تَزْوِيرُ النَّصْرِ وَخِيَانَةُ التَّحْرِيرِ
خطبة الجمعة
للشيخ زهير بن حسن حميدات
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: نَعْتُ النَّصْرِ المَفْقُودِ وَحِكَايَةُ
التَّحْوِيرِ:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ،
نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ،
وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ
يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ
حَقٍّ وَتَوْحِيدٍ، وَإِقْرَارَ صِدْقٍ وَتَمْجِيدٍ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَاحِبُ الرِّسَالَةِ وَمُبَلِّغُ الحَقِّ،
بَعَثَهُ اللَّهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ. صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى
آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَصَحْبِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَنْ
تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَاِقْتَفَى أَثَرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ،
فَيَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
الأَخْيَارُ، اِتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ
إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ،
يَا أُمَّةَ الإِيمَانِ
وَاليَقِينِ، نَتَوَقَّفُ الْيَوْمَ عِنْدَ مَفَاهِيمَ عَظِيمَةٍ جَرَى عَلَيْهَا
التَّزْوِيرُ وَالتَّحْوِيرُ فِي عَصْرِنَا، مَفَاهِيمُ النَّصْرِ وَالتَّحْرِيرِ،
وَمَعَانِي الْإِطْلَاقِ وَالْإِخْلَاصِ لِمَبَادِئِ الثَّوْرَاتِ. إِنَّ
تَقَاوِيمَ الدُّوَلِ وَالحُكُومَاتِ العَرَبِيَّةِ تَزْدَحِمُ بِأَعْيَادِ الِاسْتِقْلَالِ وَالتَّحْرِيرِ وَالجَلَاءِ، وَتُمْطِرُ
النَّاسَ بِالوُعُودِ وَالبَشَائِرِ، وَلَكِنَّهَا تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا
"نُعُوتَ النَّصْرِ المَفْقُودِ" وَسِمَاتِ الهَزِيمَةِ المُقَنَّعَةِ. فَلَا نَجِدُ فِي وَاقِعِ
الْأُمَّةِ إِلَّا اِسْتِبْدَالًا لِمُحْتَلٍّ بِمُحْتَلٍّ، وَتَغْيِيرًا لِوَجْهٍ
بِوَجْهٍ، مَعَ اِسْتِمْرَارِ التَّبَعِيَّةِ وَهَيْمَنَةِ الْأَجْنَبِيِّ.
فَكُلَّمَا اِنْتَهَتْ ثَوْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ عَلَى شَاكِلَةٍ وَاحِدَةٍ -بَدَأَتْ
بِصَرَخَاتِ الحَقِّ وَدِمَاءِ الشُّهَدَاءِ- سُرْعَانَ مَا تَلْتَفُّ عَلَيْهَا قُوَى الكُفْرِ العَالَمِيَّةِ، وَتَخْتَرِقُ صُفُوفَهَا،
وَتُوَظِّفُهَا لِأَجَنْدَتِهَا الخَبِيثَةِ، وَيَنْتَهِي المَشْهَدُ بِـ"اِسْتِقْلَالٍ" وَ"تَحْرِيرٍ"
يُوَقِّعُ عَلَيْهِ الغُزَاةُ أَنْفُسُهُمْ، مَعَ تَغْيِيرِ
شَكْلِ الحَاكِمِ أَوْ صُورَةِ الحُكْمِ، لِيُصْبِحَ هَذَا اليَوْمُ "عِيدًا وَطَنِيًّا" يُحْتَفَلُ فِيهِ بِـ"النَّصْرِ
وَالتَّحْرِيرِ"، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ عِيدٌ لِتَرْسِيخِ
العُبُودِيَّةِ الجَدِيدَةِ.
يَا عِبَادَ اللَّهِ،
إِنَّ التَّحْرِيرَ
الحَقَّ هُوَ مَا أَحْرَزَهُ المُجَاهِدُونَ بِالنَّصْرِ الحَقِيقِيِّ بِإِقَامَةِ
سِيَادَةِ الشَّرِيعَةِ. هُوَ تَحْرِيرُ الْأَرْضِ مِنْ كُلِّ
دَنَسٍ وَطَاغُوتٍ، وَتَحْرِيرُ الْإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ خُضُوعٍ وَعُبُودِيَّةٍ
لِغَيْرِ اللَّهِ. أَمَّا التَّحْرِيرُ الَّذِي يَجْرِي الْيَوْمَ، فَقَدْ أُعِيدَ
تَعْرِيفُهُ فِي إِطَارِ الشَّرْعِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ وَالدَّسَاتِيرِ
الوَطَنِيَّةِ المُصْطَنَعَةِ، بَعِيدًا عَنْ ظِلَالِ الشَّرِيعَةِ
الإِسْلَامِيَّةِ السَّمْحَةِ. إِذْ يُصْبِحُ النَّصْرُ مُرَادِفًا لِلتَّسْوِيَةِ وَالِاحْتِوَاءِ، وَيُصْبِحُ التَّحْرِيرُ مُرَادِفًا لِلتَّسْلِيمِ وَالتَّطْبِيعِ
مَعَ حُكْمِ البَاطِلِ الَّذِي يُرِيدُونَ. فَلَمْ تَعُدْ غَايَةُ الثَّائِرِينَ
هِيَ إِقَامَةَ شَرْعِ اللَّهِ الكَامِلِ، بَلْ إِقَامَةَ دَوْلَةٍ مَدَنِيَّةٍ تُرْضِي حَمَاةَ الصَّلِيبِ، أَوْ
نِظَامِ حُكْمٍ بَدِيلٍ يَقْبَلُهُ السَّادَةُ الجُدُدُ فِي
وَاشِنْطُنَ.
أَيُّهَا السَّائِرُونَ
عَلَى نَهْجِ الحَقِّ،
لَقَدْ رَأَيْنَا كَيْفَ
تَزَامَنَتْ ذِكْرَى مَا سُمِّيَ بِـ "التَّحْرِيرِ"
السُّورِيِّ -وَفِي الحَقِيقَةِ هُوَ تَغْيِيرٌ لِوَجْهِ الطَّاغُوتِ- مَعَ
الحَدِيثِ عَنْ إِلْغَاءِ أَمْرِيكَا "قَانُونَ قَيْصَرَ" الَّذِي
كَانَ مَفْرُوضًا لِعِقَابِ نِظَامِ الْأَسَدِ. لَقَدْ كَانَ هَذَا القَانُونُ
يُسْتَخْدَمُ سَيْفًا مُسَلَّطًا عَلَى النِّظَامِ القَدِيمِ لِإِجْبَارِهِ عَلَى
التَّنَازُلِ وَتَقْدِيمِ التَّسْوِيَاتِ، ثُمَّ يُنْوَى رَفْعُهُ الْيَوْمَ كَمُكَافَأَةٍ لِلْجَوْلَانِيِّ وَنِظَامِهِ الجَدِيدِ.
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ النِّظَامَ الجَدِيدَ قَدْ نَجَحَ فِي خِلَافَةِ نِظَامِ
الْأَسَدِ فِي الحُكْمِ -لَيْسَ عَلَى نَهْجِ الْإِسْلَامِ- بَلْ فِي
إِطَارِ المَشْرُوعِ الدَّوْلِيِّ لِلْاِقْتِطَاعِ وَالِاحْتِوَاءِ. وَأَنَّهُ اِسْتَحَقَّ
بِجَدَارَةٍ مُكَافَآتٍ أَمْرِيكِيَّةً فَشِلَ الْأَسَدُ فِي نَيْلِهَا
مُنْذُ سَنَوَاتٍ طِوَالٍ، لِأَنَّهُ قَدَّمَ مَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْأَسَدُ
تَقْدِيمَهُ: إِرْضَاءَ حَمَاةِ الصَّلِيبِ وَالِالْتِزَامَ بِأَجَنْدَتِهِمْ.
