المَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ وَالجَوْرَبَيْنِ
كتبه: الشيخ زهير بن حسن حميدات
· الشَّرِيعَةُ بَيْنَ العَزِيمَةِ
وَالرُّخْصَةِ:
تَقُومُ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ عَلَى مَبَادِئِ رَفْعِ
الْحَرَجِ وَتَقْلِيلِ الْمَشَقَّةِ، وَمِنْ أَجْلَى صُوَرِ هَذَا التَّيْسِيرِ
مَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ تَخْفِيفٍ
عِنْدَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ؛ فَقَدْ جُعِلَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ
وَالْجَوْرَبَيْنِ بَدَلًا عَنْ غَسْلِهِمَا رُخْصَةً ثَابِتَةً بِالسُّنَّةِ
الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ وَإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَهَذَا يُؤَكِّدُ
أَنَّ الدِّينَ يُرَاعِي أَحْوَالَ النَّاسِ، لَا سِيَّمَا فِي أَوْقَاتِ الشِّتَاءِ
وَالْحَاجَةِ إِلَى التَّدْفِئَةِ أَوِ السَّتْرِ.
أَوَّلًا: مَشْرُوعِيَّةُ الْمَسْحِ
وَأَدِلَّتُهُ:
الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ
السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ، حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ
رَحِمَهُ اللَّهُ: "لَيْسَ فِي قَلْبِي مِنَ الْمَسْحِ شَيْءٌ، فِيهِ
أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ". وَمِنْ أَشْهَرِهَا حَدِيثُ
جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَيْثُ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ
عَلَى خُفَّيْهِ، وَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ يُعْجِبُ الْعُلَمَاءَ لِأَنَّ
إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْوُضُوءِ فِي سُورَةِ
الْمَائِدَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ مُحْكَمٌ وَلَمْ يُنْسَخْ.
أَمَّا الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ (وَهُمَا مَا يُلْبَسُ
عَلَى الرِّجْلِ مِنْ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ نَحْوِهِ)، فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَدَدٍ
مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ
وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ
الْجِلْدِيِّ مَوْجُودَةٌ فِي الْجَوْرَبِ، وَهِيَ الْمَشَقَّةُ فِي النَّزْعِ
وَالْحَاجَةُ إِلَى السَّتْرِ.
ثَانِيًا: شُرُوطُ صِحَّةِ الْمَسْحِ:
لَا يَكُونُ الْمَسْحُ صَحِيحًا مُجْزِئًا عَنِ الْغَسْلِ إِلَّا
بِتَوَفُّرِ شُرُوطٍ ضَرُورِيَّةٍ، أَهَمُّهَا:
1. الطَّهَارَةُ السَّابِقَةُ: بِأَنْ يَلْبَسَهُمَا
الْمُسْلِمُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ غَسَلَ فِيهَا رِجْلَيْهِ، لِقَوْلِهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا
طَاهِرَتَيْنِ".
2. سَتْرُ مَحَلِّ الْفَرْضِ: بِأَنْ يُغَطِّيَ
الْخُفُّ أَوِ الْجَوْرَبُ الرِّجْلَ مَعَ الْكَعْبَيْنِ، فَمَا كَانَ دُونَ
ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ.
3. طَهَارَةُ الْعَيْنِ: فَلَا يَجُوزُ
الْمَسْحُ عَلَى مَا صُنِعَ مِنْ نَجَاسَةٍ، أَوْ مَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ لَمْ
تُطَهَّرْ.
4. نَوْعُ الْحَدَثِ: أَنْ يَكُونَ
الْمَسْحُ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ لَا الْأَكْبَرِ؛ إِذْ يَجِبُ النَّزْعُ عِنْدَ
الْجَنَابَةِ أَوِ الْغُسْلِ.
5. الْمُدَّةُ الزَّمَنِيَّةُ: وَهِيَ يَوْمٌ
وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ.
ثَالِثًا: زَمَنُ الْمَسْحِ وَكَيْفِيَّتُهُ:
تَبْدَأُ مُدَّةُ
الْمَسْحِ مِنْ أَوَّلِ مَسْحَةٍ بَعْدَ الْحَدَثِ عَلَى الرَّاجِحِ، لَا
مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ وَلَا مِنْ وَقْتِ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ. أَمَّا صِفَةُ
الْمَسْحِ، فَهِيَ أَنْ يَبُلَّ الْمُتَوَضِّئُ يَدَيْهِ بِالْمَاءِ ثُمَّ
يَمْسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ فَقَطْ، مَرَّةً وَاحِدَةً، مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ
إِلَى السَّاقِ. وَلَا يُشْرَعُ مَسْحُ الْأَسْفَلِ أَوِ الْعَقِبِ، لِقَوْلِ
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "لَوْ كَانَ الدِّينُ
بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ".
رَابِعًا: نَوَاقِضُ الْمَسْحِ وَأَثَرُ
نَزْعِ الْمَلْبُوسِ:
يَبْطُلُ الْمَسْحُ فِي ثَلَاثِ حَالَاتٍ:
1. انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ.
2. حُصُولُ مَا يُوجِبُ
الْغُسْلَ.
3. نَزْعُ الْخُفَّيْنِ
أَوْ أَحَدِهِمَا.
سؤال: هَلْ
نَزْعُ الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْمَسْحِ يُبْطِلُ الْوُضُوءَ؟
الجواب: اخْتَلَفَ
الْعُلَمَاءُ فِي ذلك؛ وَالرَّاجِحُ الَّذِي عَلَيْهِ التَّحْقِيقُ -وَهُوَ
اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ- أَنَّ نَزْعَهُمَا لَا
يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مَتَى ثَبَتَتْ بِمُقْتَضَى دَلِيلٍ
شَرْعِيٍّ فَلَا تَبْطُلُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ
النَّزْعَ نَاقِضٌ.
الخُلَاصَةُ الفِقْهِيَّةُ:
1. بَقَاءُ الطَّهَارَةِ: إِذَا خَلَعْتَ
خُفَّيْكَ بَعْدَ الْمَسْحِ وَأَنْتَ عَلَى وُضُوءٍ، فَوُضُوءُكَ بَاقٍ وَتَجُوزُ
لَكَ الصَّلَاةُ بِهِ حَتَّى يَنْتَقِضَ بِنَاقِضٍ مَعْرُوفٍ كَالْبَوْلِ أَوِ الرِّيحِ.
2. بُطْلَانُ صَلَاحِيَّةِ
الْمَسْحِ: بِمُجَرَّدِ النَّزْعِ، تَبْطُلُ مَشْرُوعِيَّةُ الْمَسْحِ
عَلَيْهِمَا مُجَدَّدًا؛ فَإِذَا أَرَدْتَ لُبْسَهُمَا وَالْمَسْحَ مَرَّةً
أُخْرَى، فَلَا بُدَّ مِنْ وُضُوءٍ كَامِلٍ تَغْسِلُ فِيهِ الرِّجْلَيْنِ.
3. الِاحْتِيَاطُ: مَنِ احْتَاطَ
وَتَوَضَّأَ بَعْدَ النَّزْعِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ فَهُوَ أَحْسَنُ،
لَكِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
خَاتِمَةٌ: التَّفَقُّهُ سَبِيلُ
الْعِبَادَةِ الصَّحِيحَةِ:
إِنَّ رُخْصَةَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ
هِيَ هَدِيَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ تَعْكِسُ جَمَالَ هَذَا الدِّينِ. فَعَلَى
الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَفَقَّهَ فِيهَا لِيَعْبُدَ اللَّهَ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَلَا
يُشَدِّدَ عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا رَخَّصَ اللَّهُ فِيهِ، وَلَا يَتَسَاهَلَ فِيمَا
وَجَبَ عَلَيْهِ ضَبْطُهُ، مُقْتَدِيًا بِهَدْيِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ
أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
لَا تَنْسَوْنَا مِنْ صَالِحِ دُعَائِكُمْ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق