَتِلْكَ كَلِمَةٌ عَابِرَةٌ لَا تُؤَاخَذُ بِهَا، وَهَذَا مَالٌ يَسِيرٌ لَا يُحْتَسَبُ." حَتَّى يَتَرَاكَمَ عَلَى قَلْبِهِ غُبَارُ الذُّنُوبِ كَمَا يَتَرَاكَمُ الْقَشُّ الْيَابِسُ، حَتَّى إِذَا هَبَّتْ رِيحُ الْغَفْلَةِ، اشْتَعَلَتْ فِيهِ نَارُ الْهَلَاكِ!

وَقَدْ شَبَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الصَّغَائِرَ بِأَشْيَاءَ مَادِّيَّةٍ لِتَتَضِحَ الصُّورَةُ لِلْعَامَّةِ، فَقَالَ: "إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى جَمَعُوا مَا أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ" (رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ).

فَتِلْكَ "الْمُحَقَّرَاتُ" يَا عِبَادَ اللَّهِ، هِيَ كَجَمْعِ الْحَطَبِ؛ كُلُّ عُودٍ يَسِيرٌ، وَلَكِنَّ اجْتِمَاعَهَا يُوقِدُ النَّارَ. إِنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى ذَنْبِ الْبَصَرِ، أَوِ الْإِصْرَارَ عَلَى الْغِيبَةِ، أَوِ الْإِصْرَارَ عَلَى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ قَلِيلًا قَلِيلًا، هُوَ قَذْفٌ لِلْقَلْبِ فِي بَحْرِ الْغَفْلَةِ الَّذِي لَا شَاطِئَ لَهُ!

عُدَّةُ هَذِهِ الْعَقَبَةِ هِيَ الْيَقَظَةُ الدَّائِمَةُ، وكَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ الَّذِي يَمْحُو، والتَّعْظِيمُ لِحَقِّ اللَّهِ حَتَّى فِي أَدْنَى الْأُمُورِ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: "لَا تَكُنْ مِمَّنْ يُنْكِرُ الذَّنْبَ الْكَبِيرَ وَيَرْتَكِبُ الذَّنْبَ الْحَقِيرَ."

🚫 العقبة الخامسة: الْمُبَاحَاتُ وَالْإِفْرَاطُ فِيهَا:

أَيُّهَا الْمُوَحِّدُونَ،

إِنْ عَجَزَ الشَّيْطَانُ عَنِ الْإِيقَاعِ بِالْعَبْدِ فِي الْحَرَامِ الْصَّرِيحِ، سَعَى إِلَيْهِ مِنْ مَدْخَلِ حَلَالٍ، وَهِيَ عَقَبَةُ الْإِفْرَاطِ فِي الْمُبَاحَاتِ.

الْمُبَاحُ هُوَ مَا أَذِنَ اللَّهُ بِفِعْلِهِ، لَا ثَوَابَ فِيهِ وَلَا عِقَابَ. وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فَيَقُولُ لَهُ: "لَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِي كَثْرَةِ النَّوْمِ، وَتَوَفُّرِ الطَّعَامِ، وَالْإِطَالَةِ فِي مُتَابَعَةِ شُؤُونِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا. هَذَا مُبَاحٌ، فَتَمَتَّعْ!"

يَا عِبَادَ اللَّهِ،

إِنَّ الْإِفْرَاطَ فِي الْمُبَاحِ يُحَوِّلُهُ إِلَى مُثَبِّطٍ، وَالِاشْتِغَالَ بِالْقَلِيلِ مِنْهُ يُوقِعُ فِي تَرْكِ الْكَثِيرِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ أَوِ الْمَنْدُوبَاتِ. فَالْمُبَاحُ لَيْسَ عَقَبَةً بِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا الْعَقَبَةُ هِيَ تَبْدِيدُ وَقْتِ الطَّاعَةِ وَطَاقَةِ الْعَمَلِ فِيهَا.

فَالشَّيْطَانُ لَا يُرِيدُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَعْصِيَ، بَلْ يُرِيدُ لَهُ أَنْ يَفْشَلَ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْخَيْرِ. فَيَشْغَلُهُ بِاللَّذِيذِ مِنَ الطَّعَامِ حَتَّى يُثْقِلَهُ عَنِ الْقِيَامِ، وَيَشْغَلُهُ بِاللَّهْوِ الطَّوِيلِ حَتَّى يُضَيِّعَ عَلَيْهِ وَرْدَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَشْغَلُهُ بِكَثْرَةِ النَّوْمِ حَتَّى يُفَوِّتَ عَلَيْهِ قِيَامَ اللَّيْلِ وَصَلَاةَ الْفَجْرِ!

إِنَّهُ عَدُوٌّ يُحَاسِبُ الْعَبْدَ عَلَى أَنْفَاسِهِ الثَّمِينَةِ، وَيَسْرِقُ مِنْهُ الدَّقِيقَةَ تِلْوَ الدَّقِيقَةِ، لِيَحْرِمَهُ مِنْ الْجِدِّ فِي طَلَبِ الْعُلَا. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [المنافقون: 9]. وَذِكْرُ اللَّهِ يَشْمَلُ الْعِبَادَاتِ وَفُرُوضَهَا.

فَالْحَذَرُ كُلُّ الْحَذَرِ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَرَى فِي صَحِيفَتِهِ سَاعَاتٍ وَأَيَّامًا ضَاعَتْ فِي فُضُولِ الْكَلَامِ، وَكَثْرَةِ اللَّهْوِ، وَالْإِفْرَاطِ فِي الرَّاحَةِ، فَيَتَحَسَّرُ عِنْدَهَا وَلَاتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ!

عُدَّةُ هَذِهِ الْعَقَبَةِ هِيَ التَّنْظِيمُ الدَّقِيقُ لِلْوَقْتِ، والِاقْتِصَارُ فِي الْمُبَاحَاتِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، واسْتِحْضَارُ أَنَّ الْوَقْتَ هُوَ رَأْسُ مَالِ الْعَبْدِ لِلْآخِرَةِ.

العقبة السادسة: الْعَمَلُ بِالْمَفْضُولِ عَنِ الْفَاضِلِ:

أَيُّهَا الْمُجَاهِدُونَ،

لَوْ أَنَّ الْعَبْدَ نَجَا مِنْ كُلِّ مَا سَبَقَ، وَجَدَّ فِي اغْتِنَامِ وَقْتِهِ، نَصَبَ لَهُ الشَّيْطَانُ عَقَبَةً خَفِيَّةً لَا يَقَعُ فِيهَا إِلَّا الصَّالِحُونَ وَالْعُبَّادُ، وَهِيَ عَقَبَةُ الْعَمَلِ الْمَرْجُوحِ عَنِ الْفَاضِلِ.

إِنَّ الشَّيْطَانَ هُنَا لَا يَدْعُو إِلَى الْحَرَامِ أَوِ الْمُبَاحِ، بَلْ يَدْعُو إِلَى طَاعَةٍ مَشْرُوعَةٍ وَلَكِنَّهَا مَرْجُوحَةٌ (أَقَلُّ أَجْرًا) فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَتِلْكَ الْحَالَةِ، لِيَصْرِفَ الْعَبْدَ عَنْ طَاعَةٍ أَفْضَلَ وَأَجْلَّ (أَكْثَرُ أَجْرًا).

فَالشَّيْطَانُ يُوَسْوِسُ: "أَطِلِ الْبَقَاءَ فِي النَّافِلَةِ الْفُلَانِيَّةِ لِتَتْرُكَ فَرْضَ الْكِفَايَةِ الَّذِي يَحْتَاجُهُ النَّاسُ مِنْكَ!"، أَوْ "اعْتَكِفْ وَتَعَبَّدْ فِي زَاوِيَتِكَ لِتَتْرُكَ نُصْرَةَ أَخِيكَ الْمَظْلُومِ!"، أَوْ "أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ لِسَانِكَ وَأَنْتَ غَيْرُ مُتَدَبِّرٍ، لِتَتْرُكَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِتَدَبُّرٍ وَخُشُوعٍ!"

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَهُوَ يُوَضِّحُ هَذِهِ الْمَكِيدَةَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْمُرُ الْعَبْدَ بِالْعَمَلِ الْمَرْجُوحِ، وَيُحَسِّنُهُ فِي عَيْنِهِ، وَيُرِيهِ أَنَّهُ مِنْ الْفَضْلِ وَالرِّبْحِ، لِيَشْغَلَهُ عَمَّا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَعْظَمُ.

فَالْفِقْهُ الْحَقِيقِيُّ يَا عِبَادَ اللَّهِ، لَيْسَ فِقْهَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَقَطْ، بَلْ فِقْهُ الْأَوْلَوِيَّاتِ وَمَعْرِفَةُ الْأَفْضَلِ فِي كُلِّ حَالٍ وَزَمَانٍ. فَرُبَّمَا كَانَتْ إِغَاثَةُ مَلْهُوفٍ فِي وَقْتِهَا أَفْضَلَ مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ نَافِلَةٍ، وَرُبَّمَا كَانَ تَعَلُّمُ الْعِلْمِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضِ النَّوَافِلِ الْبَدَنِيَّةِ.

عُدَّةُ هَذِهِ الْعَقَبَةِ هِيَ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ الصَّحِيحُ، والْفِقْهُ فِي مَرَاتِبِ الْأَعْمَالِ، وسُؤَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالرُّسُوخِ عِنْدَ اشْتِبَاهِ الْأَمْرِ.

فَيَا عَبْدَ اللَّهِ،

دَقِّقِ الْحِسَابَ، وَانْظُرْ فِي نِيَّتِكَ، وَاحْذَرْ مِنْ تَبْدِيلِ الْفَاضِلِ بِالْمَفْضُولِ، فَهُنَاكَ يَقَعُ الْكَثِيرُونَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ.

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية:

يَا أُمَّةَ الْإِيمَانِ،

لَقَدْ مَرَرْنَا سَابِقًا عَلَى سِتِّ عَقَبَاتٍ مِنْ عَقَبَاتِ الْعَدُوِّ الْمُبِينِ، وَرَأَيْنَا كَيْفَ يَتَفَنَّنُ الشَّيْطَانُ فِي صَرْفِ الْعَبْدِ عَنْ رَبِّهِ، فَيَبْدَأُ بِالْأَصْلِ (الْكُفْرِ)، ثُمَّ بِالْإِفْسَادِ (الْبِدْعَةِ)، ثُمَّ بِالْكَبَائِرِ فَالصَّغَائِرِ، وَلَا يَيْئَسُ حَتَّى فِي دَائِرَةِ الْحَلَالِ (الْمُبَاحَاتِ)، وَدَائِرَةِ الطَّاعَةِ (الْمَفْضُولِ عَنِ الْفَاضِلِ).

فَإِنْ نَجَا الْعَبْدُ مِنْ هَذِهِ الْجُمَلِ كُلِّهَا، وَأَصْبَحَ مُسْتَقِيمًا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ، عَابِدًا مُتَبَصِّرًا، عَارِفًا بِالْأَفْضَلِ مِنْ جَلِيلِ الْأَعْمَالِ، فَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدِ انْتَهَى مِنْ الصِّرَاعِ! بَلْ إِنَّهُ يَصِلُ عِنْدَئِذٍ إِلَى الْعَقَبَةِ الْأَخِيرَةِ، وَهِيَ عَقَبَةُ الْأَبْطَالِ وَالسَّائِرِينَ بِالْقَلْبِ إِلَى اللَّهِ بِصِدْقٍ، وَهِيَ:

🛡️ العقبة السابعة: تَسَلُّطُ جُنْدِ الشَّيْطَانِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ:

أَيُّهَا الصَّادِقُونَ مَعَ اللَّهِ،

إِذَا رَأَى الشَّيْطَانُ الْعَبْدَ قَدْ نَجَا مِنْ كُلِّ فِخَاخِهِ الشَّخْصِيَّةِ، وَأَصْبَحَ مُؤْمِنًا رَاسِخًا فِي عِلْمِهِ، مُسْتَقِيمًا فِي عَمَلِهِ، وَصَارَ بِذَلِكَ دَاعِيَةً إِلَى الْحَقِّ وَمُصْلِحًا لِلْأُمَّةِ، عَلِمَ الْعَدُوُّ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ سَيُفْسِدُ خُطَّتَهُ الْعَامَّةَ، وَسَيُزِيحُ جُنْدَهُ الْمُفْسِدِينَ.

فَعِنْدَئِذٍ، لَا يَبْقَى بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الشَّيْطَانِ حَائِلٌ إِلَّا هَذِهِ الْعَقَبَةُ، وَهِيَ عَقَبَةُ الْجِهَادِ، أَيْ جِهَادُ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، والْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. فَالشَّيْطَانُ يُحَرِّكُ عَلَيْهِ جُنْدَهُ مِنَ الْإِنْسِ والْجِنِّ لِتَثْبِيطِهِ وَإِيذَائِهِ.

إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَأْتِي هُنَا لِيُوَسْوِسَ، بَلْ يَأْتِي لِيُحَرِّضَ. يُحَرِّضُ أَهْلَ الْجَهْلِ وَالْهَوَى عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ الَّذِي يُصْلِحُ مَا أَفْسَدُوهُ، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْأَذَى، مِنْ إِغْرَاءٍ بِالسَّفَهِ، واتِّهَامٍ بِالْبَاطِلِ، وتَشْوِيهٍ لِلسُّمْعَةِ، ومُقَاوَمَةٍ لِدَعْوَتِهِ.

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَلَا سَبِيلَ إِلَى النَّجَاةِ مِنْ هَذِهِ الْعَقَبَةِ إِلَّا بِالْجِهَادِ الْكَبِيرِ لِتَقْوِيمِ دِينِ اللَّهِ وَإِظْهَارِهِ.

وَهَذِهِ الْعَقَبَةُ تُوَافِقُ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) [الأنعام: 112].

إِنَّ الْمُنْفِذَ مِنْ هَذِهِ الْعَقَبَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الْعَمَلِ، بَلْ الصَّبْرُ الْجَمِيلُ وَالثَّبَاتُ الْمُبِينُ عَلَى مَا يَلْقَاهُ الْعَبْدُ مِنْ أَذَى فِي سَبِيلِ دَعْوَتِهِ. فَالْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ -وَهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ- لَمْ يَسْلَمُوا مِنْ هَذَا الْأَذَى، وَقَدْ أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالصَّبْرِ. قَالَ تَعَالَى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: 35].

عُدَّةُ هَذِهِ الْعَقَبَةِ هِيَ الصَّبْرُ عَلَى الْمَكَارِهِ، وإِخْلَاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، والثَّبَاتُ عَلَى الْحَقِّ وَإِنْ قَلَّ السَّالِكُونَ، والِاحْتِسَابُ الدَّائِمُ لِلْأَجْرِ عِنْدَ اللَّهِ.

فَمَنْ نَجَا مِنْ هَذِهِ الْعَقَبَاتِ السَّبْعِ بِكَمَالِهَا، فَهُوَ الْفَائِزُ، وَهُوَ السَّالِكُ حَقًّا، الَّذِي اسْتَحَقَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ "الْعِبَادِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ" (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ).

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ،

لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ يَعْمَلُ عَدُوُّكُمْ، فَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ، وَأَقِيمُوا الْمَوَانِعَ دُونَ مَكْرِهِ، وَاصْمُدُوا عَلَى الْحَقِّ، وَاجْعَلُوا "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" دِرْعًا لَكُمْ وَسِلَاحًا.

أَيُّهَا النَّاسُ،

إِنَّ الشَّيْطَانَ لَنْ يَكُفَّ عَنْ سَعْيِهِ حَتَّى تُفَارِقَ الرُّوحُ الْجَسَدَ، وَلَنْ يَسْتَسْلِمَ حَتَّى يَرَاكَ فِي مَهَالِكِهِ. فَلَا تَيَأْسُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَا تَغْتَرُّوا بِقُوَّتِكُمْ.

إِنَّ دُرُوعَ النَّجَاةِ مِنْ هَذِهِ الْعَقَبَاتِ السَّبْعِ لَيْسَتْ أُمُورًا مُعَقَّدَةً، بَلْ هِيَ أُصُولٌ شَرْعِيَّةٌ، سَهْلَةٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ.

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ،

تَمَسَّكُوا بِكِتَابِ رَبِّكُمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ، وَكُونُوا عَلَى بَصِيرَةٍ بِعَدُوِّكُمْ، فَاللَّيْلُ يَمْضِي، وَالْعُمْرُ يَجْرِي، وَالْمَوْقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ قَرِيبٌ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ التَّوْحِيدَ الْخَالِصَ، وَالْإِخْلَاصَ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.

اللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِنْ عَقَبَةِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَنَجِّنَا مِنْ ضَلَالَ الْبِدْعَةِ وَالْإِحْدَاثِ.

اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ، وَلَا تَجْعَلْ فِينَا إِصْرَارًا عَلَى ذَنْبٍ أَوْ تَهَاوُنًا فِي أَمْرِكَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَوْقَاتَنَا مُبَارَكَةً، وَلَا تَشْغَلْنَا بِالْمُبَاحَاتِ عَنْ الطَّاعَاتِ، وَلَا بِالْمَرْجُوحِ عَنِ الْفَاضِلِ.

اللَّهُمَّ نَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَالْجِهَادَ الصَّادِقَ فِي سَبِيلِكَ.

اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَاجْعَلْ لَهُمْ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ بَلَاءٍ عَافِيَةً.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ اللَّهِ،

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صرخة الحق وفجيعة الدم { نداء عاجل إلى أهلنا في بيت أمر }

بسم الله الرحمن الرحيم صَرْخَةُ الْحَقِّ وَفَجِيعَةُ الدَّم نِدَاءٌ عَاجِلٌ إِلَى أَهْلِنَا فِي بَلْدَةِ بَيْت أُمَّر كَتَبَهُ الشَّيْ...