إِنَّ "مُنْتَهَى غَايَةِ"
هَؤُلَاءِ الثُّوَّارِ و"سَقْفَ اِنْتِصَارَاتِهِمْ" لَمْ يَكُنْ سِوَى الوُصُولِ إِلَى سُدَّةِ الحُكْمِ، لِيُعِيدُوا "لَعْبَ
دَوْرِ نَفْسِ الطَّاغُوتِ الَّذِي اُضْطُرُّوا لِمُحَارَبَتِهِ" وَلَكِنْ
بِوَجْهٍ جَدِيدٍ، فِي دَوْرَةٍ جَاهِلِيَّةٍ مُكَرَّرَةٍ لَنْ تُعِيدَ
لِلْأُمَّةِ مَجْدَهَا أَوْ كَرَامَتَهَا. وَهَذِهِ الدَّوْرَةُ الجَاهِلِيَّةُ
المُخَادِعَةُ تَبْدَأُ بِـثَوْرَةٍ وَصَرْخَةِ حَقٍّ مُخْلِصَةٍ،
وَيَتَوَسَّطُهَا خِيَانَةٌ وَاِنْحِرَافٌ عَنِ المَسَارِ بِفِعْلِ
العُمَلَاءِ، لِتَنْتَهِيَ بِعِتْقٍ مِنْ "الإِرْهَابِ"
بِإِعْلَانِ الطَّاعَةِ لِأَمْرِيكَا، لِيَنْتَهِيَ المَطَافُ بِسُورِيَا
"مُحَرَّرَةً مِنَ الشَّرِيعَةِ" وَلَيْسَتْ مِنَ
الطَّاغُوتِ.
أَيُّهَا المُوَحِّدُونَ
الأَحْرَارُ،
لَقَدْ أَفْصَحَتْ
شُرُوطُ "الكُونْغِرِسِ" الأَمْرِيكِيِّ لِإِلْغَاءِ
العُقُوبَاتِ عَنِ المَسَارِ الحَقِيقِيِّ لِهَذَا التَّحْرِيرِ المُزَيَّفِ،
وَهِيَ شُرُوطٌ لَا تَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ فِي أَنَّ الغَايَةَ لَيْسَتْ
نُصْرَةَ الشَّعْبِ السُّورِيِّ، بَلْ تَأْمِينُ مَصَالِحِ
الصَّلِيبِيِّينَ فِي المِنْطَقَةِ. لَقَدْ جَاءَ فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ
مَا يُؤَكِّدُ اِتِّفَاقَ الطَّاغُوتِ المَقْبُورِ وَ"الثَّوَرَاتِ المُدَجَّنَةِ" عَلَى مُحَارَبَةِ الْإِسْلَامِ الصَّحِيحِ المُطْلَقِ. فَهُمْ
يَشْتَرِطُونَ اِتِّخَاذَ "حُكُومَةِ سُورِيَا إِجْرَاءَاتٍ مَلْمُوسَةٍ
وَحَقِيقِيَّةٍ لِلْقَضَاءِ عَلَى التَّهْدِيدِ الَّذِي تُشَكِّلُهُ الدَّوْلَةُ
الإِسْلَامِيَّةُ وَالجَمَاعَاتُ الإِرْهَابِيَّةُ.. بِالشَّرَاكَةِ مَعْ أَمْرِيكَا،
وَلِمَنْعِ عَوْدَةِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ". وَهَذَا يَعْنِي
التَّوْقِيعَ عَلَى حَرْبٍ صَلِيبِيَّةٍ وَاضِحَةٍ ضِدَّ
كُلِّ مَنْ يَرْفَعُ رَايَةَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا تَحْوِيرٍ،
وَجَعْلَ أَمْرِيكَا شَرِيكًا وَرَقِيبًا عَلَى سِيَادَةِ البِلَادِ. كَمَا
تَضَمَّنَتْ شُرُوطًا بِـ"إِزَالَةِ المُقَاتِلِينَ
الْأَجَانِبِ مِنَ المَنَاصِبِ العُلْيَا" وَهُوَ مَا يَعْنِي اِسْتِبْعَادَ كُلِّ مُخْلِصٍ جَاءَ يُجَاهِدُ دِفَاعًا عَنِ
العَقِيدَةِ، وَتَصْفِيَةَ المَشْهَدِ لِيَبْقَى فِيهِ فَقَطْ العَمِيلُ المَحَلِّيُّ
المُدَجَّنُ. وَالْأَخْطَرُ شُرُوطُ "أَمْنِ حُدُودِ
اليَهُودِ" عَبْرَ اِتِّفَاقِيَّاتِ الْأَمْنِ الدَّوْلِيِّ، فَلَا
نَصْرَ إِلَّا بِضَمَانِ سَلَامَةِ عَدُوِّ الْأُمَّةِ الْأَوَّلِ. إِنَّ هَذَا
