2025-12-21

بين بر الوالدين وذروة سنام الإسلام

بَيْنَ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَذِرْوَةِ سَنَامِ الْإِسْلَامِ

فِقْهُ الِاسْتِئْذَانِ لِلْجِهَادِ

كتبه: الشيخ زهير بن حسن حميدات

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ جَاءَتْ بِنِظَامٍ مُحْكَمٍ لِلْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَلَمْ تَتْرُكْ مَجَالًا لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ إِلَّا وَوَضَعَتْ لَهُ مِيزَانًا دَقِيقًا؛ وَمِنْ أَبْرَزِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَكْثُرُ السُّؤَالُ عَنْهَا: حُكْمُ اسْتِئْذَانِ الْوَالِدَيْنِ عِنْدَ الْخُرُوجِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَلِلْإِجَابَةِ عَنْ هَذَا، لَا بُدَّ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ حَالَتَيْنِ رَئِيسَتَيْنِ يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِتَغَيُّرِهِمَا.

v   أَوَّلًا: حَالَةُ وُجُوبِ الِاسْتِئْذَانِ (جِهَادُ الطَّلَبِ):

إِذَا كَانَ الْجِهَادُ "فَرْضَ كِفَايَةٍ"؛ وَهُوَ قِتَالُ الْعَدُوِّ فِي عُقْرِ دَارِهِ (ابْتِدَاءً)، أَوْ فِي حَالِ وُجُودِ مَنْ يَكْفِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِسَدِّ الثَّغْرِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَجِبُ اسْتِئْذَانُ الْوَالِدَيْنِ، وَيَحْرُمُ الْخُرُوجُ دُونَ إِذْنِهِمَا.

وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ "فَرْضُ عَيْنٍ" لَازِمٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَمَّا الْجِهَادُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَهُوَ "فَرْضُ كِفَايَةٍ"؛ وَالْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ تَقْضِي بِتَقْدِيمِ فَرْضِ الْعَيْنِ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ». فَعَدَّ النَّبِيُّ ﷺ رِعَايَةَ الْوَالِدَيْنِ وَالْقِيَامَ عَلَى خِدْمَتِهِمَا جِهَادًا مُقَدَّمًا عَلَى الْخُرُوجِ لِلْقِتَالِ الَّذِي لَمْ يَتَعَيَّنْ.

v   ثَانِيًا: حَالَةُ سُقُوطِ الِاسْتِئْذَانِ (جِهَادُ الدَّفْعِ):

يَسْقُطُ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ فِي الْإِذْنِ، وَيَصِيرُ الْخُرُوجُ وَاجِبًا وَلَوْ مَنَعَا، إِذَا تَحَوَّلَ الْجِهَادُ إِلَى "فَرْضِ عَيْنٍ". وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ فِقْهِيَّةٍ اتَّفَقَ عَلَيْهَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ:

1.   إِذَا حَضَرَ الْمُسْلِمُ الصَّفَّ: إِذَا الْتَقَى الْجَيْشَانِ وَبَدَأَ الْقِتَالُ؛ فَحِينَئِذٍ يَحْرُمُ الِانْصِرَافُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الْأَنْفَال: 15].

2.   إِذَا دَاهَمَ الْعَدُوُّ بَلَدًا: إِذَا هَجَمَ الْعَدُوُّ عَلَى دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَجَبَ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الدِّيَارِ الدِّفَاعُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، فَيَصِيرُ الْجِهَادُ وَاجِبًا عَيْنِيًّا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ الْعَيْنِيِّ.

3.   إِذَا اسْتَنْفَرَ الْإِمَامُ: إِذَا عَيَّنَ وَلِيُّ الْأَمْرِ (الْحَاكِمُ) شَخْصًا بِعَيْنِهِ، أَوْ أَمَرَ بِالنَّفِيرِ الْعَامِّ؛ وَجَبَ الْخُرُوجُ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

خُلَاصَةُ الْقَوْلِ: إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الرَّحْمَةِ وَالْحِكْمَةِ؛ فَقَدْ حَفِظَ لِلْوَالِدَيْنِ مَكَانَتَهُمَا السَّامِيَةَ فَلَمْ يُجِزْ تَرْكَهُمَا لِأَمْرٍ كِفَائِيٍّ، وَحَفِظَ لِلْأُمَّةِ بَيْضَتَهَا فَلَمْ يُعَلِّقِ الدِّفَاعَ عَنْهَا عَلَى إِذْنِ أَحَدٍ إِذَا دَهَمَ الْخَطَرُ. فَمَنْ أَرَادَ الْخَيْرَ فَلْيَلْتَزِمْ بِهَذِهِ الضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ، فَبِهَا تَسْتَقِيمُ الْأُمُورُ وَيَعْظُمُ الْأَجْرُ.

وَاللَّهُ أَعْلَمُ

لَا تَنْسَوْنَا مِنْ صَالِحِ دُعَائِكُمْ


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صرخة الحق وفجيعة الدم { نداء عاجل إلى أهلنا في بيت أمر }

بسم الله الرحمن الرحيم صَرْخَةُ الْحَقِّ وَفَجِيعَةُ الدَّم نِدَاءٌ عَاجِلٌ إِلَى أَهْلِنَا فِي بَلْدَةِ بَيْت أُمَّر كَتَبَهُ الشَّيْ...