2025-12-07

ورع المجاهد في سبيل الله

وَرَعُ الْمُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ

خطبة الجمعة

للشيخ زهير بن حسن حميدات

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْعَبْدَ وَاخْتَارَهُ، وَنَصَرَ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ وَاتَّقَاهُ. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا وَافِيًا، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْمُجَاهِدِينَ وَقُدْوَةُ الْعَامِلِينَ.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [العنكبوت: 6].

أَمَّا بَعْدُ،

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ،

اعْلَمُوا أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ دِينُ الْجِهَادِ، وَلَكِنَّ الْجِهَادَ لَيْسَ مُجَرَّدَ قِتَالٍ بِالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ، بَلْ هُوَ جِهَادٌ دَائِمٌ يَشْمَلُ جِهَادَ النَّفْسِ، وَجِهَادَ الشَّيْطَانِ، وَجِهَادَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ. وَهَذِهِ الْمَعَارِكُ لَنْ يُنْتَصَرَ فِيهَا إِلَّا بِسِلَاحٍ أَصْلُهُ الْيَقِينُ وَمَادَّتُهُ الْوَرَعُ.

لَقَدْ تَعَرَّفْنَا فِي الْخُطَبِ السَّابِقَةِ عَلَى مَنْزِلَةِ الْوَرَعِ، وَهُوَ "تَرْكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ مَخَافَةَ الْوُقُوعِ فِيمَا فِيهِ بَأْسٌ". وَإِذَا كَانَ هَذَا الْوَرَعُ ضَرُورِيًّا لِكُلِّ مُسْلِمٍ لِصِيَانَةِ قَلْبِهِ مِنْ مُحَاصَرَةِ الذُّنُوبِ، فَهُوَ أَشَدُّ لُزُومًا لِـ**"الْمُجَاهِدِ"** الَّذِي يَعْرِضُ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ، وَيَبْتَغِي بِعَمَلِهِ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ.

إِنَّ وَرَعَ الْمُجَاهِدِ هُوَ مَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُحْتَسِبِ الصَّادِقِ وَبَيْنَ الْمُرَائِي الطَّالِبِ لِحُظُوظِ الدُّنْيَا. وَإِنَّ أَوَّلَ مَوَاطِنِ الْوَرَعِ الَّتِي يَنْتَصِبُ الشَّيْطَانُ عِنْدَهَا لِيُحَرِّفَ النِّيَّةَ، هُوَ:

🔥 أَوَّلًا: الْوَرَعُ فِي النِّيَّةِ (تَجْرِيدُ الْإِخْلَاصِ)

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ،

إِنَّ أَخْطَرَ عَقَبَةٍ يَتَرَبَّصُ بِهَا الشَّيْطَانُ بِالْمُجَاهِدِ هِيَ عَقَبَةُ الْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَهِيَ تَبْدَأُ بِـفَسَادِ النِّيَّةِ. فَالنِّيَّةُ الْخَالِصَةُ لِلَّهِ هِيَ رُوحُ الْجِهَادِ وَسِرُّ قَبُولِهِ.

فَالْوَرَعُ هُنَا يَعْنِي: التَّحَرُّزَ الشَّدِيدَ مِنِ اخْتِلَاطِ نِيَّةِ الْجِهَادِ بِأَيْ شَائِبَةٍ مِنْ شَوَائِبِ الدُّنْيَا، كَطَلَبِ الْمَغَانِمِ، أَوِ الْحُصُولِ عَلَى الْمَنْزِلَةِ، أَوْ أَنْ يُقَالَ: "فُلَانٌ شُجَاعٌ".

·         وَرَعُ الْمُجَاهِدِ فِي الْقَصْدِ: لَا يَبْدَأُ الْجِهَادُ صَحِيحًا إِلَّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فَالْوَرَعُ فِي النِّيَّةِ هُوَ الْهَجْرَةُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِكُلِّ مَا تَحْمِلُهُ الْكَلِمَةُ مِنْ مَعْنًى.

·         خَطَرُ الْجِهَادِ لِأَجْلِ الدُّنْيَا: الْوَرَعُ هُنَا يَقْضِي عَلَى أَشَدِّ الْعَقَبَاتِ السَّبْعِ؛ عَقَبَةِ الْكُفْرِ الَّتِي تَبْدَأُ بِالرِّيَاءِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: هُوَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ" (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). لَقَدْ فَسَدَتْ نِيَّتُهُ، فَأَصْبَحَ بِوَرَعِهِ النَّاقِصِ أَوَّلَ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ.

🛡️ ثَانِيًا: الْوَرَعُ فِي الْقَوْلِ وَاللِّسَانِ (حِفْظُ سِرِّ الْجِهَادِ)

يَا عِبَادَ اللَّهِ،

الْوَرَعُ فِي حَيَاةِ الْمُجَاهِدِ يَتَجَاوَزُ عَمَلَ الْجَوَارِحِ إِلَى سِيَاجِ اللِّسَانِ. فَالْوَرَعُ اللِّسَانِيُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَرْكِ الْغِيبَةِ، بَلْ هُوَ:

1.   وَرَعُ اللِّسَانِ عَنْ كَشْفِ الْأَسْرَارِ: الْجِهَادُ سِرٌّ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ، فَالْوَرَعُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْخَوْضِ فِي خُطَطِ الْعَمَلِ، وَعَدَمَ نَشْرِ أَخْبَارِ الْمُجَاهِدِينَ خَشْيَةَ أَنْ تَصِلَ إِلَى الْعَدُوِّ. فَمَنْ نَشَرَ سِرًّا أَوْ كَشَفَ خُطَّةً، وَقَعَ فِي عَقَبَةِ الذُّنُوبِ الَّتِي تُفْسِدُ الْجِهَادَ.

2.   الْوَرَعُ عَنِ الْجِدَالِ الْمُفْضِي إِلَى الْفُرْقَةِ: الشَّيْطَانُ يَعْمَلُ بِكُلِّ مَكْرٍ لِيُوقِعَ الْبَغْضَاءَ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ، وَيُفْسِدَ عَلَيْهِمْ وَحْدَةَ الصَّفِّ. فَالْوَرَعُ يَجْعَلُ الْمُجَاهِدَ يَتْرُكُ الْجِدَالَ فِي الْأُمُورِ الْمَرْجُوحَةِ، وَيُؤْثِرُ الْعَمَلَ الْأَفْضَلَ عَلَى الْمَفْضُولِ، وَيَجْتَمِعُ عَلَى الثَّوَابِتِ، مُتَجَنِّبًا عَقَبَةَ الْبِدْعَةِ الَّتِي تَبْدَأُ بِالتَّشَدُّدِ فِي الْخِلَافِ.

3.   الْوَرَعُ عَنِ الْغُلُوِّ فِي مَدْحِ النَّفْسِ: مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُجَاهِدِ أَنْ يَتَوَرَّعَ عَنِ الْكَلَامِ فِي تَمْجِيدِ عَمَلِهِ أَوْ الْغُلُوِّ فِي وَصْفِ بَطُولَاتِهِ، فَذَلِكَ مِنْ دَوَاعِي الْعُجْبِ الَّتِي تُفْسِدُ الْأَجْرَ. وَلْيَكُنْ شِعَارُهُ: "مَا كَانَ لِلَّهِ دَامَ، وَمَا كَانَ لِغَيْرِهِ انْقَطَعَ".

فَيَا مَنْ اخْتَرْتُمْ طَرِيقَ الْعِزِّ،

صُونُوا أَعْمَالَكُمْ بِالْوَرَعِ، وَاجْعَلُوا قُلُوبَكُمْ نَقِيَّةً مِنْ شَوَائِبِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجِهَادَ تِجَارَةٌ لَنْ تَخْسَرَ أَبَدًا إِذَا كَانَتْ نِيَّتُهَا خَالِصَةً لِلَّهِ.

يَا أَيُّهَا الْمُجَاهِدُونَ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ،

إِنَّ الْجِهَادَ -كَمَا ذَكَرْنَا- مَنْزِلَةٌ لَا تَبْلُغُهَا النُّفُوسُ إِلَّا بِصِدْقِ التَّضْحِيَةِ وَبُلُوغِ الْوَرَعِ. وَلَوْ أَنَّ الْمُجَاهِدَ ضَرَبَ أَجْمَعَ سُيُوفِهِ، وَبَذَلَ أَغْلَى مَا لَدَيْهِ، ثُمَّ قَصَّرَ فِي جَانِبِ الْوَرَعِ، لَكَانَ عَمَلُهُ كَالْهَبَاءِ الْمَنْثُورِ.

وَإِنَّ مِنْ أَشَدِّ الْمَوَاطِنِ الَّتِي يَتَجَلَّى فِيهَا وَرَعُ الْمُجَاهِدِ: وَرَعُهُ فِي كَسْبِهِ وَمَأْكَلِهِ وَمُلْبَسِهِ، وَفِي تَعَامُلِهِ مَعَ مُتَطَلَّبَاتِ الدُّنْيَا الْعَاجِلَةِ.

🍽️ ثَالِثًا: الْوَرَعُ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَالِ (طَهَارَةُ الْبَدَنِ وَالسِّرِّ)

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،

إِنَّ الْمُجَاهِدَ الَّذِي يَخْرُجُ لِقِتَالِ الْعَدُوِّ، لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ طَاهِرَ الْقَلْبِ، طَاهِرَ الْكَسْبِ. فَالْجَسَدُ الَّذِي يَتَغَذَّى بِالْحَرَامِ، لَنْ يَكُونَ جَدِيرًا بِأَنْ يُبْذَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَنْ يُسْتَجَابَ دُعَاؤُهُ:

1.   الْوَرَعُ عَنِ الْحَرَامِ الْبَيِّنِ: لَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سُوءِ عَمَلِ الْعَاصِي الَّذِي يَتَضَرَّعُ إِلَى اللَّهِ بِيَدَيْهِ مَمْدُودَتَيْنِ، فَقَالَ: "ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟" (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). فَالْوَرَعُ هُنَا يَعْنِي: إِبْعَادَ كُلِّ دَنَسٍ وَشُبْهَةٍ عَنْ مَصْدَرِ الْقُوَّةِ الَّتِي يُجَاهِدُ بِهَا الْمُجَاهِدُ.

2.   الْوَرَعُ عَنِ الْغُلُولِ (فِي الْغَنِيمَةِ): إِنَّ مِنْ أَشَدِّ مَا يُمْتَحَنُ بِهِ الْمُجَاهِدُونَ هُوَ فِتْنَةُ الْمَالِ فِي الْحَرْبِ. فَالْغُلُولُ هُوَ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ قِسْمَتِهِ، وَهُوَ مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ. فَالْوَرَعُ هُنَا هُوَ: أَنْ يَكُونَ الْمُجَاهِدُ أَمِينًا عَلَى أَمْوَالِ الْغَنَائِمِ، وَأَنْ يَتَحَرَّجَ مِنْ كُلِّ لَامِعٍ فِي الْمَيْدَانِ، وَأَنْ يَتَذَكَّرَ الْحَدِيثَ: "إِنَّهَا لَا تَبْلَى -يَعْنِي شَمْلَةً غَلَّهَا رَجُلٌ- إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

⏳ رَابِعًا: الْوَرَعُ فِي الْأَوْقَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ (مُجَاهَدَةُ التَّسْوِيفِ)

أَيُّهَا الْمُوَحِّدُونَ،

إِنَّ الْمُجَاهِدَ يَخُوضُ مَعْرَكَةً مَعَ الزَّمَنِ قَبْلَ الْعَدُوِّ. فَإِنَّ وَقْتَهُ هُوَ سِلَاحُهُ الْأَثْمَنُ، وَضَيَاعَهُ مِنْ أَشَدِّ مَكْرِ الشَّيْطَانِ.

1.   الْوَرَعُ عَنْ عَقَبَةِ الْمُبَاحَاتِ الْمُفْرِطَةِ:

o        إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا عَجَزَ عَنْ إِسْقَاطِ الْعَبْدِ فِي الْكَبَائِرِ، نَقَلَهُ إِلَى عَقَبَةِ الْمُبَاحَاتِ، كَالْإِفْرَاطِ فِي النَّوْمِ، أَوْ الْأَكْلِ، أَوْ التَّرَفِ، فَيَشْغَلُهُ عَنِ الِاجْتِهَادِ فِي التَّزَوُّدِ لِلْمَعَادِ.

o        فَالْوَرَعُ فِي حَقِّ الْمُجَاهِدِ هُوَ: أَنْ يَتَوَرَّعَ عَنِ الْإِفْرَاطِ فِي كُلِّ مَا يَأْخُذُهُ مِنَ الدُّنْيَا الْعَاجِلَةِ. لِأَنَّ هَذَا الْإِفْرَاطَ يُورِثُ الْقَسْوَةَ وَحُبَّ الْبَقَاءِ، فَيُصْعِبُ عَلَيْهِ بَذْلَ نَفْسِهِ.

2.   وَرَعُ الْفُضُولِ فِي الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ:

o        الْمُجَاهِدُ الْحَقُّ يَصُونُ بَصَرَهُ عَمَّا يُشَوِّشُ قَلْبَهُ مِنْ فِتَنِ الدُّنْيَا، وَيَصُونُ لِسَانَهُ عَمَّا يُخَالِطُ صَفَاءَ نِيَّتِهِ مِنَ الْجِدَالِ الَّذِي لَا يُغْنِي.

o        فَالْوَرَعُ عَنِ الْفُضُولِ هُوَ الْطَرِيقُ إِلَى تَحْقِيقِ مَنْزِلَةِ الْمُرَاقَبَةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْإِيمَانِ.

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ،

اجْعَلُوا الْوَرَعَ خَيْمَةً لِأَعْمَالِكُمْ، وَسِيَاجًا لِقُلُوبِكُمْ. فَكُلَّمَا كَانَ وَرَعُكُمْ أَقْوَى، كَانَ ثَبَاتُكُمْ أَشَدَّ، وَنَصْرُكُمْ أَقْرَبَ.

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَزَّنَا بِالْإِسْلَامِ، وَجَعَلَ جِهَادَنَا نَصْرًا لِلْمَظْلُومِينَ وَرَفْعًا لِلْعُدْوَانِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الَّذِي أَمَرَنَا بِالْعَدْلِ فِي الْقِتَالِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ فِي كُلِّ حَالٍ.

يَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،

إِنَّ الْوَرَعَ فِي حَيَاةِ الْمُجَاهِدِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى صِيَانَةِ النِّيَّةِ وَالْمَالِ الْخَاصِّ بِهِ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ وَرَعَ التَّعَامُلِ مَعَ الْعَدُوِّ وَمَنْ لَيْسَ عَلَى دِينِهِ، حَتَّى فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ وَأَشَدِّ الْمَوَاقِفِ. إِنَّ الْجِهَادَ الْمَشْرُوعَ هُوَ مِيزَانُ الْأَخْلَاقِ فِي الْحَرْبِ.

🎯 خَامِسًا: الْوَرَعُ فِي الْقِتَالِ وَالتَّعَامُلِ (عَدْلُ الْإِحْسَانِ)

أَيُّهَا الْأَخْوَةُ،

إِنَّ الْوَرَعَ الْحَقَّ يَعْنِي أَنَّ الْمُجَاهِدَ لَا يَسْتَخْدِمُ سِلَاحَهُ إِلَّا فِي مَوْضِعِهِ، وَلَا يَعْتَدِي عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْعُدْوَانِ:

1.   الْوَرَعُ عَنِ الْعُدْوَانِ وَالْغُلُوِّ:

o        لَقَدْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَادَتَهُ وَجُنْدَهُ بِعَدَمِ الْغُلُوِّ فِي الْقِتَالِ، وَعَدَمِ الْإِفْرَاطِ فِي الْقَسْوَةِ. وَمِنْ تَوْجِيهَاتِهِ الْوَرِعَةِ: "لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا صَغِيرًا، وَلَا امْرَأَةً" (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

o        فَالْوَرَعُ هُنَا هُوَ: الِالْتِزَامُ بِحُدُودِ الشَّرْعِ فِي الْقِتَالِ، وَعَدَمُ مُجَاوَزَتِهَا لِلثَّأْرِ أَوِ الْغَضَبِ الشَّخْصِيِّ. وَهَذَا الْوَرَعُ يَحْمِي الْمُجَاهِدَ مِنْ عَقَبَةِ الْكَبَائِرِ الَّتِي تَهُونُ عَلَيْهِ بَعْدَهَا صَغَائِرُ الذُّنُوبِ وَمُحَقَّرَاتُهَا.

2.   الْوَرَعُ فِي مُعَامَلَةِ الْأَسْرَى وَالْجُرْحَى:

o        الْوَرَعُ يَقْتَضِي مُعَامَلَةَ الْأَسِيرِ بِإِحْسَانٍ وَكَرَامَةٍ، وَعَدَمَ التَّمْثِيلِ بِالْجُثَثِ. قَالَ تَعَالَى عَنِ الْأَبْرَارِ: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان: 8].

o        فَالْمُجَاهِدُ الْوَرِعُ يَرَى فِي الْأَسِيرِ نَفْسًا بَشَرِيَّةً لَهُ عَلَيْهِ حَقُّ الرَّحْمَةِ مَا لَمْ يَأْمُرِ الشَّرْعُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، مُتَذَكِّرًا أَنَّ الْإِحْسَانَ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي الْأَصْدِقَاءِ.

3.   الْوَرَعُ عَنِ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ:

o        الْوَرَعُ فِي الْقِتَالِ يَعْنِي: عَدَمَ تَعَمُّدِ إِتْلَافِ مَا لَا دَاعِيَ لِإِتْلَافِهِ، كَقَطْعِ الْأَشْجَارِ، وَهَدْمِ الْبُيُوتِ عَلَى سَاكِنِيهَا دُونَ ضَرُورَةٍ. إِنَّ الْوَرَعَ يَجْعَلُ الْمُجَاهِدَ جُنْدِيَّ إِصْلَاحٍ لَا جُنْدِيَّ إِفْسَادٍ، حَتَّى وَهُوَ فِي مَعْرَكَةِ الْحَقِّ ضِدَّ الْبَاطِلِ.

أَيُّهَا الْأَخْوَةُ،

لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نُلَخِّصَ صِفَاتِ الْمُجَاهِدِ الَّذِي اسْتَوْفَى وَرَعَ الْمَقَامِ، لَوَجَدْنَا خَمْسَ خِصَالٍ عَظِيمَةٍ:

1.   الْخَوْفُ الدَّائِمُ مِنْ خَلَلِ النِّيَّةِ: هُوَ دَائِمُ مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ، يَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ سِرُّهُ مُخَالِفًا لِعَلَانِيَتِهِ، وَيَجْتَنِبُ الْإِصْرَارَ عَلَى مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ الَّتِي هِيَ مَدْخَلُ لِفَسَادِ النِّيَّةِ.

2.   الزُّهْدُ فِي الْعَاجِلِ وَالرَّغْبَةُ فِي الْآجِلِ: يَتَوَرَّعُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ الْمُفْرِطَةِ، لِئَلَّا يَسْتَثْقِلَ التَّضْحِيَةَ بِالدُّنْيَا، فَالْمُجَاهِدُ الْوَرِعُ يُقَدِّمُ الْفَاضِلَ عَلَى الْمَفْضُولِ.

3.   الثَّبَاتُ عَلَى الْمَبْدَأِ وَعَدَمُ الِانْزِلَاقِ: الْوَرَعُ يَمْنَعُهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي شُبُهَاتِ الْبِدْعَةِ أَوِ الْخُرُوجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ الصَّادِقَةِ، فَيَبْقَى دَائِمًا عَلَى عَقَبَةِ الِاسْتِقَامَةِ.

4.   الْعَمَلُ بِالْعِلْمِ: هُوَ لَا يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى جَهْلٍ، بَلْ يَعْمَلُ بِمَا عَلِمَ، فَيَعْرِفُ حُدُودَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَحُدُودَ الشُّبُهَاتِ، فَيَجْتَنِبُهَا.

5.   دَوَامُ الذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ: هُوَ مُسْتَمِرٌّ فِي طَلَبِ الْعَوْنِ الْإِلَهِيِّ، مُتَذَكِّرًا دَائِمًا أَنَّ قُوَّتَهُ مِنْ قُوَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَغْتَرُّ بِجَهْدِهِ أَوْ عَمَلِهِ.

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ،

هَذِهِ هِيَ صِفَاتُ الْمُجَاهِدِ الْحَقِّ، فَلْنَلْتَزِمْ بِهَا فِي كُلِّ مَوَاطِنِ الْجِهَادِ: فِي جِهَادِنَا مَعَ أَنْفُسِنَا وَمَعَ الشَّيْطَانِ وَمَعَ أَعْدَاءِ الْأُمَّةِ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ،

إِنَّنَا بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ لِمَكَانَةِ الْوَرَعِ فِي عَمَلِ الْمُجَاهِدِ، نُدْرِكُ أَنَّ هَذَا الْمَقَامَ لَيْسَ حِكْرًا عَلَى مَنْ حَمَلَ السَّيْفَ، بَلْ هُوَ لُزُومٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ سَالِكٍ يَبْتَغِي الْوَصُولَ إِلَى دَرَجَةِ الْإِحْسَانِ.

إِنَّ النَّصْرَ لَيْسَ لِمَنْ غَلَبَ بِقُوَّةِ الْجَسَدِ، بَلْ لِمَنْ غَلَبَ بِقُوَّةِ الْوَرَعِ وَالطُّهْرِ. وَكَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: "مَا تَرَكَ أَحَدٌ شَيْئًا لِلَّهِ إِلَّا عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ". وَإِنَّمَا نُعَانِي الْيَوْمَ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَوَاطِنِ الْأُمَّةِ بِسَبَبِ نَقْصِ الْوَرَعِ فِي كَسْبِنَا وَتَعَامُلَاتِنَا.

أيها المسلمون،

لِتَحْقِيقِ هَذَا الْمَقَامِ الْعَالِي فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ، عَلَيْنَا بِخَمْسِ وَصَايَا تُجْمَلُ لَنَا الْخُطْبَةَ كُلَّهَا:

1.   مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ عَلَى تَرْكِ الْهَوَى: وَهِيَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ، فَلَا تَسْتَسْلِمْ لِأَدْنَى هَوًى، وَلَا تَقُلْ إِنَّ هَذَا الذَّنْبَ صَغِيرٌ، فَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ. وَتَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّ الشَّيْطَانَ يَبْدَأُ بِـعَقَبَةِ الصَّغَائِرِ لِيُوصِلَكَ إِلَى الْكَبَائِرِ.

2.   تَجَنُّبُ الْإِفْرَاطِ فِي الْمُبَاحَاتِ: لَا تَجْعَلْ مُبَاحَاتِ الدُّنْيَا هَمَّكَ الْأَكْبَرَ، فَيَصْرِفَكَ الشَّيْطَانُ عَنْ الْأَعْمَالِ الْفَاضِلَةِ. وَالْمُجَاهِدُ الْوَرِعُ هُوَ مَنْ يَكْتَفِي بِالْقَلِيلِ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا لِيَتَفَرَّغَ لِلْآخِرَةِ.

3.   تَطْهِيرُ الْمَالِ مِنْ أَدْنَى الشُّبُهَاتِ: كُنْ حَرِيصًا عَلَى طُهْرِ كَسْبِكَ كَحِرْصِكَ عَلَى طُهْرِ وُضُوئِكَ، فَالْوَرَعُ الْمَالِيُّ هُوَ سِرُّ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَبَرَكَةِ الْحَيَاةِ.

4.   لُزُومُ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ: إِذَا وَقَعْتَ فِي شُبْهَةٍ أَوْ زَلَلٍ، فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ فَوْرًا، وَاجْعَلْ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ مَلاذَكَ، وَأَكْثِرْ مِنَ الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ.

5.   صُحْبَةُ الْوَرِعِينَ وَمُجَالَسَتُهُمْ: لَنْ يَسْتَقِيمَ قَلْبُكَ إِلَّا بِمُجَالَسَةِ مَنْ يُذَكِّرُكَ بِاللَّهِ وَيُعِينُكَ عَلَى تَرْكِ الْهَوَى. فَالْتَمِسْ الْجَمَاعَةَ الصَّالِحَةَ لِتَكُونَ دِرْعًا لَكَ مِنْ مَكْرِ الشَّيْطَانِ.

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ،

كُونُوا عَلَى قَدْرِ عَمَلِكُمْ، وَاجْعَلُوا وَرَعَ الْمُجَاهِدِينَ نَهْجًا لِحَيَاتِكُمْ، تَنْجُو مِنْ عَقَبَاتِ الشَّيْطَانِ السَّبْعِ، وَتُفْلِحُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْوَرَعَ وَالتَّقْوَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى.

اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ.

اللَّهُمَّ نَقِّ قُلُوبَنَا مِنَ الرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الْغُلُولِ وَالذَّنْبِ.

اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى جِهَادِ أَنْفُسِنَا، وَعَلَى التَّحَرِّي لِلْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ.

اللَّهُمَّ انْصُرْ عِبَادَكَ الْمُجَاهِدِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاجْعَلْهُمْ مِمَّنْ صَدَقُوا فِي الْوَرَعِ، فَأَعْلَيْتَ رَايَتَهُمْ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ اللَّهِ،

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صرخة الحق وفجيعة الدم { نداء عاجل إلى أهلنا في بيت أمر }

بسم الله الرحمن الرحيم صَرْخَةُ الْحَقِّ وَفَجِيعَةُ الدَّم نِدَاءٌ عَاجِلٌ إِلَى أَهْلِنَا فِي بَلْدَةِ بَيْت أُمَّر كَتَبَهُ الشَّيْ...