لَتَحْرِيرٌ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ الَّذِي حَارَبَهُ الْجَوْلَانِيُّ
بِكَامِلِ طَاقَتِهِ، لِيَسْتَبْدِلَ حُكْمَ الْأَسَدِ بِحُكْمٍ أَشَدَّ خَطَرًا،
لِأَنَّهُ يَرْتَدِي ثَوْبَ الثَّوْرَةِ وَالْإِصْلَاحِ.
أَيُّهَا المُوَحِّدُونَ،
إِنَّ عِلَّةَ ضَيَاعِ
الْأُمَّةِ وَتَأَخُّرِ نَصْرِهَا تَرْجِعُ إِلَى ضَيَاعِ الأُصُولِ وَتَشْوِيهِ
المَفَاهِيمِ. لَقَدْ تَمَّ تَحْوِيلُ المَعْرَكَةِ مِنْ مَعْرَكَةِ "التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ" إِلَى مَعْرَكَةِ "الْحُرِّيَّةِ وَالدِّيْمُقْرَاطِيَّةِ"، وَمِنْ
مَعْرَكَةِ "إِقَامَةِ الشَّرِيعَةِ" إِلَى مَعْرَكَةِ "إِقَامَةِ النِّظَامِ البَدِيلِ" الَّذِي يَرْضَى
بِهِ الْكُفْرُ.
فَالِانْفِصَالُ عَنِ
المَنْهَجِ النَّبَوِيِّ فِي تَحْقِيقِ النَّصْرِ، وَاِتِّبَاعُ سُبُلِ الغَرْبِ
فِي حُكْمِ الدَّسَاتِيرِ، هُوَ أَصْلُ الدَّاءِ. كَمَا عَهِدْنَا عَمْدَ بَعْضِ
الجَمَاعَاتِ إِلَى اِتِّخَاذِ الصَّلِيبِيَّةِ
"صَدِيقَةً" فِي أَعْيُنِهِمْ، فَيُحَالِفُونَ حُلَفَاءَهَا
وَيُعَادُونَ أَعْدَاءَهَا، وَهَذَا هَدْمٌ لِأَصْلِ الْإِيمَانِ الَّذِي يَقُومُ
عَلَى مَوْلَاةِ المُؤْمِنِينَ وَمُعَادَاةِ الكَافِرِينَ. وَقَدْ جُعِلَتْ
غَايَةُ الحَرَكَاتِ المُسَلَّحَةِ إِرْضَاءَ حَمَاةِ الصَّلِيبِ
وَنَيْلَ "شَهَادَةِ الحُسْنِ" مِنْ وَزَارَةِ الخَارِجِيَّةِ
الْأَمْرِيكِيَّةِ، لِيُصْبِحَ النَّصْرُ رَهِينًا بِتَوْقِيعٍ مِنْ طَاغُوتِ
الكُفْرِ. لَقَدْ قَالَ رَبُّنَا فِي تَقْرِيرِ مَنْهَجِ النَّجَاةِ وَطَرِيقِ
الحَقِّ الوَاضِحِ:
﴿وَأَنَّ
هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]
فَطَرِيقُ النَّصْرِ
وَاحِدٌ هُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، أَمَّا التَّفَرُّقُ
وَالِالْتِفَافُ وَإِرْضَاءُ الشَّرْقِ وَالغَرْبِ فَهِيَ سُبُلُ الهَلَاكِ
وَالضَّيَاعِ المُؤَكَّدِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
الكِرَامُ،
إِنَّ أَخْطَرَ مَا
يُدْمِي قَلْبَ الْأُمَّةِ هُوَ أَنْ يَقُومَ المُحْتَفَلُ بِهِ
بَدَلًا مِنْ المُحْتَلِّ بِنَفْسِ الدَّوْرِ بَلْ بِصُورَةٍ أَقْبَحَ
وَأَخْطَر، حَيْثُ يُحَارِبُونَ الشَّرِيعَةَ بِاِسْمِ التَّحْرِيرِ، وَيُضِيقُونَ
عَلَى المُوَحِّدِينَ بِاِسْمِ "حِفْظِ الْأَمْنِ
الدَّوْلِيِّ". إِنَّ وَاجِبَنَا الْيَوْمَ يَقْتَضِي مِنْكُمْ نَقَاءَ المَفَاهِيمِ، أَلَّا نَعْرِفَ نَصْرَنَا مِنْ هَزِيمَتِنَا، وَلَا حُرِّيَتَنَا
مِنْ عُبُودِيَّتَنَا، إِلَّا بِمِيزَانِ الشَّرْعِ المُطَهَّرِ. وَكَمَا
يَقْتَضِي رَفْضُ تَرْضِيَةِ الكَافِرِينَ، أَيْ رَفْضُ أَنْ يَكُونَ
نَصْرُنَا مَرْهُونًا بِإِرْضَاءِ طَوَاغِيتِ الشَّرْقِ وَالغَرْبِ.
النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ
اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ
وَخَطِيئَةٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
النَّصْرُ المَوْعُودُ وَمِنَارَةُ دِمَشْقَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
العَالَمِينَ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. وَالصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا وَخَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ
وَالمُرْسَلِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ
عَلَى هَدْيِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ،
فَيَا أَيُّهَا المُسْلِمُونَ،
إِذَا كَانَ التَّحْرِيرُ
وَالِانْتِصَارُ فِي مِيزَانِ الطَّوَاغِيتِ هُوَ طَيُّ صَفْحَةِ الثَّوْرَةِ
السُّورِيَّةِ "المُحَرَّرَةِ مِنَ الشَّرِيعَةِ"، وَضَمَانُ "أَمْنِ الحُدُودِ اليَهُودِيَّةِ"، وَتَقْدِيمُ
بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ لِحَمَاةِ الصَّلِيبِ، فَإِنَّ عَزْمَ المُجَاهِدِينَ
الصَّادِقِينَ يَبْقَى مُتَوَقِّدًا عَلَى غَايَةٍ أُخْرَى لَا تَشُوبُهَا
شَائِبَةٌ، إِنَّ غَايَةَ المُجَاهِدِينَ العَقَدِيَّةَ لَيْسَتْ حُكْمًا
دُنْيَوِيًّا زَائِلًا، وَلَا اِعْتِرَافًا مِنْ "الكُونْغِرِسِ"
أَوْ "مَجْلِسِ الْأَمْنِ"، بَلْ هِيَ غَايَةٌ
سَمَاوِيَّةٌ تَتَمَثَّلُ فِي إِعَادَةِ سُورِيَا إِلَى حِضْنِ الْإِسْلَامِ
الكَامِلِ وَلَيْسَتْ سُورِيَا الدَّسَاتِيرِ المُحَرَّفَةِ، وَفِي إِلْزَامِهَا
عَتَبَةَ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ فَلَا حَاكِمَ سِوَى شَرْعِهِ، وَفِي
إِقَامَةِ المَنْهَجِ الرَّبَّانِيِّ حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ عِيسَى اِبْنَ
مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ،
الَّتِي اِخْتَفَى ذِكْرُهَا مِنْ أَدَبِيَّاتِ هَذِهِ الثَّوْرَةِ العَوْرَاءِ
المُتَّبِعَةِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ. إِنَّ النَّصْرَ لَهُ أَبْطَالُهُ
وَمَيَادِينُهُ، وَسَبِيلُهُ الَّذِي خَطَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَسَلَكَهُ الصَّحَابَةُ الفَاتِحُونَ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ، فَهُوَ
الدُّخُولُ فِي مَسَارَاتِ الِاحْتِوَاءِ وَالِالْتِقَاءِ وَالتَّدْجِينِ
وَالتَّجْنِيدِ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ،
إِنَّنَا نَرَى بَعْضَ
مَنْ اِدَّعَوْا الجِهَادَ يَحْتَفِلُونَ مَعَ الغُزَاةِ بِـ"نَصْرٍ
وَتَحْرِيرٍ" لَمْ يَخْرُجْ شِبْرًا عَنْ رِضَاهَا وَمَصَالِحِهَا.
وَيَتَجَلَّى هَذَا الِانْحِرَافُ فِي تَقْدِيمِ التَّنَازُلَاتِ العَقَدِيَّةِ،
وَالتَّخَلِّي عَنْ جُزْءٍ مِنْ سِيَادَةِ الشَّرِيعَةِ مُقَابِلَ المَقَاعِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَفِي مُحَارَبَةِ أَهْلِ
الْإِخْلَاصِ وَاِعْتِمَادِ التَّمْوِيلِ الْأَجْنَبِيِّ، الَّذِي يُقَيِّدُ
قَرَارَهُمْ وَيُفْسِدُ غَايَتَهُمْ. فَلْنَحْرِصْ عَلَى نَقَاءِ
المَفَاهِيمِ، وَلْنَأْخُذِ الحَقَائِقَ مِنْ مَنْبَعِهَا الشَّرْعِيِّ
الخَالِصِ، وَلْنَحْذَرْ مِنْ أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُونَ نَصْرَهُمْ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ، وَلَا حُرِّيَّتَهُمْ مِنْ عُبُودِيَّتِهِمْ.
فَلْنَتَمَسَّكْ بِصِرَاطِ اللَّهِ المُسْتَقِيمِ، وَلْنَجْعَلْ نَصْرَنَا
مَرْهُونًا بِإِقَامَةِ شَرْعِهِ، لَا بِإِرْضَاءِ طَوَاغِيتِ الشَّرْقِ
وَالغَرْبِ. وَلْنَتَذَكَّرْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ،
كَمَا تَتَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ،
وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ
عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهْنَ.
قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ
المَوْتِ)) [رواه أبو داود وأحمد]
فَالوَهْنُ الْيَوْمَ يَتَجَسَّدُ فِي حُبِّ الحُكْمِ وَالكَرَاهِيَةِ
لِلتَّضْحِيَةِ بِمُتَطَلَّبَاتِ النَّصْرِ الشَّرْعِيِّ.
اللَّهُمَّ صَلِّ
وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ
وَالمُشْرِكِينَ. اللَّهُمَّ رُدَّ الْمُسْلِمِينَ إِلَى دِينِكَ رَدًّا جَمِيلًا،
وَرُدَّهُمْ إِلَى مَنْهَجِ نَبِيِّكَ رَدًّا مُبِينًا. اللَّهُمَّ اِكْفِنَا
شَرَّ المُتَآمِرِينَ مِنَ الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ، وَأَفْسِدْ
مُخَطَّطَاتِ المُحْتَلِّ وَالعَمِيلِ. اللَّهُمَّ اِغْفِرْ
لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ
مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي
الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ،
﴿إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ
وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90] فَاذْكُرُوا اللَّهَ
الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ
اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق