أَحْكَامُ طَهَارَةِ الجُرْحِ وَالقَطْعِ
كتبه: الشيخ زهير بن حسن
حميدات
مُقَدِّمَةٌ: أَصْلُ التَّيْسِيرِ وَرَفْعُ
الحَرَجِ:
تَقُومُ الشَّرِيعَةُ
الإِسْلَامِيَّةُ عَلَى أُصُولٍ رَاسِخَةٍ مِنْهَا قَاعِدَةُ التَّيْسِيرِ وَرَفْعِ الحَرَجِ عَنِ المُكَلَّفِينَ، كَمَا
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
وَتَتَجَلَّى هَذِهِ القَاعِدَةُ بِوُضُوحٍ فِي أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ، الَّتِي
هِيَ مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ وَعِمَادُ الْعِبَادَةِ، حَيْثُ نَظَّمَتِ الشَّرِيعَةُ
كَيْفِيَّةَ أَدَاءِ الوُضُوءِ وَالغُسْلِ فِي حَالَاتِ الْأَعْذَارِ كَوُجُودِ الجُرُوحِ وَالْكُسُورِ أَوْ قَطْعِ الْأَعْضَاءِ. وَيُعَدُّ
فَهْمُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ ضَرُورَةً عِلْمِيَّةً وَعَمَلِيَّةً لِكُلِّ مُسْلِمٍ
قَدْ يَتَعَرَّضُ لِإِصَابَةٍ تَمْنَعُهُ مِنْ غَسْلِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ
طَهَارَتِهِ.
المَبْحَثُ الْأَوَّلُ: طَهَارَةُ العُضْوِ المَجْرُوحِ
وَالتَّرْتِيبُ الفِقْهِيُّ:
يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ
عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي طَهَارَةِ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ وَالغُسْلِ هُوَ الغَسْلُ بِالمَاءِ، وَهُوَ الحُكْمُ الْأَوَّلُ فِي
التَّرْتِيبِ الْفِقْهِيِّ. وَلَكِنْ عِنْدَ وُجُودِ جُرْحٍ يَمْنَعُ مُبَاشَرَةَ
المَاءِ، يَنْتَقِلُ التَّكْلِيفُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى بَدَائِلَ أُخْرَى تَدْفَعُ
الضَّرَرَ وَتُحَقِّقُ الطَّهَارَةَ، وَيَكُونُ التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ هُوَ الغَسْلُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْمَسْحُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ
فَالْتَّيَمُّمُ.
1. حُكْمُ الجُرْحِ المَكْشُوفِ:
الْجُرْحُ المَكْشُوفُ
هُوَ الْجُرْحُ الَّذِي لَمْ يُغَطَّ بِجَبِيرَةٍ أَوْ ضِمَادَةٍ. فَإِذَا كَانَ
الجُرْحُ فِي عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنَّهُ
إِذَا تَعَذَّرَ غَسْلُهُ خَوْفًا مِنْ تَلَفِهِ أَوْ زِيَادَةِ الضَّرَرِ، يُنْتَقَلُ إِلَى تَيَمُّمِ عَيْنِهِ.
وَيُفَرِّقُ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُرْحِ المَكْشُوفِ بَيْنَ
الْحَدَثَيْنِ:
·
فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ (الغُسْلِ): إِذَا تَعَذَّرَ
الغَسْلُ عَلَى الجُرْحِ، فَإِنَّهُ يُغْسَلُ بَقِيَّةُ البَدَنِ، وَيُشْرَعُ التَّيَمُّمُ لِذَلِكَ الْعُضْوِ بَدَلًا مِنْ غَسْلِهِ.
وَهَذَا الْحُكْمُ يَسْتَنِدُ إِلَى جَمْعِ الْبَدَائِلِ بَيْنَ الْأَصْلِ
وَالتَّيَمُّمِ.
·
فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ (الوُضُوءِ): تُغْسَلُ بَقِيَّةُ
الْأَعْضَاءِ السَّلِيمَةِ، وَيُعَامَلُ الْعُضْوُ المَجْرُوحُ بِالتَّيَمُّمِ
إِذَا تَعَذَّرَ مَسْحُهُ، بَعْدَ مُحَاوَلَةِ المَسْحِ عَلَيْهِ أَوَّلًا إِنْ
أَمْكَنَ.
2. حُكْمُ الجُرْحِ المُغَطَّى
(المُجَبَّرِ):
الجُرْحُ المُغَطَّى
بِجَبِيرَةٍ (وَهِيَ مَا يُشَدُّ بِهِ الْكِسْرُ أَوْ الْجُرْحُ، كَالضِّمَادِ
وَاللَّصَّاقِ) لَهُ حُكْمٌ مُخْتَلِفٌ يَقُومُ عَلَى المَسْحِ. فَإِنَّهُ
إِذَا غُطِّيَ الْعُضْوُ بِجَبِيرَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَإِنَّهُ يُمْسَحُ عَلَى
الجَبِيرَةِ بَدَلًا مِنَ الغَسْلِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الجُرْحِ.
وَيَتَوَجَّهُ المَسْحُ عَلَى الجَبِيرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَحْدَاثِ:
·
فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ: يُمْسَحُ عَلَى مَا
يُغَطِّي مَحَلَّ الجُرْحِ الْأَكْبَرَ، مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَ المَسْحِ
وَالتَّيَمُّمِ لِذَلِكَ الْعُضْوِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ.
·
فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ: يُمْسَحُ عَلَى مَا
يُغَطِّي مَحَلَّ الْفَرْضِ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ.
وَمِنْ تَيْسِيرِ
الشَّرْعِ فِي المَسْحِ عَلَى الجَبِيرَةِ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تُوضَعَ
عَلَى طَهَارَةٍ خِلَافًا لِلْمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَلَا يُشْتَرَطُ
لَهَا مُدَّةٌ مُعَيَّنَةٌ، بَلْ يَبْقَى المَسْحُ مَا دَامَتِ
الْحَاجَةُ لِإِبْقَائِهَا قَائِمَةً حَتَّى يَشْفَى الجُرْحُ.
المَبْحَثُ الثَّانِي: أَحْكَامُ طَهَارَةِ العُضْوِ
المَقْطُوعِ:
تَنْتَقِلُ
الْأَحْكَامُ إِلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى عِنْدَ وُقُوعِ الْقَطْعِ فِي عُضْوٍ مِنْ
أَعْضَاءِ الوُضُوءِ، وَهِيَ قَاعِدَةُ سُقُوطِ التَّكْلِيفِ
لِانْعِدَامِ مَحَلِّهِ. وَيَجِبُ تَقْسِيمُ صُوَرِ القَطْعِ إِلَى ثَلَاثِ
حَالَاتٍ لِتَبْيِينِ حُكْمِ الطَّهَارَةِ فِي كُلٍّ مِنْهَا:
1. الْقَطْعُ فَوْقَ حَدِّ
الْفَرْضِ (فَوْقَ المِرْفَقِ أَوْ فَوْقَ الكَعْبِ):
إِذَا قُطِعَ الْعُضْوُ
كَالْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ كَامِلًا مِنْ مَفْصَلٍ يَقَعُ فَوْقَ حَدِّ الْغَسْلِ
المَفْرُوضِ (مِثْلُ القَطْعِ فَوْقَ المِرْفَقِ لِلْيَدِ، أَوْ فَوْقَ الكَعْبِ
لِلرِّجْلِ)، يَسْقُطُ عَنْهُ الغَسْلُ لِانْعِدَامِ مَحَلِّهِ بِالقَطْعِ.
وَبِالتَّالِي، لَا يُكَلَّفُ المُسْلِمُ بِالْوُضُوءِ فِي هَذَا المَوْضِعِ
لِزَوَالِهِ.
2. الْقَطْعُ دُونَ حَدِّ
الْفَرْضِ (دُونَ المِرْفَقِ أَوْ دُونَ الكَعْبِ):
إِذَا بَقِيَ مِنْ
الْعُضْوِ جُزْءٌ يَدْخُلُ فِي حَدِّ الوُضُوءِ المَفْرُوضِ (مِثْلُ القَطْعِ فِي
مُنْتَصَفِ السَّاعِدِ أَوْ السَّاقِ)، فَهَذَا يُغْسَلُ مَا بَقِيَ مِنَ
الْعُضْوِ مَحَلَّ الْفَرْضِ. وَهُوَ يُعَامَلُ مَعَ الْجُزْءِ البَاقِي
مُعَامَلَةَ الْعُضْوِ السَّلِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ كُلُّ مَحَلِّ الْفَرْضِ
بَعْدُ.
3. الْقَطْعُ عِنْدَ حَدِّ
الْفَرْضِ تَمَامًا (عِنْدَ المِرْفَقِ أَوْ عِنْدَ الكَعْبِ):
إِذَا حَدَثَ الْقَطْعُ
مُلَاصِقًا لِلْحَدِّ (أَيْ عِنْدَ المِرْفَقِ أَوْ عِنْدَ الكَعْبِ)، فَقَدِ
اِخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ فِي حَدِّ
الْغَسْلِ. وَالرَّاجِحُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ وَتَحْقِيقِ الْيَقِينِ
بِالْأَدَاءِ هُوَ: غَسْلُ رَأْسِ العَضُدِ وَرَأْسِ السَّاقِ
(أَيْ الْجُزْءُ المُجَاوِرُ لِمَحَلِّ القَطْعِ مِنَ الْعُضْوِ الَّذِي يَلِيهِ).
وَهَذَا لِضَمَانِ دُخُولِ حَدِّ الْفَرْضِ فِي الطَّهَارَةِ.
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: تَفْصِيلَاتٌ وَتَوْجِيهَاتٌ
فِقْهِيَّةٌ:
يَجِبُ أَنْ يَعِيَ المُسْلِمُ بَعْضَ النُّقَاطِ المُهِمَّةِ
المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ:
1. أَصْلُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ
البَدَائِلِ:
كَمَا ذُكِرَ،
التَّرْتِيبُ الْفِقْهِيُّ هُوَ الْغَسْلُ فَإِنْ تَعَذَّرَ
فَالْمَسْحُ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْتَّيَمُّمُ. فَلَا يَجُوزُ
الِانْتِقَالُ مِنْ الْغَسْلِ إِلَى التَّيَمُّمِ مُبَاشَرَةً إِلَّا إِذَا كَانَ
المَسْحُ نَفْسُهُ يُحْدِثُ ضَرَرًا بَالِغًا بِالْجُرْحِ أَوْ يُؤَخِّرُ
شِفَاءَهُ. وَيَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ أَوْ بِأَقْرَبِ
الْبَدَائِلِ إِلَيْهِ هُوَ الْأَوْلَى شَرْعًا.
2. حُكْمُ المَسْحِ عَلَى
الْجُرْحِ الْمَعْصُوبِ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ:
الْمَسْحُ عَلَى الجَبِيرَةِ فِي الوُضُوءِ يَكْفِي عَنِ الغَسْلِ
فِي مَحَلِّهَا، وَيُغْنِي عَنِ التَّيَمُّمِ فِي هَذَا الْحَدَثِ، بِخِلَافِ
الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ التَّيَمُّمُ بَدَلًا مِنْ الغُسْلِ
فِي مَوْضِعِ الْجُرْحِ لِخُطُورَةِ الْحَدَثِ وَأَهَمِّيَّةِ تَعْمِيمِ
الطَّهَارَةِ عَلَى كُلِّ البَدَنِ.
3. سُقُوطُ الْفَرْضِ بِسُقُوطِ
مَحَلِّهِ:
قَطْعُ الْعُضْوِ كُلِّيًّا (فَوْقَ المِرْفَقِ/الكَعْبِ) يُعَدُّ
سُقُوطًا لِفَرْضِ غَسْلِهِ، وَلَا يُكَلَّفُ المُسْلِمُ بِلُبْسِ أَعْضَاءٍ
صِنَاعِيَّةٍ لِغَسْلِهَا فِي الوُضُوءِ، فَالتَّكْلِيفُ يَدُورُ مَعَ مَحَلِّهِ
وُجُودًا وَعَدَمًا.
الخَاتِمَةُ: دَلَالَةُ الرَّحْمَةِ
وَالعَدْلِ:
إِنَّ هَذِهِ
الْأَحْكَامَ تُبْرِزُ بِجَلَاءٍ عَدْلَ الشَّرِيعَةِ وَرَحْمَتَهَا
بِأَبْنَائِهَا، فَلَمْ تُهْمِلِ المُصَابَ وَلَمْ تَجْعَلْهُ بِمَنْأًى عَنِ
الْعِبَادَةِ، بَلْ وَفَّرَتْ لَهُ بَدَائِلَ شَرْعِيَّةً تُحَقِّقُ لَهُ
الْوُصُولَ إِلَى الطَّهَارَةِ الكَامِلَةِ حَسَبَ اِسْتِطَاعَتِهِ. وَتَدْعُو
هَذِهِ الْمَسَائِلُ الْفِقْهِيَّةُ إِلَى ضَرُورَةِ التَّفَقُّهِ الدَّقِيقِ
لِتَجَنُّبِ التَّسَاهُلِ فِي أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ، وَلِأَدَاءِ الْعِبَادَةِ
عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق